الدين والسياسة سلبا منا الدعابة

الاثنين 2016/07/04

ليس فقط لأن وجوه العالم صارت متجهمة أكثر مما ينبغي، وليس لأن المآسي والآلام تطوق حياتنا، ليس لأننا لم نعد نفكر بما يجلب المسرات لنا، ليس لأننا متشائمون، بل لأن الدين والسياسة سلبا منا الدعابة.

لم يعد الإنسان فكاهيا بطبعه مثلما كان، لا توجد دراسات وأرقام تخبرنا بذلك، لكن حياة الناس صارت أفضل جودة وأقل دعابة، فالدموع التي انهمرت بعد حرب طروادة لا تعادل يوم أسى من زمننا الحالي.

لذلك تبدو المطالبة بأن نكون أكثر فكاهة تمثيلا مفتعلا لا يملك جدوى النجاح.

في “صباح العرب” هذه الزاوية التي اقترحناها مع انطلاقة العرب الجديدة قبل أربعة أعوام، كنا نأمل أن يكون ثمة ما يبعث المسرة لدى القارئ بعد جحيم الأخبار السياسية ومفاسد الإسلام السياسي، لكننا مازلنا نبحث فيها عن مسرة صغيرة.

فكل الذين تناوبوا على الكتابة فيها -بمن فيهم أنا- لم يستطيعوا، إلا قليلا، بث المسرة والابتسامة لدى القراء.

ليس لأنهم متجهمو اللغة وأصحاب جمل ثقيلة، بل لأن الفكاهة نادرة في عالمنا اليوم، وسيكون من البطر إضحاك الناس في زمن قتال وشتات ومهجرين في أرض بلا سقف وصيف لاهب بلا ماء.

الكتابة فن، والسخرية في الكتابة فن صعب المنال إن لم يكن الكاتب ساخرا بلغته ويمتلك ذكاء التهكم وتطويع اللغة لذلك، سيكون أشبه بممثل كوميدي على مسرح من دون جمهور إن حاول افتعال السخرية أو تعكز على اللغة الدارجة في استعادة كلمات رائجة لإضحاك القراء.

كان صحافي مثل داود الفرحان في زاويته “بين الناس” يضحك القراء حتى وهو يكتب عن الأرقام مثلا قبل ربع قرن، إلا أنه اليوم سيكون راثيا للناس إن عاد إلى زاويته بين الناس.

الكوميديا فن يتلاشى من حياتنا سواء في الأداء أو الكتابة، ولهذا يمكن تفسير لماذا تحولت برامج الكاميرا الخفية من طرافة واستغفال ودود إلى أفعال خشنة ومخيفة تلعب بالنار وتهبط القلوب!

لست متشائما، وأنا أبحث عن الطرافة في عالم اليوم، لكنني أعترف بفشلي في ذلك على الأقل في الكتابة بهذه الزاوية، وآمل من الآخرين أن يقوموا بمثل هذا الأمر بطريقة الكوميديا الجادة، لأنني واحد من بين كثيرين ممن انتابهم الاستياء من برامج تلفزيونية تدعي الكوميديا تجمع ممثلين وشعراء يثرثرون ويتهكمون على الآخرين بقصص عن أصولهم الوضيعة وأمية أبائهم وغباء أمهاتهم بلغة سوقية.

مثل هذه الكوميديا تسبب الإزعاج، تماما مثل الشعراء الشعبيين الذين باتوا يكتبون مقالات صحافية تسخر من نفسها بلغة دارجة أفضل ما فيها يكرره الأميون على مسامع بعضهم البعض.

24