الذات‭ ‬المؤنثة‭ ‬موضوعا ‬للكتابة تجارب‭ ‬روائيات‭ ‬مغربيات

الأحد 2017/01/22
لوحة: أمل بشير

من خلال اطّلاعنا على ما توفر لدينا من نصوص قصصية ومجموعات تنتمي لأجيال مختلفة (الستينات مرورا بالثمانينات من القرن الماضي وصولا للراهن) نلاحظ عدم وجود فوارق قطعية بين هذه المراحل فالقصة عند مليكة مستظرف، نجاة السرار، عائشة بورجيلة أو فاطمة بوزيان تنطوي على بعض ما انطوت عليه القصة عند خناثة بنونة بشكل من الأشكال.. ربما ثمة بُعد عن التقريرية والمباشرة كما عند مستظرف بورجيلة وبوزيان..

ربما ثمة تطور في أسئلة الكتابة، لكن هذا التطور لا ينفي أنه متصل بما سبق لا منفصل عنه، مع التأكيد على أن القاصة المغربية استطاعت في كل مراحل تطور سردها (شكلا ومضمونا) طرح أسئلة جريئة تتعلق بالخلل البنيوي الذي يعتري البنى الاجتماعية كما عند: خناثة والسرار، وتمكنت من اقتفاء أثر هذا الخلل كما عند مليكة والسرار وبورجيلة وتتبع تجلياته على الشخوص المهمشين غالبا وانعكاساته على الذات الإنسانية بعامة، في هذا العالم المضطرب سريع التحولات كما عند بوزيان.

في هذا الجزء من ورقتنا عن القصة النسائية المغربية اخترنا نماذج محددة لنشتغل عليها تتمثل في “العزلة الموقوتة” لخناثة بنونة و”ذبابة” لمليكة مستظرف و”الزغاريد المؤجلة” لنجاة السرار و”لنرسو على شاطئ الحلم” لعائشة بورجيلة و”يوم استثنائي” لفاطمة بوزيان.

القصة النسائية المغربية في جانب منها كما ذكرنا سابقا تنهض في الخلل البنيوي.. في تحليل الواقع الاجتماعي، خلال رصدها لتفاصيل الحياة اليومية عبر شخصيات قد تبدو للوهلة الأولى كشخصيات سايكوباتية، كما في شخوص مجموعة مليكة مستظرف “ترانت سيس″ (http://www.doroob.com/?p=1746) لكنها في الواقع شخصيات مهمشة ومسحوقة سلوكها رد فعل لخلل جوهري في البناء الاجتماعي، فهم كشخوص ليس لديهم تصور مضاد أو غير مضاد للمجتمع، وما يصدر عنهم ما هو إلا انعكاس لتعاطيهم مع الأبنية المختلة نفسها، بقوانينها الضاغطة وما ينتج عن اشتغال هذه القوانين من تمزقات تعتري وتشمل كل جوانب الحياة، بحيث تبدو الذات الإنسانية في هذا التمزق: مختطفة.. مهضومة، تحاول الإفلات من قبضة اليومي.

في هذا الفضاء الإنساني المتمزق والممزق للفرد تبدو المدينة المغربية كمجمّع كبير للقمامة، يحتوي كل ما يصعب تصوره من سقط السلوك البشري، والأفكار المريضة (انظر: مليكة مستظرف-ترانت سيس) لا تعبر هنا عن المدينة المغربية الكبيرة فحسب، بقدر ما تعبر بها وفيها كرمز للمدينة عموما، في زمن التحولات المتسارعة التي شملت كل العالم دون استثناء، وكانت إفرازاتها السالبة على عالمنا النامي تحديداً أشد قسوة وتمزيقا للذات الإنسانية منها على العوالم التي اكتمل نموها أو في طريقها للاكتمال.

القصة القصيرة المغربية المكتوبة بأقلام نسائية تتبدى لا كنصوص غارقة في همومها المحلية رهينة الاجتماعي والثقافي والسياسي، فهي أكثر من ذلك حالة تسام إنساني كوني يعكس كل ما يموج به حاضرنا المضطرب الموبوء بأمراض عصرنا بوتائر إيقاعه المتسارع الموتور الذي يتشيأ فيه الإنسان ويتسلَّع بل ويتعلَّب عبر الإسفير الماسنجر، وهي إشارة مزعجة كسؤال عن دفء المشاعر والعواطف الإنسانية.

