الذاكرة الحية محاولة للقفز على مراحل الفشل في حياتنا

بين الحين والآخر، وبشكل غير متوقع أحياناً، يمكن أن تلفنا مشاعر القلق والحزن واليأس عندما نقترب من حافة ذكريات مؤلمة أو صدمات نفسية وتجارب مريرة في حياتنا، هذه المشاعر قد تكون أكثر وقعاً وتواتراً على النفس من غيرها لأنها ترتبط بتجارب سابقة لم يتح لنا الوقت لنسيانها أو التخلص من آثارها فتتمثل في صورة ذاكرة حية تتجدد مع مراحل حياتنا المختلفة.
الأربعاء 2016/06/01
استدعاء الذكريات يتسبب في المزيد من الاضطراب العاطفي والنفسي

لأن تواريخ الأحداث الماضية لا يمكن تجنبها أو التغاضي عنها، فمن المتوقع أن نفاجأ بتسلطها بين الحين والآخر على مشاعرنا بشكل لا يمكن تجنبه، ما يتسبب في حدوث المزيد من الاضطراب العاطفي والنفسي.

يشير الدكتور روبرت كرافت – أستاذ علم النفس المعرفي في جامعة أتربين الأميركية – في مقاله الأخير في مجلة "علم النفس" الأميركية، إلى أنه بالإمكان التصدي لتأثير مثل هذه المشاعر السلبية في حياتنا بالسماح لأنفسنا باجترار بعض أوقات الحزن وبأن نمنح أنفسنا بعض الراحة من تراكم جدولنا الزمني المعتاد، والركون إلى الهدوء النفسي في محاولة لإعادة ترتيب أحداث الماضي التي تركت بصمتها على حاضرنا من دون أن تكون لنا يد في تجنبها أو تحييدها عن ذاكرتنا.

كما أن ارتباط أحداث الماضي بمناسبة مشابهة قد تقع في الحاضر، مثل موت أحد الأشخاص المشهورين بالطريقة ذاتها التي فقدنا فيها إنسانا عزيزا علينا، يستدعي كل الذكريات الحزينة التي رافقت خسارتنا في الماضي بصرف النظر عن توقيت هذا الحدث في الماضي، ولهذا فإن الفارق الزمني قد يتلاشى في لحظة ما فلا تبقى سوى الذكرى التي تتجسد بقوة في الحدث الحاضر فتتوقف عن أن تكون ذكرى.

وينصح كرافت بضرورة مشاركة مشاعر الحزن هذه مع أصدقاء مقربين للتخفيف من وقعها على أنفسنا، أصدقاء أو معارف نثق بهم ونشعر بالحرية في بثهم همومنا وجزعنا، فإذا لم يتوفر هذا الصديق المقرّب يمكننا أن نستعيض عنه بتدوين مشاعرنا والكتابة عنها حتى لو كان هذا في صيغة مذكرات شخصية؛ ومن شأن هذه الوسيلة البسيطة مساعدتنا على تفريغ شحنات مشاعرنا السالبة والتخفيف من وقع أفكارنا القاتمة.

من جهة أخرى، الدماغ البشري لا يختزن جميع الذكريات بالكيفية ذاتها، فالذكريات السعيدة تخزن بطرق وأماكن مختلفة حيث يكون من السهل الوصول إليها واستدعاؤها من جديد مقارنة بالذكريات الحزينة، التي تقبع في أماكن بعيدة من الدماغ حيث يصبح من الصعب الوصول إليها، وكلما كانت أشد وقعاً وألماً تعذر استدعاؤها من أقبية الذاكرة بعيدة المدى حيث يعمل اللاوعي إرادياً على إبعاد هذا النوع من الذكريات عن الوعي عدا الجزء شديد الإيلام، هذه المفارقة هي التي تجعل الأمر معقداً بعض الشيء وربما يكون العكس صحيحا.

