الذاكرة بالأبيض والأسود

الأحد 2013/11/03
سميح القاسم.. طفولة معذبة

في كتابه "إنها مجرد منفضة/ سيرة: الجزء قبل الأخير"، الصادر عن دار «راية للنشر»، حيفا المحتلة، في طبعته الأولى بـ (450 صفحة من القطع المتوسط)، يروي الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، حكايته بادئاً بأهله، ماراً بأسماء ورفاق وشعراء، وبوقفات خاصة عند محمود درويش والرفقة الحزبية التي جمعتهما.

يكتب القاسم سيرته – بضمير المتكلم – فتى وشاعراً يعارك الواقع الفلسطيني المسروق، ممتطياً شهرته الأدبيّة إلى عواصم العالم. راوياً ما خلفه الجرح الذي لا يزال نازفاً بعدم التَّصديق والخيبة والمرارة والصّداع..، وحكايات صور كثيرة تمزَّقت تحت جنازير الدبابات والجرَّافات. صورٌ تُحاول إعادة إلصاق نُتفها وقطعها المتناثرة على الدرب الشائك وعلى الأرصفة الضيقة حَول ذاكرة محاصرة.. والذاكرة خداعة.

ويحدثنا القاسم أيضاً عن تفاصيل دخوله إلى «الحزب الشيوعي (الإسرائيلي)» وملابسات خروجه منه بعد اتهامه بـ«الشوفينية القومية». زمن الفلس والرفقة والشباب الصاخب، ومقاومة فظائع (الحكم العسكري) للاحتلال والمقاومة بالكلمة المقاتلة والقصيدة.


القصيدة تأتي


يقول الشاعر في مطلع كتابه: «ليست سيرة ذاتية، هي محاولة لترميم صور من الذاكرة، صور قديمة، بالأبيض والأسود». ويمضي بنا في عرض صور ينتقيها من ألبوم السيرة. في سيرته كما حياته، تعدّى موقع الشاعر ليكون الشخصية العامة ورجل المجتمع. باعتباره مناضلاً وواحداً من رموز الثقافة الفلسطينية والعربية المعاصرة، وصاحب موقف وطني دفع ثمنه كغيره اعتقالاً وسجناً ومضايقات كثيرة حفل الكتاب بسردها وسرد أسبابها الوطنية العامة والخاصة.

ويحدثنا صاحب "خذلتني الصحارى" عن طفولته المعذبة، التي لم تكن بسبب الحرمان من الأوليات التي يطلبها الأطفال عادة كالثياب أو الأحذية الجديدة أو الطعام والحلوى، بل كان بؤس طفولته وطفولة أقرانه من أبناء جيله منطلقاً من الممارسات الكيدية التي كان يرتكبها الاحتلال الصهيوني مع فلسطينيي الـ (48)، من محاولة إلغاء هويتهم التي كان بيت الأسرة يصر عليها بنطق العربية، والتأكيد عليها عبر استمرار العادات والتقاليد العربية.

ويحدثنا كذلك عن قريته "الرامة" التي نشأ وترعرع بها وكيف كانت واحدة من قلاع مقارعة الاحتلال حين فجَّر أهلها انتفاضة «الزيت والزيتون»، وتصدُّوا لقوَّات الجيش والشرطة التي داهمت القرية لمصادرة موسم الزيت والزيتون لصالح الدولة. ووقعَ الجرحى والمعتقلون من رجال «الرامة» وشبَّانها ونسائها. واختلطَ الدَّم «المسيحي» بالدَّم «الدرزي» وضمَّت الكلبشات زنداً مسيحياً على زند درزيّ، وأطلقت عنقاء الرماد العربية صَيحتها المدهشة المدوِّية: «نحنُ هنا!"..

ويتذكر القاسم بدايات دخوله في العمل الوطني، عندما كان طالباً في المدرسة الثانوية البلدية، وشارك مع زملائه احتجاجاً على زجاج نوافذ المدرسة المكسورة والظروف التعليمية المتدنية آنذاك.

كما يتذكر بداياته الشعرية وكيف كانت مجرد محاولات للتغزل بطالبة وهجاء لمعلم، إلى أن قبض عليه الأستاذ سعيد بشناق (من أصول بوسنية)، متلبساً بشعره، فقال له: «لديك موهبة ممتازة فلا تضيعها على هكذا مواضيع»؛ واحترم ملاحظة أستاذه وتذكر ملاحظة الأستاذ إلياس الحزوري: «لا تذهب إلى القصيدة دعها تأتي إليك».

