الذاكرة بصلة الأديب وبوصلته

الاثنين 2015/05/18

الذاكرة هي مسرح الأديب وخزّان حكاياته، مكمن استرشاده وعودته إلى أمسه، وهي نقطة انطلاقه في عمله نحو غده، يؤسّس عليها، ويؤصّل من خلالها المنثور من الذكريات، أو الرؤى القابعة في عتمة الزمن البعيد، وعتمة الدواخل التي ينيرها التذكّر ويظهّرها الكشف والإعلان والاعتراف.

تتقدّم الذاكرة عمل الأديب وتكون بوصلته إلى أعماقه تارة، وإلى ماضيه تارة أخرى، وقد تكون بوصلته إلى الآخرين حين يستعيد وقائع وأحداثا مشتركة، أو حين يرسم مشاهد لمواقف وحوادث ذات طابع عموميّ، بحيث يصوغ به كله ذاكرات الآخرين وذكرياتهم أيضا.

الذاكرة التي تكون بوصلة الأديب تغدو بصلة مثيرة، مغرية ومغوية، بالنسبة إلى الألماني غونتر غراس (1927 – 2015) الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1999، ففي كتابه “تقشير البصلة” تهرق الدموع وتراق دماء ذكريات الزمن الماضي، فتراه يدوّن سيرته الذاتية متحليا بجرأة الاعتراف بالأخطاء ومواجهة الذات في مرآتها.

شبّه غراس الذاكرة بالبصلة التي تشتمل على عدة طبقات من القشور. ويرى أن الذاكرة تحب أن تلعب لعبة الاستغماية؛ أن تدب مبتعدة. ويقول إنها تميل إلى الإسهاب، وإلى الظهور بمظهر معين، بلا داع غالبا. وإنها تناقض نفسها، ولما كانت متحذلقة، فإنها ستأخذ طريقها.

اعتقد غراس أن الذاكرة عندما تتضايق بالأسئلة، مثل بصلة ترغب في أن تقشر لكي نتمكن من قراءة ما تمت تعريته حرفا حرفا. ويجد أنه من النادر أن تكون واضحة وغالبا ما تكون مكتوبة بكتابة مرآتية أو مقنعة بأشكال أخرى. تحت قشرتها الخارجية الجافة والمتشققة نجد طبقة أخرى أكثر رطوبة، ما إن تُفصل حتى تكشف عن طبقة ثالثة، توجد تحتها رابعة وخامسة تنتظران هامستين. وكل قشرة تنضح بكلمات طال كتمانها أكثر مما ينبغي، وعلامات ملتفة، كما لو أن بائع ألغاز من عصر مبكر كان قد قرر أن يشفر نفسه، في حين كانت البصلة لا تزال تنبت.

فكّك غراس الذاكرة ووصفها بأنها تحب أن تحيل إلى بقع عمياء. وما علق يتبيّن أنه غير ضروري، تحت أقنعة مختلفة. واعتقد أن قصاصات من الذاكرة تتراكم فوق بعضها، تارة في هذا الاتجاه وتارة أخرى في ذاك الاتجاه، لكن دوما تبقى ذات فجوات. لذلك فهو يقتفي أثر الصورة الظليلة لشخص صادف أن نجا.

تظلّ الذاكرة قارب نجاة الأديب في عمله ومساعيه لخلق عوالمه وابتكارها، واستعادتها، بحيث تشكّل له جسره الموصل إلى أدبه وفنّه، والعابر به إلى غده، ليبقى في ذاكرة قرّائه ومتابعيه، ويؤثّث بذاكرته ذواكرهم أيضاً.

كاتب من سوريا

15