إلى جانب هذا السؤال الكبير نجد أسئلة عديدة تتعلق بالمنسي والمهمل .. تتعلق بالغاضب والساخط على كل شيء، ونجد لغة الشعر المبثوثة هنا وهناك بكل ما لها من عذوبة، كما نجد النثر الجميل يتشذر في السردي المتواصل.. الأيديولوجيا أيضا كان لها نصيب فيما هيمنت به على جيل خناثة بنونة فهتافاتها هنا منذ غروب شمس الثمانينات من القرن الماضي في النماذج التسعينية ونماذج الألفية الجديدة، كرجع لصدى بعيد متلاش في اللانهاية السردية، أشبه بالتموجات التي يخلّفها حجر يلقى على بركة ساكنة، حيث تتبدى التموّجات الدائرية، كتلويحة غريق في ظلمة ماض أشد عتمة من غبرة الأفق في روايات ماركيز..

إنها نصوص الجيل التسعيني والألفي الجديد التي تنكر الأيديولوجيا، لا كإنكار يهوذا ولكن كإنكار التجاوز والتخطي، في عصر السقوط المدوي للأفكار الكبرى.. وبعد هذه نصوص لا تريد أن تبشر بسوى الإنسان المتطلع لتحقيق ذاته المحاصرة، بأسئلة السلطة المربكة في عالم يتداعى على رومانسيتنا.. وشاعريتنا وبراءتنا التي نفتقدها الآن في تداعيه على هذه الإحساسات والقيم الجمالية النبيلة تداعي الأكلة إلى القصعة فما الذي حصلنا عليه سوى أشياء نبيلة شكلا لكنها أفرغت من محتويات عزيزة علينا، محتويات تبعثرت في الفضاء الواسع والمتعدد تعدد وسائط التكنولوجيا.. فالتكنولوجيا احتلت عالمنا الشاعري الجميل لنصبح مجرد ملفات مرفقة تفتح وفقا لبرامج الوندوز أو الفيستا الكومبيوترية.. وبعد هذا جزء من رحلة النص القصصي النسوي المغربي القصير، رحلة شبيهة برحلة جلجامش في اللانهاية بحثا عن الحقيقة والحب والجمال بحثا عن الإنسان بما هو إنسان..

يوم استثنائي لفاطمة بوزيان

النقد الجذري لواقع الانهيار والهزيمة والأحلام باستخدام ضمير المتكلم بما له من سلطة أغرمت بها بوزيان، تستهل راوية يوم استثنائي حكايتها معه “أنظر إليه يتكلم يخيل إليّ أني أسمع بعيني .. ألا تتكلم… العيون..”. (http://www.syrianstory.com/f-bozayanne.htm) فهذه الراوية الجالسة إلى خطيبها الذي لطالما اعتقدت أنه استثنائي، بحكم أن حياته في أوروبا تركت طابعها على مظهره وسلوكه تبدأ في مراقبة كل شيء فيه “بمحبة وإعجاب.. وودّ.. بدأت أشيده بداخلي قطعة قطعة، من كل ما أعجبني، رأيت وتخيلت رجالا، منذ خالط ذلك السيل الهرموني الحارق دمي”، فهي تظن أنه “عصري في كل شيء، لا في مظهره فقط.. كان يتحدث عن مغامرات تفوق خيال تلك القنوات التي… والأفلام التي… للتو كان حديثه يفيض بغزوات نهود وظمأ وارتواء..”.

كانت مقهورة بتصورها له فهذا التصور، يستحوذ عليها فتتفهم أو تدعي تفهم فوضاه الجنسية، فهي مشوشة تظن أنه آخر.. كمنتج غربي يتم تسويقه لدى المغيبين العالمثالثيين، لذا تتصور أن ما بينهما حوار حضارات أو ثقافات.. إلخ من إكليشيهات لا تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، رغم أن كل ما بينهما هو تأكيد أو موافقة على “أسروداته” البائسة التي تخلو من أيّ فلسفة عميقة للحياة كما يدعي كخبير غربة واغتراب وتغرب.. كانت تسمع فقط وتكرر “عادي، عادي جدا ..”، بوزيان تورط القارئ في النص، إذ تحاول ربطه بحوارات سحقها تعاقب الزمن، لكن ظل تاريخنا المعاصر ينطوي عليها، فالإعجاب منذ لحظة تمرحله إلى مودة وارتباط هذه المودة بالحسي فيما بعد، بمعنى الحنان.. والحب ببعده الجنسي..