ويبين الشاعر كيف كان من شأن حكومة الاحتلال زمن (بن غوريون) أن تفرق الفلسطينيين تفرقة طائفية وعرقية، حيث قرر يومها مواجهة مثل هذه التحديات الكبرى. حيث مع ظهور مجموعته الشعرية الأولى "مواكب الشمس"، أسس مع عدد من الشباب ما عرف بـ (منظمة الشبان الدروز الأحرار) شبه السرية تيمناً باسم ثورة «الضباط الأحرار» في مصر. وجراء مواقفه من الاحتلال طرد من وظيفته كمدرس في وزارة المعارف وكتب قصيدة «خطاب من سوق البطالة» التي عرفت لاحقا باسم «سأقاوم».

كما ويحكي لنا القاسم عن نكسة العام 1967م التي أدخلته في غيبوبة عقب الانكسار الكبير الذي لحق بالأمة العربية بعد هزيمة ثلاثة جيوش عربية أمام جيش العدو الصهيوني. فانقطع إثرها عن المحيط، ونأى بنفسه عن الناس، لكنه سرعان ما عاد إلى نفسه متحدياً للبدء من جديد.


الجواهري وبن بلا


ويروي صاحب "سقوط الأقنعة" في الكتاب فصولاً من وقائع الحياة التي عاشها بالطول والعرض، والنكتة أيضاً: «قصص مع مشاهير الأدب والفن والشعر في العالم ورجالات السياسة.. وجنرالات العدو أيضاً: من دعوة غداء في بيت القائد الجزائري أحمد بن بلة في باريس مروراً بإسحق رابين الذي جمعته به المصادفة في إحدى السفرات (!) إلى تفكير القاسم بقتل ديفيد بن غوريون في أحد الوديان».

ويروي لنا القاسم كيف اقترح «الحزب الشيوعي (الإسرائيلي)» عليه وعلى محمود درويش في العام 1968م المشاركة في «مهرجان الشباب العالمي» في صوفيا، وهي المرة الأولى التي تتاح له مغادرة البلاد والسفر خارج الاعتقالات وإجراءات الإقامة الجبرية والرقابة العسكرية والقمع والإذلال.

وكما جاء في الكتاب، كان شاعرنا في حالة بين «الحلم والعلم» والشك واليقين والغبطة والألم فقد فرح الشبان العرب بوجود (سميح ودرويش) بيد أن آخرين قرروا مقاطعتهما وتشويه صورتهما، وقال بعضهم: «إن الشاعرين الحقيقيين معتقلان في سجن الاحتلال، وأنكما شخصان آخران ينتحلان شخصيتي شاعري المقاومة!!».

ورغم ذلك كان بين الوفود العربية من يدبر لقاءات سرية.. وحين سمع القاسم بوجود شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري أصر على لقائه فهو (أخوه جعفر) ومن خاطبه في قصيدة:

«عذراً يـا عملاق الكلمهْ

إن شابت ألفاظي عجمه

أنا جعفر في أرض أخرى

يمتص فم الطّاغي دمه».

بدايات القاسم الشعرية كانت مجرد محاولات للتغزّل

وذهب برفقة محمود درويش ومحمد ميعاري (الشخصية الوطنية في الداخل المحتل) لمقابلة «سرية» مع الجواهري وتحولت الزيارة إلى صداقة جميلة نبيلة، وكان ودوداً مع أعضاء الوفود العربية الذين «اعترفوا» بأنك كنت قاسياً مع المهرجين «المزعبرين»: «غُبارُ حِذائي يشرف مَن هُم على شاكلتِكم، مِن المحيط إلى الخليج..».

و«رغمَ التّحريض المنهجي فقد كانت أمسيتكما الشعرية حاشدة ومتألِّقة وموجِعة جداً.. يوم مسيرة المهرجان اتّفقتَ مع محمود درويش: فلنتأخّر مسافة ما عن الوفد. الوفد سيحمل العلم (الإسرائيلي)، ولن نكونَ في وضعٍ مقبول.. واتّفقتَ مع محمود على أن تحملا الجاكيت على الساعد لأنَّ الشّعار الحزبيّ أيضاً سيستفزُّ بعض الموفدين العرب.. وهكذا كان.. سرتُما على مسافةٍ وراء الوفد وكلٌّ منكما يحمل الجاكيت على ساعده رغم البرد.

واحتجّ عليكما قادة وفدكما، لكنّكما لم تتراجعا عن موقفكما..