استدعاء الذكريات السعيدة والحزينة يعتمد على الطريقة التي يتبعها دماغ الإنسان في تخزينها وعلى حاجتنا الفعلية لاستدعائها

وتؤكد الدكتورة ساندرا براون – أستاذة علم النفس الأميركية واختصاصية تطوير البرامج النفسية في مجال قضايا المرأة والعنف الجسدي والنفسي – على أن استدعاء الذكريات السعيدة والحزينة على حد سواء يعتمد على الطريقة التي يتبعها دماغ الإنسان في تخزينها وعلى حاجتنا الفعلية لاستدعائها، في مواقف معينة أو ارتباطها بأحداث معينة أو لمجرد شدتها ومدى تأثيرها على مجرى حياتنا، ويعد هذا فعلاً إرادياً بحتاً يعتمد على مدى قدرتنا على تلافي الذكريات المؤلمة وشجاعتنا وقوة شخصيتنا في محاولة القفز على مراحل الفشل في حياتنا.

ولعل كل ما يرتبط بالذكريات من مشاعر وصور وآثار سرعان ما يتضخم حجمه وتأثيره، حالما يوضع تحت العدسة المكبرة؛ هذه العدسة تمثل اللحظات المركزة التي تقفز من مدارها الزمني الحاضر فجأة فتصبح كمعول يعمل تجريفاً في أرض الذكريات البعيدة، فيقلّب تربتها التي كادت تصبح صخوراً ليعيد إليها الحياة ولصاحبها لحظات ألم دقيقة كادت تكون نسياً منسياً.

وتعمل الذكريات السعيدة في بعض الأحيان كمطهر للتخلص من (بقع) الذكريات التعيسة، حيث يشبهها متخصصون بمسحوق الغسيل الذي يحاول أن يزيل البقع العنيدة والصعبة في غسالة الملابس (أماكن خزن الذكريات في الدماغ)؛ فكلما كان المسحوق قوياً ونافذا في أدق تفصيلات قطع القماش أصبحت عملية إزالة البقع سهلة، على الرغم من أن بعض بقع (الذكريات التعيسة) لا يمكن إزالتها بأعتى مساحيق التنظيف. وهذا أمر جيد وسيء في الوقت ذاته، لكن كيف يمكن أن نحلّ هذا اللغز؟

ترى الدكتورة براون أننا ينبغي أولاً أن نستوعب حالة سيدة – مثلاً- واجهت تجربة حب فاشلة بتفاصيل وذكريات مؤلمة وصادمة، ومدى إمكانية أن تبقى تفاصيل هذه التجربة الحزينة عالقة في ذهنها سنوات طويلة.

وعلى الرغم من استقرارها في دهاليز الذاكرة البعيدة، إلا أن إمكانية تجسدها بصورة مفاجئة في نسيج الحياة اليومية؛ في النوم واليقظة، في العمل، في المنزل، أثناء تناول الطعام، في أمسية سعيدة تقضيها مع الأصدقاء أو في جلسة سلام وتأمل مع الذات، يمكن أن تكون كابوساً مستمراً يصعب الفكاك منه، فتصبح كمن يعيش حياته أو لا يعيشها، أو كمن يجلس على كتفه الأيمن ملاك وكتفه الأيسر شيطان، يتجاذبانه ذات اليمين وذات الشمال مرة إلى الجنة وأخرى إلى الجحيم. تقول براون”إنه أمر سيء وجيد أيضاً”!

الوقوع في شرك المشاعر المتضاربة هذا، يشجع على ابتداع وسائل مختلفة للتعامل معها والتخلص منها نهائياً إذا كان هذا الأمر متاحاً، فاستدعاء التجارب القديمة “غير منتهية الصلاحية” أو التي لم يتم التعامل معها بحكمة في حينها، يعمل كما تجربة فتح جرح قديم ما زال يسبب الإزعاج لصاحبه كلما مسته نسمة هواء خفيفة؛ فيصبح أمرا ضروريّا تخليص هذا الجرح مما علق به وتراكم عليه من خراج طوال سنوات طويلة، ثم تعريضه للضوء والشمس ثانية ليتم التئامه بشكل جيد فلا يتسبب في ألم جديد.

21