الذاكرة الثقافية وسلطة التأويل في ندوة بالقيروان

الخميس 2014/04/17
الاستبعاد أحد إجراءات التحكم في خطاب الذاكرة

ما الذاكرة؟ أهي ميّالة إلى صفتها الجماعية أم هي حدث فرديّ يحكمه الاستبعاد؟ وهل يمكن الاطمئنان إلى القول بأن عمل الذاكرة في الكتابة ليس سوى مظهر من مظاهر نزوع ثقافة الماضي إلى الحلول في الحاضر والتحكّم في متخيَّلاته؟

وهل فعل التذكّر فعل أمين، أي هل تحضر الذكريات في نصوص المبدعين بصورتها الأولى أم ينالها فيها التحريف؟ ثم ما علاقة الذاكرة بالتاريخ الكتابي، وكيف يمكن التمييز بينهما؟

هذه بعض الأسئلة التي انصبّ عليها اهتمام الباحثين المشاركين في ندوة “الكتابة والذاكرة” التي نظّمها قسم اللغة والآداب والحضارة العربيّة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان أيام 10 و11 و12 أبريل الجاري.

الظاهر أنه لا يوجد نصّ أدبيّ صافٍ من إيحاءات نصوص أخرى، فالنص الذي ينشأ من فراغ لم يُكتب بعدُ، ذلك أن الكتابة فعل استحضار واختيار، وعلى حبل هذا الفعل تحضر الاستشهادات والاقتباسات والتضمينات والمعارضات خالقة في النصّ حواريات فذّة هي منه لحمة دلالته وسَداها، وهو أمر كان ألمح إليه باختين وأصّلته في الدرس النقدي الباحثة جوليا كريستيفا وسمّته التناص.


خارج الذاكرة

بلعلي: لم يعد للأدب والشعر العربي الحداثي خاصة أي مشروعية في ادّعاء المعنى


الباحثة الجزائرية آمنة بلعلي ترى أنّ “وسائل التحديث ومختلف الوسائط الجديدة خلفت معضلات معرفية وتقنية كان لها الأثر البالغ على الكتابة الأدبية منذ المنتصف الثاني للقرن الماضي، وكان أكثر هذه المعضلات تأثيرا على الوعي الجمالي العربي الذي اتسم بشكل اغترابي لاحظنا حضوره في تجريد الإبداع من الدور التاريخي المنوط به.

ولا شك في أن مثل هذا التأثير يكون قد ساهم في تغييب الذاكرة والتي كان من نتائجها أفول المعنى والمضمون، وطغيان الشكلية وبروز النبرة اللامعقولة في عملية التشكيل، بحيث لم يعد للأدب والشعر العربي الحداثي خاصة أي مشروعية في ادّعاء المعنى”.

وفي هذا الإطار فضّلت الباحثة “مناقشة فكرة الكتابة خارج الذاكرة وما هي مبرراتها الفكرية ومعوقاتها في الإبداع والتلقي في المشهد الإبداعي العربي، خاصة إذا بات من البديهي معرفة دور الذاكرة في الكتابة بوصفها مكونا تشكيليا وبنيويا لا غنى عنه. ومن ثمة السر في وصف كثير من النصوص العربية بالكتابة المأزومة التي أوقعت معارضيها ومؤيديها في حيرة غذتها هواجس الفئة الأولى بالدعوة إلى ضرورة ربط الكتابة بالذاكرة، وآمال الفئة الثانية بإنشاء كتابة تشارك في الفعل الكوني الإبداعي”.


ذاكرة نصية

بن حميد: التّصدير يمثّل منطقة استراتيجيّة تثير السّؤال عن الحدود الفاصلة بين الدّاخل النصيّ والخارج


الأكاديمي التونسي رضا بن حميد، اهتمّ في مداخلته “الشّاهد الأدبي ولعبة تعدّد الأصوات” بمفهوم التّصدير ولعبة الأصوات معتمدا في ذلك نصوصا سرديّة ثلاثة هي “حدّث أبو هريرة قال” للمسعدي و”سداسيّة الأيام الستّة” لإميل حبيبي، و”امرأة النّسيان” لمحمّد برّادة.

ورأى بن حميد أنّ التّصدير يمثّل منطقة استراتيجيّة تثير السّؤال عن الحدود الفاصلة بين الدّاخل النصيّ والخارج. ويقول في هذا الصدد: “بقدر ما يعزّز التّصدير النصّ ويضفي عليه ديناميّة يحيلنا على النصّ الأصل وكيفيّة هجرته من سياقه إلى سياق جديد، وزمنيّة مختلفة، ويأخذنا إلى الآخر الذي يسكن الذّات، ويجعلها تنفتح على الوجود المشترك، وعلى ذاكرة نصيّة تحيط بها وتحاصرها.

