الدين واجهة للاستعراض.. الجميع وصي على ملابس النساء

يفترض بزي النساء أن يكون خيارا وليس فرضا، وألا يدخل ضمن حسابات سياسية أو دينية معينة، لكن الحجاب تحوَّل إلى موضوع للجدل، مع تصدره في المجتمعات المسلمة عموما والعربية خصوصا مواضيع وقضايا أكثر جوهرية وأهمية.
السبت 2018/05/05
الزي متغير وفق الزمان والمكان

تونس - تثير مسألة الحجاب، معارك ضارية سواء فكرية أو دينية أو مجتمعية وحتى سياسية في البلدان العربية، في ظلّ تمسك كل طرف من طرفي النزاع بآرائه، ومن ورائها نظرة ورؤيته عامة للمجتمع الذي يحلم به.

ويتبنّى كثيرون في العالم العربي والإسلامي المفهوم الغربي الشائع الذي يرى الحجاب رمزا لاضطهاد المرأة وتقييدا لحريتها، دليلهم في ذلك كتب كثيرة كتبتها مسلمات أنفسهن.

وهناك قصة في السيرة الذاتية للكاتبة النسوية المغربية فاطمة المرنيسي تُبرز علاقة النساء بالحجاب على نحو واضح. ففي الحرب العالمية الثانية ولم تكن وقتها قد بلغت التاسعة، تقول المرنيسي “أخذتُ أجري وعلى رأسي أحد أغطية رأس أمي، مربوطا بإحكام حول رأسي، حتى لاحظته أمي وأجبرتني على خلعه، وصرخت قائلة: إياك أن تغطي رأسك، أتفهمينني؟ إياك أن تفعلي ذلك مطلقا! فأنا كافحتُ ضد الحجاب، وأنتِ ترتدينه؟ ما هذا الهراء؟”. بالنسبة للحركات الإسلامية التي تلقى قبولا واسعا في المجتمعات، فقد حوّلت الحجاب للباس شرعي، مصرّة على أنه ركن من أركان الشريعة، ورمز العفة والطهارة في المجتمعات.

الحجاب علامة النظام

أثبتت التظاهرات في إيران العلاقة بين اللباس ودعم الأيديولوجية السياسية. على الرغم من أن أسباب تلك التظاهرات، التي بدأت من مدينة مشهد في 28 ديسمبر 2017، كانت اقتصادية. لقد دلت الاعتقالات الهيستيرية والمعاملة العدوانية التي مارسها النظام ضد النساء اللواتي خلعن حجابهن على أن الحجاب يعتبر هوية ورمزا لهذا النظام وخلعه لا يعدّ فقط رفضا له بل رفضا للنظام بمجمله.

لا تعد إيران استثناء فعلى مدى العصور كان الزيّ والملبس في الدول العربية والإسلامية يعكس النظام السياسي للدولة. في السعودية على سبيل المثال، مع بزوغ عهد الصحوة في الثمانينات من القرن الماضي، فرضت السلطات الحجاب.

الحجاب يعتبر رمزا للنظام في إيران وخلعه لا يعد فقط رفضا له بل رفضا للنظام بمجمله
الحجاب يعتبر رمزا للنظام في إيران وخلعه لا يعد فقط رفضا له بل رفضا للنظام بمجمله

حاليا، يتزامن تولّي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم مع حملة تحديث يقودها وليّ عهده الأمير محمد بن سلمان على الساحة السياسية والاجتماعية لنفض تأثير عهد الصحوة التي وصفها الأمير بالحالة غير العادية وغير الطبيعية.

وفي مصر كان للتغييرات السياسية أثر كبير على مظهر المرأة. فقد ظهرت نتائج الحركات التحررية التي بدأت عام 1889 بوضوح عام 1920. لكن، بعد نكسة 1967 بدأ الإسلاميون بنشر أفكارهم ومعتقداتهم في المجتمع وتبرير النكسة بالابتعاد عن الدين.

لاحقا، انتشر الحجاب بشكل أوسع في مصر في الثمانينات من القرن الماضي مع سطوع نجم الإسلاميين الذين أدلجوا المجتمع، خاصة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة بنشر الحجاب خاصة في المدارس التي انتشر فيها المدرسون الإسلاميون (الإخوان المسلمون) والجمعيات مثل جمعية “الأخوات المسلمات”.

وكان هناك دور كبير لعدد من الدعاة في نشر الحجاب بين الطبقات الغنية والمشهورة كالطالبات الجامعيات والممثلات على غرار عمرو الخالد.

من خلال كل تلك الحملات التي كان هدفها الأساسي سياسيا، وإن ظهرت كواجب ديني، تحوّل الحجاب في مصر إلى فريضة اجتماعية. إذا خلعته المرأة، يمكن أن تعنّف إما جسديا من أهلها وإما معنويا من خلال تشويه سمعتها.

