"الذبابة" فيلم رعب فرنسي يتحول إلى مسرحية هزلية

عرض "الذبابة" عمل مسرحي متكامل يجتمع فيه الحضور الجسدي والخدع الفنية وجمالية إرهاصات المعلوماتية ما يجعله مختبرا لتجارب ركحية وميدانا لأداء رائع.
الاثنين 2020/03/09
ينتميان إلى فئة لا يهتم بها أحد

من الأعمال المسرحية التي شدت انتباه النقاد وعشاق الفن الرابع مؤخرا مسرحية “الذبابة” على خشبة “بوف دي نور”، وهي من اقتباس وإخراج فاليري لوسور، وكريستيان هيك، عن قصة من أدب الخيال العلمي للبريطاني الفرنسي جورج لانغلان.

“الذبابة” عنوان قصة من الخيال العلمي ألّفها جورج لانغلان (1908-1972) وهو صحافي فرنسي من أصول بريطانية عمل جاسوسا ضمن فرقة العمليات التنفيذية البريطانية الخاصة خلال الحرب العالمية الثانية وقضى أغلب فترات حياته في فرنسا. هذه القصة أخرجها للسينما الأميركي كورت نومان عام 1958، أي بعد سنة من تأليفها، تحت عنوان “الذبابة السوداء”، ثم أعاد إخراجها الكندي ديفيد كروننبرغ بعنوانها الأصلي.

وقد حافظ المخرجان على طابعها كقصة خيال علمي مرعبة، بطلها عالم يدعى روبير اكتشف تقنية التنقل الآني من مكان إلى آخر دون مسيرة مادية، وعندما همّ بتجريبها في نفسه تسربت ذبابة داخل آلته فاختلط جسده بجسدها وتحوّل إلى ذبابة عملاقة تبعث الرعب في نفوس المتفرجين، فقد راح يفقد إنسانيته شيئا فشيئا ليصبح حشرة ضخمة تتسلق الجدران بحثا عن طعام يشبع شراهتها، أي أنه شهد تحولات مادية وذهنية تذكر بتحولات غريغور سامسا بطل “المسخ” لفرانز كافكا.

غير أن الفرنسيّْين كريستيان هيك وهو مخرج وممثل، وفاليري لوسور وهي مخرجة وعرائسية تصرَّفا بحرية تامة في القصة وحوّلاها إلى كوميديا تسكنها العرائس والتقنيات البصرية المذهلة، فبدل التنقل الآني، جعلا التجربة تنبني على عملية التحام جيني بين إنسان وحشرة، واختارا لأحداثها قرية ريفية في ستينات القرن الماضي. هناك يعيش الخمسيني روبير مع أمه ويقضي أوقاته في مستودع لإعداد آلة للتنقل الآني.

المسرح ليس مجرد حكاية
المسرح ليس مجرد حكاية

وقد ابتكر الثنائي الفرنسي عالما ركحيا يذكّر بديكور الأفلام الكوميدية الريفية حيث الخضرة والفضاء الرحب والبساطة والروح المرحة، فالخيال هنا حاضر بقوة، مثلما كان حاضرا في عملهما السابق “عشرون ألف فرسخ تحت الماء”، ولكن مع جعل البعد الفنتازي في خدمة حكاية مؤثرة في النهاية. ومن قصة مرعبة إلى حكاية بسيطة تثير الضحك، استطاع الثنائي أن يستفيد من تجربته التلفزيونية ولاسيما حلقة “الطبق الفضائي والببغاء”، كي يقدّم شخصيتين تنتميان إلى فئة من الناس ما عادت النخب السياسية والاقتصادية تهتم بها أو تعلم حتى بوجودها، روبير الذي يعيش في مستودع حوّله إلى عرين أعزب مهووس بتجاربه العلمية، وأمه أوديت التي تعيش عيشة كفاف في عربة مقطورة.  كلاهما يحلم، هو بالتوصل إلى نقل الكائنات آنيا من مكان إلى آخر، فيستعين بكل ما تقع عليه يداه، لا يستثني كلبه شارلي، وهو يردد بكل ثقة “إن استطعنا أن ننقل الضوء والصوت، فلم لا ننقل المادة”. وهي تحلم بأن يكون لابنها زوجة وحتى علاقة صداقة بفتاة، فتحاول هي أيضا تحقيق حلمها بأن تضع في طريقه رفيقة دراستها العانس ماري بيير، التي تنظر إلى روبير كزوج محتمل، فيما ينظر هو إليها كفأرة جاهزة لتجاربه.

ولكن لئن نجح مع الأرنب وقزم الحديقة (وهي دمى فلكلورية صغيرة توضع في الحدائق وتسمى أيضا نانومان)، فإن تجربته مع الكلب ثم مع صديقة أمه ماري بيير لم تجر كما قدّر وتوقع. فما إن رضيت العانس التقرّب منه، حتى توارت واختفت في بُعد من الأبعاد المجهولة، عقب عطل تماس تسببت فيه أوديت عندما وصلت آلة تسخين الخبز والشفاطة بالوصلة الكهربائية في نفس الوقت.

في العرض يلتقي الجد بالهزل، والواقع بالخيال، ومسرح البولفار بأفلام الرعب، ما يجعل المتفرج بين الرهبة والضحك

من الصعب أن يتخيّل كل من شاهد “ذبابة” ديفيد كروننبرغ أن قصة عالم أو هاوي تجارب علمية ينشغل فيها بالبحث عن كيفية التنقل الآني ويتحوّل إلى حشرة يمكن أن تكون مدعاة للضحك والهزل، وذلك ما حققه هذا العرض بامتياز. والفضل يعود أولا إلى السينوغرافيا الذكية التي ابتكرتها أودري فوونغ: عربة مقطورة ضيقة، مطبخ قذر وإن كان مجهزا بكل ما يلزم، مختبر بدائي في فوضى، حديقة مزهرة بها أقزام من الخزف. ويعود ثانيا إلى أداء الممثلين، مثل كريستين موريّو في دور أوديت وخاصة كريستيان هيك في دور وربير، وهو الذي تحوّل أمام أعين المتفرجين إلى ذبابة ضخمة، وبدأ يتسلق الجدار ويزحف فوقه، مستعملا منظومة كهربائية مُعدّة بدقة وإحكام. وثالثا وأخيرا إلى الكتابة الهزلية والتشويق المتوتر والخدع الفنية البارعة، رغم أن المسرح لا يمكن أن ينافس السينما في هذا المجال. ففي هذه الصيغة 2.0 من “الذبابة” يلتقي الجد بالهزل، والواقع بالخيال، ومسرح البولفار بأفلام الرعب، ما يجعل المتفرج موزعا هو أيضا بين التقبض والانشراح، الرهبة والضحك.

والخلاصة أن “الذبابة” عمل مسرحي متكامل اجتمع فيه الحضور الجسدي والخدع الفنية وجمالية إرهاصات المعلوماتية، ما جعله مختبرا لتجارب ركحية وميدانا لأداء رائع. وهذا ليس غريبا على كريستيان هيك الملحق بالكوميدي فرنسيز، وفاليري لوسور الممثلة والمخرجة القديرة، اللذين برهنا على أن المسرح ليس مجرد حكاية تروى بل هو أيضا موضوع بصري في شكل ميدان لعب، يجد المتفرج روح الطفل فيه، حتى وإن تحولت أحلامه الطفولية إلى كابوس.

16