فإذا بنا أمام حواريّة الأزمنة والأجناس والخطابات واللّغات، حواريّة تنسج من هذه الأنماط معمارا للقصّ به يتميّز ويبني خصوصيّة قوله وتعبيره، ويظهر جنسا جامعا تنصهر داخله الأصوات المختلفة، القريبة أو البعيدة، الظّاهرة أو الخفيّة، الحاضرة بطريقة واعية أو غير واعية. وهذا التعدّد من شأنه أن يعمّق لعبة تعدّد الأصوات ويجعل القصّ منشدّا إلى ضروب مختلفة من التّعبير”.


الكتابة الحقيقية

بوطيب ناقش إشكالية العلاقة المركبة للكتابة بالذاكرة


عبد العالي بوطيب، الباحث المغربي، ناقش إشكالية العلاقة المركبة للكتابة بالذاكرة، لا من حيث كونها موضوعا للكتابة فقط، وإنما لأنها أداة لها أيضا، خصوصا حين يتعلق الأمر بنصوص سردية تحكي وقائع حقيقية، كما هو الحال بالنسبة للسير الذاتية، المذكرات، الرحلات، والشهادات. ويقول في الصدد أن “الحكي الاسترجاعي يقوم، أولا، باستحضار تجربة السارد/الكاتب الماضية المختزنة في الذاكرة، والتفكير، ثانيا، في كيفية تقديمها. وفق قواعد تعبيرية معلومة، غالبا ما يجسد إطارها العام جامع الجنس أو النص الأدبي، مضافا إليه كل التعديلات الضرورية التي يقترح الكاتب إدخالها عليه، لجعله مناسبا لخصوصيات موضوعه ومقاصده.

وهو ما يعني بعبارة أخرى أن هذا النوع من الكتابة السردية الحقيقية، خلافا لنظيرتها التخييلية (الرواية والقصة القصيرة مثلا)، لا يمكن الاستغناء فيها أبدا عن الذاكرة، ما دامت حاجة الكاتب لها مركبة، تتوزع بين ما هو حكائي (موضوع الحكي/ ما يحكى)، وما هو سردي/خطابي (شكل الحكي/ كيف يحكى)، لدرجة يستحيل معها تصور كتابة، غير مسبوقة، من هذا النوع، تنطلق من فراغ، ولا تعتمد، بالتالي، في معناها و/ أو مبناها، بشكل من الأشكال، على مخزون سابق، تؤسس عليه. ولعل ربط نقادنا القدامى بين الرواية والفحولة، وبين الحفظ والإبداع، وبين القراءة والكتابة، أكبر دليل على صحة ما نقول، فبدون هذه العناصر الثلاثة الأولى، منفصلة و/أو متصلة، وما يتولد عنها من تراكم معرفي، لا تستقيم الكتابة”.


ذاكرة الإيقاع


العلاقة بين الكتابة والذّاكرة علاقة تفاعليّة معقّدة حقيقة بالنّظر والدّرس والمراجعة. فالكتابة “طريقة في الوجود الفضائي للّغة”. والذّاكرة حسب “لاروس” “نشاط بيولوجي ونفسي يمكّن من تخزين المعلومات وحفظها وإعادتها” هكذا قدّم الباحث التونسي سمير السحيمي مداخلته.وأضاف قوله: “لمّا كانت الكتابة طريقة مخصوصة لتنظيم الفكر والعالم أمكن البحث فيها من زوايا مختلفة.

وقد اخترنا أن ندرس علاقة الكتابة بالذّاكرة من زاوية مبحث الإيقاع تنظيرا وإبداعا. نقصد بذلك تقصّي ذاكرة الإيقاع في مصنّفات تقارب الإبداع مقاربة نظريّة نقديّة تتبّع مراحل تطوّره والبحث فيها من زاوية تدرس النّصوص الإبداعيّة.

سؤال الإيقاع شائك يتأبّى عن الضّبط والحدّ، تتعدّد ثناياه وينمو ويتجدّد تجدّد الحياة، لأنّه الحياة في اختلافها وتعدّد أقنعتها وحركتها وانسيابها.

ولا بدّ لمجابهة هذا السّؤال من التوسّل بمداخل مختلفة تتجاوز ما شاع من وصل بين الإيقاع والوزن والقيس والعروض والشّعر والأدب، إنّه الإنسان لأنّه مخصوص به مائز له. ولعلّ تقاطع سؤال الإيقاع مع مفاهيم النّظام والحركة والمدّة والزّمن والذّات والخطاب والإنسان والكون وغيرها يجعل التّفكير فيه ممكن الاستناد إلى الفلسفة، ممّا يساهم في فتح آفاق جديدة نقديّة واسعة تجدّد المسالك وتعيد طرح الأسئلة”.