وفي هذا السياق، أوضحت آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أن التدين بالحجاب عملية غير دقيقة ولا تعبّر عن التزام حقيقي، وبعضها يكشف التزاما ظاهريا، وانتشار الحجاب بين الفتيات في مصر خلال العقود الأربعة الأخيرة، حيث كان تعبيرا عن تدين فرضه بعض المتشددين، وهناك من انسقن خلفهم خوفا وطمعا.

وأكدت، لـ”العرب”، أنه رغم أن فترة الستينات من القرن الماضي، كان الحجاب ثقافة غير منتشرة في مصر، “وملابس السيدات كانت تميل إلى القصر، غير أن المجتمع كان يتمتع بقدر عال من الاحتشام والأخلاق والفضائل الحميدة”.

وتستحضر أستاذ الفلسفة، ذكرياتها في الستينات من القرن الماضي، وتقول “في تلك الفترة الزمنية كانت الفتيات يسرن في الشوارع بفساتين قصيرة، ولم يكن الأمر ملفتا أو مثيرا للغرائز، لكن مع اضمحلال الثقافة والتعليم وزيادة نسبة المتطرفين تلوث المجتمع بالأفكار الفاسدة التي شوهت الواقع المصري الحالي”.

الجدات كن أقل التزاما بالحجاب والنقاب لكنهن في المقابل كن أكثر التزاما بالملابس الملونة والأخلاق العالية
الجدات كن أقل التزاما بالحجاب والنقاب لكنهن في المقابل كن أكثر التزاما بالملابس الملونة والأخلاق العالية

ورأت نصير أن المسؤولية تقع على جميع الأطراف، بدءا من الأسرة والمدرسة والجامع والكنيسة وأجهزة الإعلام، لأن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح عقول الأفراد والقائمين على التعليم والتربية، وإعادة النظر في النظم المجتمعية والدينية التي تسيطر على المصريين منذ أكثر من خمسين عاما.

وكشفت سامية خضر صالح، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، أن مصر في الماضي تختلف في جذورها عن الحاضر، خاصة في مجال الثقافة والفن، والذي انعكس بدوره على شكل ومظهر المجتمع ككل.

وأشارت إلى أن مصر في الستينات من القرن الماضي كانت ملاذا للأجانب، خاصة من اليونانيين والإيطاليين، نظرا إلى انتشار قيم التسامح في المجتمع وارتفاع درجة تحضره أكثر من بعض المجتمعات الأوروبية نفسها، وعندما تراجعت هذه القيم ساد التشدد، ووجد رعاته فرصة لنشر قيمهم، وهو ما انعكس في المظاهر السلبية التي نراها الآن، وتراكمت عبر عقود من الإهمال.

ونبهت في تصريحات لـ”العرب”، إلى مفارقة عجيبة، عندما كانت السيدات أقل التزاما بالحجاب والنقاب طبعا بمصر في منتصف القرن الماضي، كانت نسب التحرش قليلة، والنسق الأخلاقي إيجابيا مثيرا للانتباه، بينما بعد ارتفاع ما يسمى بالاحتشام والانسياق وراء مدعي التدين، حدث العكس، وهو دليل على التدين المنقوص.

يعود مرجع فكرة الحجاب لثلاثة أعمدة أساسية: الأول ديني نابع من القرآن وتفسيرات رجال الدين له وللأحاديث النبوية، والثاني مجتمعي ممثلا خاصة في العادات والتقاليد، والثالث وإن أنكر أصحابه سياسي بامتياز يوظّف البعدين الأوليين.

ويقول الكاتب الصحافي التونسي وائل بن فرج إن “مسألة الحجاب في تونس، عادت في السنوات الأخيرة، لتغزو حلقات النقاش الفكرية والسياسية مع صعود الإسلاميين بعد ثورة 2011 التي شهدتها البلاد إلى سدة الحكم، آذنة بإحياء جدل قديم جديد، بين معسكري الحداثيين المتمسكين بمكاسب دولة الاستقلال والإسلاميين الذين لم تهدأ محاولاتهم المتكررة للجذب إلى الوراء وتخليص المجتمع التونسي من حالة ‘الانحلال والكفر’، وفق نظرتهم الخاصة الأمور”.

ويضيف في تصريحات لـ”العرب” أن الحداثيين يرون أنّ مسألة غياب الحجاب لا يمكن ربطها بأي تقهقر حضاري بل على العكس من ذلك، ففي فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي التي شهدت فيها تونس المستقلة حديثا أوجّ ازدهارها الحضاري والفكري والاجتماعي، بفعل سياسة الانفتاح التي رسختها القيادة السياسية المتنورة حينها، اتسم هندام الشعب حينها بالانفتاح أيضا وكان الحجاب غائبا تقريبا دون أن يكون ذلك دافعا لتفسّخ ما، أخلاقيا كان أو حضاريا أو حتى هُويّاتيّا. أمّا جماعات الإسلام السياسي فهي متمسكة إلى اليوم بنظرتها التليدة للأمور، خاصة في ما يتعلق بمسألة الحجاب، حيث أنهم لازالوا يربطون بينه وبين ‘عفة’ المرأة ومن ورائها المجتمع”.

