الذاكرة والحنين وجسور المغتربين

الخميس 2016/09/08

يأتي فوز الروائيّة العراقيّة إنعام كجه جي بجائزة الرواية العربية التي تمنحها مؤسّسة “لاغاردير” بالتعاون مع معهد العالم العربي في باريس، عن روايتها “طشاري” المترجمة إلى الفرنسية والصادرة عن دار “غاليمار”، كتأكيد على استحقاق الإنجاز والتتويج، إذ تمكّنت كجه جي من الوصول إلى درجة من الحضور والتكرّس من خلال بضع روايات فقط تكفّلت بتصنيفها من الروائيّات البارزات في المشهد الروائيّ العربيّ، أثبتت فيها أنّ الرسوخ للنوع، وأنّ الكمّ لا يصنع روائيّا ولا يكرّسه.

ظلّت إنعام كجه جي مسكونة بالعراق الذي يكون مكمن الحلم ومصدر الأسى في الوقت نفسه. وتراها تؤكّد أنها لا تفسح المجال للحنين كي يستبدّ بها، تحاول ترويضه بطريقتها الروائيّة، وتذكر أنّها تعايشت مع غربتها وتفهّمتها وحاولت تطويعها والتغلّب عليها بطريقتها الخاصّة في مسعى لتجاوز فكرة خسارة مسقط رأسها، كما تعبّر عن أساها بأنّ المغترب محكوم بالخسارة مهما حقّق من نجاحات، وأنه لا بديل عن التآلف مع الأمكنة والملامح واللغة.

الحرب التي تبدو كأنّها قدر العراقيّ في راهنه تحتلّ حيّزا كبيرا من اهتمام كجه جي واشتغالها في أعمالها، والحرب نفسها تتشظّى كضحاياها المتناثرين شرقا وغربا، داخل العراق وخارجه، وتتلوّن بأشكال مختلفة وصيغ متباينة في المهاجر والمنافي، تنتقل بضجيجها وصداها إلى أعماق الشخصيّات، تلقي بها على قارعة طريق الشوق والحنين، لتقف على جسر لامرئيّ يستطيل إلى اللانهاية يحمل الأوجاع ويمضي بأصحابها المغتربين في عدّة اتجاهات، إلى غدهم من جهة وإلى ماضيهم من جهة أخرى.

لعلّ وصف “طشّاري” الذي اختارته إنعام كجه جي لروايتها من الدقة والرمزية بمكان للإشارة إلى واقع أبناء العراق الحديث في بلدهم ومهاجرهم، تتبدّى حالهم “طشّاري”، كالطلقة المتشظّية المتناثرة في الآفاق.

رسمت كجه جي شخصيّة وردية إسكندر بطلة روايتها “طشّاري” لتعرض نموذجا للمرأة العراقيّة الصلبة التي أسّست بقوّة العلم والمعرفة شخصيّتها، وساهمت بدورها في مجتمعها، فكانت حاضرة بعملها وذاكرة لتساهم في التنوير والبناء، لكن الظروف التي استجدّت، والحروب التي استعرت في بلادها دفعتها إلى الخروج وهي التي تبلغ الثمانين من عمرها، ويعكس خروجها المتأخّر مدى الانكسار الذي حملته في داخلها وهربت به.

أبقت كجه جي شخصيّات عملها مسكونة بحنين متجدّد مستعر لا ينضب، وكأنّه صدى للحريق الذي يلتهم بلدها، كلاهما مستعر بطريقة ما، في البلد نيران الحرب والمعارك تنهش جسده وبنيته وتفتّت أوصاله، وفي الغربة والمهاجر يستعر الحنين ليبقي ضحاياه في حالة من انعدام التوازن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

أثّثت كجه جي فضاء متخيّلا صوّرت فيه مقبرة افتراضية تجمع المشتتين والمهاجرين واللاجئين العراقيين في مختلف الأمكنة والقارات، تحاول بذلك إبقاء نوع من الترابط المفترض، ولو كان متخيّلا في عالم افتراضيّ، لأنّ الجمع في العالم الواقعيّ يكاد يغدو في باب التعذّر والاستحالة، كما يكون تخيّل المقبرة التفافا على ضياع الجثامين في المغتربات، وكأنّها بذلك تمهّد لهندسة عالم لأرواح الراحلين ليعيشوا جزءاً من أحلامهم بعراقهم فيه.

كاتب من سوريا

15