ورغمَ ذلك نشرت صحيفة عربية صورة للوَفد (لا تظهران فيها) لكن الكلام تحت الصورة يزعم أنّكما هناك، وراء العلم (الإسرائيلي)..

ولن تنسى الموقف النبيل الذي برز فيه الشهيد المبدع غسان كنفاني، حينَ هَبَّ مُدافعاً عن «جناحي شعر المقاومة الفلسطينية».

ما زالت هذه المحنة تُطاردكما.. فاذهَبْ إلى الناس لتُقنِعَهم بأنَّ لا أخت لك !! ».

ويتحدث الكتاب عن تعرف القاسم إلى الصحفي المغربي علي بن عاشور في إحدى رحلاته إلى باريس الذي عرض عليه لقاء قائد الثورة الجزائرية أحمد بن بله؟ ليجيب: «سأكون سعيداً جداً بلقاء الرجل وسأشم فيه رائحة الجزائر ورائحة جمال عبدالناصر أيضاً».

وكان اللقاء حميمياً مع "المناضل الأسطوريّ"، واضطروا لإعادة تسخين طعام الغداء أكثر من مرة لأن ذكريات بن بله وأفكاره تتدفّق بلا هوادة، وشهيّة التاريخ أقوى أحياناً مِن شهيّة الطعام..، وقبل المغادرة أهداه بن بله صورة له، كتب على ظهرها «من ربِّ السيفِ إلى ربِّ القلم».

ويكشف الكتاب أيضاً، لقاءه مع رئيس الوزراء السوري الأسبق يوسف زعيّن عقب أمسية شعرية بالمسرح الملكي في العاصمة السويدية (ستكهولم) الذي أخبر (القاسم ودرويش) بصوت خفيض: «قصائدكما كانت عزائي في السجن».

ويتحدث القاسم عما اصطلح على تسميته بـ«أدب الرسائل» وهي المتبادلة مع الراحل محمود درويش، وأطلق عليها الشاعر محمد علي طه عنوان «رسائل بين شطري البرتقالة» أيام كانت تنشر في صحيفة «اليوم السابع» في باريس و«الاتحاد» الحيفاوية.

ويقول إنه في واقع الأمر فقد بدأ الأمر لعبة بين صديقين لكن الإقبال الواسع لدى القراء على متابعة هذه الرسائل جعلها ظاهرة «أدبية» استثنائية. وعلى مائدة محمد حسنين هيكل في القاهرة أفصح الصحفي الكبير بأنه من متابعي الرسائل المتحمسين ومستعد لتقديمها إلى القراء في كتاب، وأبدى أكثر من فنان رغبته في مسرحة الرسائل التي «تؤرّخ» روحياً لفترة مهمة من حياة الشاعرين (القاسم ودرويش).


المثقف في المعركة


جاء في الكتاب أيضاً «إن القاسم آمن دائماً بضرورة الحوار مع الآخر ورفض الزّج بمعنى (الحوار) في مقولة (التطبيع) فالحوار واجب والمثقف الذي يهرب من الحوار كالجندي الذي يهرب من المعركة».

ينهي صاحب «كولاج 3» سيرته بما يشبه الاعتراف والمرافعة، كاتباً: «.. لأنّك لا تدّعي العصمة ولا تزعم الكمال، فإنّك تترك الجزء الأخير من هذا البوح العفوي وغير المقولب واللامحسوب، مجالاً لكلمة أخيرة. (…) وها أنت منهمك بضرورة الاستعداد للحياة وضرورة الاستعداد للموت، لكنّك مؤمن بأنّه لا بُدّ من فرج قريب بقدر إيمانك بأنّك من حياة إلى موت ومن موت إلى حياة، ومن رمل إلى رمل، ومن تراب إلى تراب، ومن ماء إلى ماء، ومن رماد إلى رماد، ومن قمح إلى ورد. ومن كلّ شيء وأيّ شيء إليها، إلى المنفضة، فما هي إلّا منفضة. إنّها منفضة. إنّها مجرّد منفضة!..

وها هو رمادُكَ يتساقط في منفضة العالم، منفضة الحياة الدنيا.. ها هو رمادك يتهاوى في منفضتك. وإلاّ فماذا ظننتَ يا أخي وصديقي؟ ماذا ظننتَ دُنياك أيّها الإنسان الذي أرادَ أن يكونَ شاعراً وأيّها الشاعر الذي أرادَ أن يكونَ إنساناً؟ ماذا ظننت؟ هل فاتَكَ أنّ دُنياكَ ليست سوى منفضة؟

بَلَى. إنهّا مِنفضة.

إِنّها مُجرَّد مِنفضة..».

13