الذراع العنصرية للأدب

توظيف أداة مرموقة ومرتبطة إنسانيا بمصائر الشعوب مثل الأدب، في تلك الصراعات والنوازع الشريرة وفق سلوكيات مشينة لا تمت للحقيقة بصلة، لهو انحراف أخلاقي رخيص وتافه.
الأحد 2018/10/21
الكاتب الفرنسي ميشيل هويلبيك يحرض على الرضوخ في كتابه "إذعان"

تحاول القوى العنصرية في أوروبا وبعض الأدباء المحسوبين عليها جرّ الأدب إلى تلك المنطقة المحرمة، سواء بدراية تامّة أو بغباء مفرط، ويلعب عالم النشر وفق توجهات الرأي العام المناهض لمفاهيم التسامح والإنسانية، دورا محوريا خطيرا في هذا الاتّجاه.

وما فتئت الكتب، سواء التاريخية المعادة قراءتها وتوظيفها، أو الإبداعية المؤلفة وفق نظرة سوداوية مشينة، يتوالى نشرها والتبشير بها ومحاولة تسليط الضوء عليها، في مسعى لا يخفى على القارئ النبيه، لإعادة  النماذج القميئة التي لفظها التاريخ إلى الواجهة من جديد، بالتناغم مع تصاعد الموجة العنصرية التي تشهدها بعض بلدان أوروبا الغربية، لا سيّما ألمانيا وإيطاليا وفرنسا ضد المهاجرين والمسلمين.

الرضوخ للأمر الواقع
الرضوخ للأمر الواقع

وتحت يدي نموذجان لمثل تلك الظواهر ـ ىالكتب، أوّلها رواية الكاتب الفرنسي المثير للجدل ميشيل هويلبيك التي تحمل عنوان Soumission أو إذعان ورضوخ، ويراد من العنوان التحريض على الرضوخ لما أسماه الكاتب للأمر الواقع الذي سيبلغ فيه عدد المسلمين في فرنسا في العام 2022 أكثر من عدد الفرنسيين الأصليين (المسيحيين)، وبالتالي استلامهم السلطة في فرنسا بالوسائل الديمقراطية، ورضوخ أو إذعان السكان الأصليين لهذا الأمر.

وعلى الرغم من أن الرواية كانت قد صدرت طبعتها الأولى في العام 2014، إلّا أن إعادة نشرها والتعريف بها وتنظيم الاستفتاءات في شأنها على يد اليمين الفرنسي المتطرف مؤخرا يبعث على الاستغراب في الواقع، فالرواية مجرد استخفاف بعقول القرّاء لأنّها، كما يقول مؤلفها، مجرد استكشاف لمستقبل لا يخلو من جوانب إيجابية، وهذه الجوانب الإيجابية التي قصدها هي تخيّل فوز رئيس إسلامي في فرنسا وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد بطريقة ساخرة، على الرغم من أنّه يدّعي استغلاله بطريقة خبيثة للتخويف من المستقبل وأن الرواية لا تستفز أحدا.

وتطرح الرواية معالجة درامية خياليّة تُظهر فرنسا وهي تشعر بالسعادة تحت قيادة المسلمين، بعد أن يتم التخلص من التنورة القصيرة واختفاء البطالة تماما على حد تعبيره، ذلك لأن جميع النساء سيلازمن منازلهن ولا ينزلن إلى العمل، وأن النظام سيعود والجريمة ستتراجع، وأن فرنسا ستعرف التفاؤل الذي لم تعرفه منذ السبعينات. وبسخرية مبطنة يقول هويلبيك لمجلة باريس ريفيو، “لا يمكنك اعتبار الرواية توقعا متشائما، ففي النهاية لا تسير الأمور بهذا السوء”.

وحسب لوران جوفريه رئيس تحرير صحيفة ليبراسيون اليسارية، فإنّ هويلبيك يلعب ورقة التخويف من المستقبل بطريقة فجة ومكشوفة تماما، لجهة المبالغة في قضايا الهجرة وارتفاع معدلات مواليد المسلمين الذين سيشكلون، حسب الرواية، أكثرية ملحوظة، ولذلك سوف يستولون على السلطة ديمقراطيا. وعدّ جوفريه الرواية “هدية جميلة في عيد ميلاد مارين لوبان” زعيمة اليمين المتطرف. وفي معرض ردّه، قال هويلبيك “لا أعرف أي رواية في العالم غيرت مسار التاريخ، وكل ما فعلته هو وصف التطور المرجح لوصول رئيس مسلم إلى السلطة في فرنسا في العام 2022”.

أما الكتاب الآخر الذي يصبّ في هذا الاتّجاه فهو ظهور مذكرات سريّة للزعيم النازي أدولف هتلر، وهي بمثابة سيرة ذاتية ملفقة يُفترض أن يكون هتلر كتبها في العام 1923، عندما كان نكرة ومجرد ضابط طموح لا يعرفه أحد، أعاد تحريرها، حسب ما يدّعي، المؤرخ الألماني اليميني أدولف كوبر، وحسب تلك المذكرات، فإن هتلر كان يدرك بضرورة تسويقه على وجه السرعة، كمنقذ للبلاد، ملامسا بذلك مشاعر المتطرفين الألمان وإحياء النزعة العنصرية في نفوسهم.

وفي المحصلة فإن توظيف أداة مرموقة ومرتبطة إنسانيا بمصائر الشعوب مثل الأدب، في تلك الصراعات والنوازع الشريرة وفق سلوكيات مشينة لا تمت للحقيقة بصلة، لهو انحراف أخلاقي رخيص وتافه.

10
مقالات ذات صلة