السياسة والتأويل

الكندي ناقش مسألة المصرح به والمسكوت عنه في مدونة الخبر العربي


من سلطنة عمّان، ناقش الباحث محمود يحيى الكندي، مسألة المصرّح به والمسكوت عنه في مدونة الخبر العربي، حيث قال: “يحتاج المدوَّن في تراثنا إلى مراجعة علميّة، نستعين فيها بمناهج معاصرة، فبعض ما دوّن في التراث خضع لإكراهات متعدّدة؛ ليبدو كما هو عليه، ولم تكن السياسة بمعزل عن هذه الإكراهات، إذا لم تكن أشدّها سطوة، وكما هيمنت السياسة على التراث وضعا وتأسيسا، ما زالت تمارس سطوتها عليه فهما وتأويلا، ونرى أنّ الأيديولوجيات أثّرت في تدوين هذه المناظرة، والأيديولوجيات بدورها تماهت مع السياسة، ومتطلبات أنظمة الحكم، وطرائق المعارضة لها.

وورود مرويّة ذات طابع سياسي في كتب المسانيد، كما هو الشأن في موضوع بحثنا، لا يمكن أن تبنى عليه نظرة تجاه الآخر، ولنقل ذلك بعبارة أخرى أكثر جرأة: لم يكن تدوين هذه المرويات؛ لتقييدها خوف الضياع، بل كانت الأيديولوجيا تتطلّبها، وتتطلب تدوينها بشكل دون آخر، وباختيار واستبعاد متقنين؛ فالاستبعاد أحد إجراءات التحكم في الخطاب”.


إكراهات النص


الباحث حمدي عبيد يرى أن النظر في مشكليّة علاقة الكتابة بصنوف الذاكرة يقتضي أن نستأنس بالمقاربة الوسائطيّة. فهي تُقــْـدر الباحث على أن ينظر إلى الإنسان من جهة كونه إنسانا ناقلا لإرثه الثقافيّ، مسافرا به عبر الأمكنة والأزمنة.

عبيد يرى أن النظر في مشكليّة علاقة الكتابة بصنوف الذاكرة يقتضي أن نستأنس بالمقاربة الوسائطيّة

فهو الكائن الوحيد الّذي يبني ذاكرة ويعمل على نقلها بواسطة تقنيّات صناعيّة تختلف باختلاف درجة تطوّر أنظمة النّقل والإبلاغ والدوائر الوسائطيّة. وتعدّ الكتابة أهمّ وسائط النقل والإبلاغ لأنّها تمثّل الأصوات في جهاز إعلاميّ بصريّ يتّخذ من الحجارة والطين والورق والشرائح الرقميّة حوامل تقدره على تسميّة الأشياء والحديث عن الماضي والسّفر عبر الأزمنة والتواصل مع الأموات والغائبين.

ولمّا كان للوسيط وجهان أحدهما تقنيّ والآخر مؤسسيّ، اتّجهت العناية إلى الآخذ بأسباب المقاربة الوسائطيّة لتدبّر أدب الأخبار بوصفه مدونة من النّصوص الّتي انتخبت مؤسسيّا لأنّها استجابت لمجموعة من السنن الّتي أمّنت لها دخول مجال الذاكرة الأدبيّة.

ويعني هذا أن الأثر المكتوب لا يتحوّل إلى ذاكرة إلا بمقتضى قرار مؤسسيّ أو بالأحرى سلطة تنيط به مجموعة من المقاصد وتفرض عليه حزمة من الإكراهات. ذلك أنّ المؤسّسة تنهض بدور الوســـاطة بين الكتـــابة والذاكرة.

فليس كلّ ما يكتب يرسخ طالما أنّ الكتابة الّتي تتجه صوب الذاكرة تقتضي التحرّر من الفضاء الخاصّ والانفتاح على الفضاء العموميّ. ويعني هذا أنّ الكتابة الّتي تدخل مجال الذاكرة هي الّتي تخدم أغراض المؤسّسة بترميز السّلوك من خلال ما يُنتقى من أخبار.

ولعلّ ما يؤكّد صلة الكتابة بالذاكرة في أدب الأخبار أكثر هو أنّ الانتقال بالخبر من المشافهة إلى الكتابة يصحبه تحوّل من عالم اللانصّ إلى عالم النصّ. وهو عالم فيزيائيّ يتّخذ صورة الجسد ما دام للنصّ المكتوب رأس وأقدام وأذرع وحاشية وباطن ومتن.

وإذا كان الاحتفاظ بالأجسام يقتضي تجفيفها من الماء حتّى يسهل تخزينها فإنّ تجفيف الخبر-الجسم يتحقّق بعدّة صيغ نذكر منها تمثيلا لا حصرا تجريد الخبر من سياقه الحيّ ومن عناصر التفاعل الخطابيّ مثل الحركة والإماءة ونبرة الصوت وقسمات الوجه.

15