هذه المفاهيم المختلفة تصطرع في دخيلة حبيب الراوية، فهو كما تصفه كلاسيكيات علم النفس الأيديولوجي.. هذا الشخص جزء من العائلة البطريركية النموذجية، وبما أنه سيؤدي واجبه الزوجي -إذا تزوجها- عليه أن يطمئن منذ الآن بالتأكد من ماضيها الغابر، والواجب هنا ليس مفردة بل هو قيمة عميقة الجذور قبل أن يكون مفهوما مرتبطا بالأديان السماوية المألوفة والمعروفة، مثل هذا الرجل مفردات مثل “عادي ،عادي جدا” تخلخل كيانه.. لذلك عندما حكت له الراوية عن حب عذري عبر حياتها وهي طالبة، أصيب بما يشبه الصدمة، فالمرأة التي من واجبه أن يتزوجها هي تلك الشريفة الخالية من أيّ رغبات جنسية، في أيّ مر حلة من مراحل حياتها.. مع أنه كان يحكي لها عن مغامراته، ما يعني تعزيز قدرته الجنسية في نظرها..

فالمجتمع يغض الطرف عن ممارسات الرجل لكنه يقف للمرأة بالمرصاد، رغم أن التطورات على مستوى التصورات الأيديولوجية لا يمكن أن تسبق التطورات على مستوى سلوك الناس الواقعي اليومي، المرتبط بأبنيتهم الثقافية والاجتماعية.. إذن تركها ومضى بسبب قصة الحب العذري اليتيمة التي عبرت حياتها أيام الجامعة “أجبت: مرة واحدة أيام الجامعة زميلي… كنا نتبادل البوح وأشعار نزار والأحلام… أخرج الخاتم من إصبعه. وضعه جنب الفنجان. أعطى النادل حسابه. حمل هاتفه اللوزي الصغير. حاسوبه الشخصي الذي في حجم حقيبة يدي.. تزوجي زميلك إذن.. قالها وانصرف”.

ليس مستغربا حرصه على دفع الحساب للنادل.. تحاول الراوية أن تقول إن الرجل هو الرجل، سواء عاش في مجتمعه المحلي أو تغرّب في الغرب، تظل بنية وعيه الذكوري والتناسلي هي خلاصة محرك وعيه بذاته، كأسلافه يبيح لنفسه ما يحرمه على المرأة، كما أن التخلف الكبير في الوعي الإنساني بالمرأة في الشرق لن يزيله تبني الشرق لنمط الحياة الغربي أو الاندراج في فضاء العولمة شكليا دون أيّ مضامين إنسانية تتجذر في وعينا الإنساني والكوني، فعلا..

فالتحديث ومن ثم الحداثة مضمونان عزيزان ونبيلان على الروح العالمثالثية المنهكة الباحثة عن قيمة العدل والتحرر من موابق الماضي بأخطائه الفادحة، فالتحديث والحداثة والعولمة كمفاهيم متحولة تتعدى الشكل إلى الجوهر، فهي ليست مجرد استهلاك لكل جديد في التكنولوجيا والتقنية، سواء كانت ارتياد كافتيريات كمفهوم للفضاء العام في الغرب لعدم وجود فضاء خاص، بمعنى ليس تحضريا استقبال أحدهم في بيتك فهذا فضاءك الخاص.. أو اقتناء موبايل من ماركة البلاك بيري، أو حاسوب لاب توب من ماركة دل أو سيارة همر..

ومن ثم إذا كانت “قرونا من المواعظ الإلهية، والكثير من أساليب حيوات القديسين فشلت أن تجعل من الإنسان ملاكا.. وإذا كان المثال السلبي يتم تقليده حالا، فهذا يعني أن الفسق طبيعي، وأن الخطيئة أولية وأصلية ولا يمكن أن نفعل تجاهها أيّ شيء”( إ. س. كون. الجنس والثقافة. ترجمة منير شحود. دار الحوار. اللاذقية. ط ثانية. 2001ص: 84). والإنسان بطبعه يستوعب من وسائط الاتصال ما يروقه فقط ،لأن ذلك يجيب على حاجاته الداخلية ونظرته للقيم وتجربته المسبقة.

كاتب من السودان

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية والمقالات كاملة على الموقع الإلكتروني

13