الذاكرة المفقودة

الجمعة 2017/09/08

فوجئت هذا الأسبوع بخبر مؤلم وصلني متأخرا جدا عن وفاة شخصية فكرية وأدبية جزائرية الأصل، وفرنسية الجنسية دفنت في مقبرة مونبارناس الباريسية وهي السيدة آرليت الكيَام الملقبة بلقب عائلة الفيلسوف جان بول سارتر، الذي تبناها وهي في نعومة أظفارها وبعد أن غادرت مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري لتستقر إلى جانب عائلتها بباريس، حيث عاشت حتى يوم رحيلها عن دنيانا عن عمر يناهز 82 سنة.

ينبغي التذكير بأن أهمية السيدة أرليت الكيَام تعود إلى كونها قد لعبت دورا فكريا وإنسانيا مهما، على مدى سنوات طويلة، في الحياة اليومية لكل من الفيلسوفين الفرنسيين الشهيرين وهما جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، وإلى أعمالها الفكرية والأدبية التي تتمثل في مقالاتها وكتبها وفي إشرافها على تحرير وتنقيح كتب سارتر التي لم ينشرها في حياته وفي مقدمتها سلسلة كتبه ذات الصيت العالمي وهي: “المواقف”، و”نقد العقل الجدلي”، و”المخيالي”، و”أحمق العائلة”، و”ما هو الأدب” المترجم إلى العربية وغيرها.

لا شك أن الجزائر قد ضيعت مخزون ذاكرة أرليت الكيَام الثمين جدا والمعبأ بتفاصيل فترة مهمة في التاريخ الوطني الجزائري ألا وهي فترة الصراع بين المثقفين الفرنسيين اليمينيين وبين المثقفين الفرنسيين اليساريين في المشهد الثقافي والفكري والإعلامي الفرنسي حول ظاهرة استعمار الجزائر بشكل خاص وبلدان أخرى في العالم بشكل عام. وفي تلك الفترة كانت أرليت تتابع داخل فضاء فرنسا وفي فضاء عائلة سارتر نفسها مواقف ومظاهرات الفيلسوف جان بول سارتر الذي دعَم حركة التحرر الوطني الجزائري وتعرض جراء ذلك لهجوم وعسف اليمين الفرنسي الاستعماري.

إن معايشة أرليت لاحتدام النقاش الفكري في الساحة الفرنسية مهمة وخاصة في مجال كتابة تاريخ أزمة الثقافة الاستعمارية التي واجهتها أيضا سيمون دو بوفوار، التي تحدثت في كتابها “قوة الأشياء” عن ذكرياتها وتعاونها مع المفكر المارتينيكي الأصل فرانز فانون، الذي وقف فكريا وممارسة نضالية إلى جانب مقاومة الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي.

ومما يؤسف له أنه لا أحد من المسؤولين على الثقافة في الجزائر تعامل مع هذه السيدة المثقفة، التي ساهمت بكتاباتها الفكرية والأدبية في مجلة الأزمنة الحديثة، وطبعت بعض أعمالها لدى دار غاليمار الشهيرة للنشر، ثم أصبحت بعد وفاة سارتر المسؤولة المؤتمنة على أعماله الفكرية والأدبية، التي جعلت منه شخصية عالمية في عصرنا هذا.

وهكذا يمكن القول، مع الأسف الشديد، إن الكثير من الأسرار ذات الصلة بسارتر وسيمون دو بوفوار وبمفكرين وأدباء ومثقفين فرنسيين التي كانت في حوزة السيدة الكيَام منها تفاصيل علاقتهم بحركة التحرر الوطني الجزائري قد دفنت إلى الأبد معهم ومعها في آن واحد.

كاتب جزائري

15