الدين والهوية وتحديات الوجود بالغرب.. المغرب يقدم الأجوبة

الغرب يتناسى كون شبابه المسلم منتوجا أوروبيا، وأوروبا تواجه تحدي انتقال الإسلام من الهامش إلى المركز.
الاثنين 2018/05/14
مغاربة ضد الإرهاب في أوروبا

الرباط - أوضح استطلاع “أصداء بيرسون-مارستيلر السنوي العاشر لرأي الشباب العربي 2018”، والذي أجراه مركز البحث “بي.أس.بي ريسيرتش”، تنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في عملية التأثر والتأثير عند هؤلاء الشباب وخصوصا في ما يتعلق بنقاشات ذات صلة بالدين وربطه بالاستقرار والأمن حيث أن 60 بالمئة من الشباب العربي ومنهم المغاربة، يرون أن الثورة الرقمية كان لهـا تأثير إيجابي على المنطقة.

وفي هذا الصدد أشار رشيد جرموني، الباحث في سوسيولوجيا التدين بجامعة مكناس، إلى بروز فئة الشباب كفاعلين جدد في الحقل الديني حيث أصبحوا يشكلون جزءا من الـرأي العام، عبر نافذة التقنيات التكنولوجية الحديثة من قنوات فضائية وشبكات اجتماعية، ومختلف الوسائل التقنية المتطورة والذكية وبروز المدرسة والـتلفزيون والإنـترنت بـاعـتـبارها مـصادر جـديـدة تـغـذي الـطـلب حـول المعرفة الدينية.

ولكون الدين عند تلك الفئة من الشباب يشكل أهمية كبرى في حياتهم اليومية واعتمادا على تطور فهمهم لمخرجات التطرف العنيف الذي ضرب المجتمعات العربية بالخصوص ودول أخرى، فقد كشف استقصاء مركز البحث “بي.أس.بي ريسيرتش”، الذي شمل الشباب العربي في 16 بلدا بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من بينها المغرب، أن 88 بالمئة من الشباب العربي، شدد على أن تنظيم داعش أثر سلبا على المنطقة، ويرى أكثر من 58 بالمئة من هؤلاء الشباب أن هزيمة حتمية تنتظر داعش وأيديولوجيته.

 

أسست علاقة الشباب بالدين والهوية مع التطرف العنيف لسلسلة من النقاشات الأكاديمية بالمنتديات والمؤتمرات ومن داخل منصات التواصل الاجتماعي، وسعى خبراء إلى دراسة كيف استطاعت فئة عريضة من الشباب سواء داخل المنطقة العربية أو بدول غربية أن تتفاعل إما سلبا وإما إيجابا مع الخطاب المتطرف للجماعات الجهادية التي طورت وسائل إيصال رسائلها من خلال وسائط تكنولوجية وطرق مبتكرة

وجاءت أهمية هذا الاستقصاء متناسبة مع التحديات التي تواجه الشباب المغاربة وغيرهم من الجنسيات العربية داخل المجتمعات الأوروبية وكيفية تعامل هذه الأخيرة مع هؤلاء الشباب كمسلمين بعدما تم وسمهم بالتطرف والإرهاب، وهنا قال عبدالله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، إنه في ظل التشنجات التي تعرفها العديد من المجتمعات الغربية في السنوات الأخيرة، ونتيجة لانتشار العنصرية والإسلاموفوبيا، تزايد نشاط الحركات الدينية المتطرفة في استقطاب الشباب ودفعهم إلى قتل الناس باسم الدين.

هناك من يرجع أسباب سقوط بعض هؤلاء الشباب في فخ الجماعات الإرهابية لثقافة بلدانهم الأصلية وتدينهم دون الإتيان على ذكر أن هؤلاء منتوج أوروبي، وهنا يؤكد عبدالله بوصوف، أن الإرهاب ليس مرتبطا بثقافة معينة وأن ما شهدته المجتمعات الغربية من إرهاب باسم الدين وجد تربته داخل هذه المجتمعات، مند عقود، ولم يصدر إليها حديثا من دول الأصل، بل كان هناك استغلال للدين في تغليف وتبرير هذا الفكر المتشدد.

وفي ذات السياق خلص تقرير للمعهد الملكي الإسباني (إلكانو) إحدى مؤسسات التفكير الرائدة بإسبانيا، الصادر بداية مايو 2018، أن “المغرب بلد توجد فيه ثقافة شعبية ذات منافذ دينية مُعيَّنة، مثل تلك التي تقوم على تبجيل المحاربين المقدسين والأسطوريين في الأضرحة، هذا التمجيد يسمح للمغاربة وخاصة الشباب، بأن يتقبلوا تفسيرات الإسلاميين المتشددين لمفهوم الجهاد أو ممارسة الشهادة”.