وفي هذا السياق يفكك المفكر محمد الكيلاني المسألة في مؤلفه “مع السفور ضد الحجاب”، حيث يقول إنّ “زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي يقرن، اعتباطيا، الفساد وسوق النخاسة والانهيار الأخلاقي بالعلمانية المتجبّرة، والعفة والطهر بالحجاب والخمار والنقاب بالإسلام وبالهوية. وهو ما يؤكد أن المشروع ‘الإسلامي’ الذي تعمل حركة النهضة، وغيرها من الحركات الأصولية، على إرسائه هو مجتمع التمايز والتفرقة الطبقية والجنسية والسياسية والثقافية والعقدية تحت غطاء ديني”.

الحجاب منتج استهلاكي

تلبس كثيرات الحجاب طواعية وليس إجبارا خاصة في تونس. ويؤكد عالم اجتماع الأديان الكندي فرانسوا غوتيه فرانسوا أن ارتداء الحجاب صار ممارسة اختيارية في جميع الدول الغربية وغير الغربية. ومع ذلك، يجب ألاّ ننسى أنه يتم وضع مشاريع سياسية على زخم الحجاب الاستهلاكي الجديد هذا. وتستطيع السلطات فرض الحجاب على النساء لأنه صار موضة من جديد، وإلا فلن تنجح.

فرانسوا غوتيه فرانسوا: الدين منتج استهلاكي إلى حد ما، كان ارتداء الحجاب طائفيا ومرادفا للعادات أو للانتماء لحركة سياسية. أما الآن، فقد أصبح خيارا شخصيا لإبراز الهوية
فرانسوا غوتيه فرانسوا: الدين منتج استهلاكي إلى حد ما، كان ارتداء الحجاب طائفيا ومرادفا للعادات أو للانتماء لحركة سياسية. أما الآن، فقد أصبح خيارا شخصيا لإبراز الهوية

ويضيف غوتيه “لقد شاركت في دراسة عن تونس. حيث بدأت النساء بارتداء الحجاب في أواخر التسعينات من القرن الماضي، مع خطورة إيقافهن لأن ارتداء الحجاب كان ممنوعا من قبل نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وأشارت جميع النسوة المحجبات اللاتي تم استجوابهن أن مصدرهن الديني كان المقدّم التلفزيوني والداعية المصري عمرو خالد، رجل درس المحاسبة وإدارة الأعمال في لندن وصار نجما تلفزيونياً في دول المغرب العربي خاصة.

يذكر أنه في عام 2007، صنفت مجلة التايم الأميركية خالد على أنه أحد أكثر الرجال تأثيرا في العالم. وكان موقعه على الإنترنت في تلك الفترة هو الأكثر زيارة في العالم.

ويقر غوتيه “إذاً لم تعد السلطات الدينية هي التي تحدد القواعد؛ بل السوق والمجتمع الاستهلاكي والإعلام. وهذا شيء جديد جدا، ولا علاقة له بالعودة إلى الوراء”.

ورغم أن التوجه خلال القرن العشرين كان نحو “نزع الحجاب”، فحاليا هناك عودة إلى ارتداء الحجاب في بعض البلدان.

يقول غوتيه إنه لا يجب قراءة هذا التوجّه على أنه عودة إلى التشدّد الديني لكنه بالأحرى رؤية جديدة لما هو ديني. ففي أواخر القرن التاسع عشر وحتى سنة 1980، كانت النساء في البلاد الإسلامية لا يرتدين الحجاب، لأن الحجاب لم يكن مرتبطا بالدين وإنما بالعادات والتقاليد. فكان من الضروري أن تتحرّر لكي تصبح دولا متقدمة. وخلال الثمانينات من القرن الماضي، دفعت العولمة الجانب الديني ليصبح مرئيا بشكل أكبر. فنحن لا نستهلك بضائع، وإنما رموز للهوية لإظهار انتمائنا لمجتمعات لم تعد وطنية وإنما عالمية. وبالتالي يجب إذاً عرض هذه الرموز في الأماكن العامة ليتم التعرّف علينا. ولهذا السبب صار الحجاب مهمّا، كما هو الحال بالنسبة للبضائع الحلال.

يختتم غوتيه أن “الدين منتج استهلاكيّ إلى حدّ ما. شرط أن نفهم أن المجتمع الاستهلاكي لا يُروّج لبضائع بقدر ما يروّج لمعاني ورموز وهويات. أصبحت الرموز الدينية هي الأخرى تمثّل الهُويّة، تماما كقبعة أو كأيّ أكسسوار آخر للملابس. في السابق، كان ارتداء الحجاب طائفيا ومرادفا للعادات أو للانتماء لحركة سياسية. أما الآن، فقد أصبح خيارا شخصيا لإبراز الهويّة.

ويضيف أنه يجب على السياسيين ووسائل الإعلام أن يفهموا أن العالم قد تغيّر وأن الدين سيبقى مرئيا. والأزمة تأتي من سوء الفهم، من فكرة أننا نشهد عودة التدين، في حين أنها عبارة عن تغيّر يؤثّر على جميع الأديان.

20