وفي تعليقه على هذا التحليل قال حسن بلعربي، الأستاذ الباحث بجامعة ألميريا بإسبانيا، لـ”العرب”، إن الثقافة الدينية في المغرب لم تكن أبدا تدعو إلى سفك الدماء، وأن المغرب ليس مسؤولا عن أعمال الشباب الذين يعيشون في بلدان أخرى، وجل هؤلاء الإرهابيين هم مواطنون أوروبيون وحصيلة للمجتمعات التي عاشوا فيها.

وأوضح أن الإشارة للمغرب “كمصدر للإرهابيين” تميل إلى خداع الناس للاعتقاد بأن هناك استعدادًا وراثيا للعنف بين المغاربة بدلا من التعامل مع قضية تطرف الشباب كنتيجة لفشل سياسات الاندماج في بلدان الإقامة، مع تفاقم مشاكل الهوية والرعاية الاجتماعية والاقتصادية والشعور بالإقصاء والرفض، وهي عوامل تجعل الإسلام الراديكالي أكثر جاذبية.

والسؤال الذي يطرح بقوة، بعد العمليات الإرهابية الأخيرة التي ضربت أوروبا، والتي نفذها شباب من أصول مغاربية، ما الذي قامت به هذه البلدان الأوروبية لتحصين شبابها ضد الفكر الداعشي ولضمان تربية دينية سليمة لهم، وقطعا لطريق عن من يتاجر بالدين؟

رصد تقرير الحالة الدينية في المغرب، الذي أصدره المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، أن الشباب المغربي يعبر عن تعاطيه الإيجابي مع الدين إلى جانب حضور الدين في الفضاء العمومي من خلال الدستور أو القوانين ومن خلال العمل الحكومي. واعتمادا على ضرورة التأطير الديني للشباب المغربي فإن الأدوات الكفيلة بتحصينهم من السقوط في التطرف داخل وخارج بلادهم، قال مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى أن النموذج المغربي في التدين مفيد ولا بد من فسح له المجال في التعليم، مشيرا إلى أن هذا النموذج في التدين يتسم بالرصانة والناس أصبحوا يأتون إليه.

خبراء في علم الاجتماع يرون أن على أوروبا أن تعي أن الإسلام جزء منها، وأن عليها أن تتحمل مسؤولية تدبير شأنه على أراضيها

وكشفت عدة دراسات على أن الدين أضحى معطى أساسيا لدى الشباب المغربي سواء داخل المغرب أو بالدول الغربية، وفي هذا الصدد قال التيجاني بولعوالي، إن جمعية المهتدين الجدد في هولندا ذكرت أن 5 آلاف شخص يدخلون في الإسلام سنويا في بريطانيا التي يوجد فيها 135 ألف مسلم، وهذا ما ينطبق على ألمانيا أيضا، أما بلجيكا التي تقدر ساكنتها بـ11 مليونا و300 ألف نسمة، فيوجد فيها 56 ألف مسلم جديد.

وعلى مستوى وجود الشباب المغاربي المسلم بالدول الأوروبية اعتبر التيجاني بولعوالي، الأكاديمي المغربي بجامعة لوفان في بلجيكا، أن واقع هؤلاء في الغرب عامة، وأوروبا خاصة، يشهد تحولا جذريا على مختلف المستويات القانونية والديموغرافية والثقافية والأيديولوجية والاقتصادية، وتلك الشريحة الشبابية لم تكن في منأى عن هذا التحول الشمولي، إذ تُعتبر أول من تتعرض لتداعياته وتأثيراته المتنوعة.

وأدت الأعمال الإرهابية التي ضربت دولا أوروبية بعينها إلى تأثر وضعية هؤلاء الشباب داخل تلك المجتمعات، وهنا شدد حسن بلعربي، الأستاذ بجامعة ألميريا بإسبانيا، لـ“العرب”، أنه كلما ضربت أوروبا موجة من الإرهاب، إلا ووُضعت الجالية المسلمة من الشباب على الخصوص تحت المجهر، وشكّكوا في نواياها وولائها، مع أنها الأكثر تضررا بتلك الأعمال الشنيعة، فهي تعاني من تلك الضربات الإرهابية التي لا تميز بين المسلم وغير المسلم، ومن تصاعد الميز والإسلاموفوبيا جراء تلك الأحداث.

وسجل الأكاديمي التيجاني بولعوالي، في تدخله بالمؤتمر العالمي للمجتمعات المسلمة، الذي احتضنته العاصمة الإماراتية أبوظبي، يومي 9 و10 مايو الجاري، أن انتشار الوعي الإيجابي المتبادل بين الإسلام والغرب من شأنه أن يقلص من حملات الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، التي عادة ما تتأسس على الجهل والتنميط والخوف المتوهم.

وأكد عبدالله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أن النموذج المغربي في التدين قابل للتطبيق في دول غربية إن كانت هناك معرفة حقيقية بالدين واستحضار للاجتهاد والحس النقدي بما يحقق مصلحة الفرد والمجتمع ومنهم الشباب.

13