الذكاء الاصطناعي الأوروبي خارج المنافسة مع أميركا والصين

الشركات الأميركية الكبرى تبسط هيمنتها في أوروبا، وبيئة تعجيزية للشركات التكنولوجية الصاعدة.
السبت 2018/04/28
الروبوتات الألمانية تخشى من منافسة نظيرتها الأميركية والصينية

لندن - بينما تتقدم الصين والولايات المتحدة بشكل كبير في السباق التكنولوجي، تخشى القوى الأوروبية تخلفها عن الركب، وسيطرة الشركات الأميركية والصينية على هذا القطاع الحيوي الاستراتيجي. ومؤخرا عبر الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون عن هذا القلق، خلال عرضه خطة طموحة لفرنسا، قدمها وكأنها تمثل الاتحاد الأوروبي ككل، لتطوير نظام محلي في مجال صناعة الذكاء قادر على منافسة نظامي الصين والولايات المتحدة.

وتخشى ألمانيا أن تقضي موجة الابتكار التكنولوجي الأميركية والصينية على القطاعين الحيويين لصنع السيارات وعلم الروبوتات الصناعي لديها. ولتجنب هذا السيناريو تدفع برلين من أجل المزيد من التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، ومن الأمثلة الألمانية في هذا السياق ما يسمى بـ“الصناعة 4.0”، وهي حركة لجلب الابتكارات في مجال تكنولوجيا المعرفة إلى القطاع الصناعي.

ويرصد ماثيو باي، المحلل في مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث الأمنية الاستخباراتية، نقاط الضعف في المنظومة الأوروبية، مشيرا إلى أن صعود الشركات العملاقة التكنولوجية الأميركية والصينية التي لا يمكن وقفها دفع الزعماء في أوروبا إلى التحرك، بيد أن حلولا من قبيل الصناعة 4.0 ومبادرة ماكرون لن تكون كافية لتضع التكنولوجيا الأوروبية في مستوى المنافسة الصينية والأميركية.

جاهدت أوروبا من أجل إنشاء شركات تكنولوجية عملاقة إذ نجد أن شركة البرمجيات الحاسوبية ساب سي الألمانية هي الشركة الأوروبية الوحيدة في مجال التكنولوجيا التي تبلغ قيمتها 100 مليار دولار أو أكثر، وأقرب منافس لها في القارة الأوروبية هي الشركة الهولندية أي.أس.أم.أل هولندينغ، التي لا تكاد تتجاوز 80 مليار دولار.

ليس بوسع المفوضية الأوروبية غير الاقتراح ويبقى على الدول الأعضاء واللوبيات القوية داخلها أن تمرر الإجراءات

ولتوضيح الفوارق يتجاوز رأسمال شركتين صينيتين وخمس شركات أميركية في مجال التكنولوجيا 400 مليار دولار (شركة آبل لوحدها تتجاوز قيمتها 800 مليار دولار). والأرقام ليست أفضل بكثير بالنسبة إلى الشركات الناشئة في أوروبا، فحسب سي.بي انسايتس لا يضم الاتحاد الأوروبي إلا 25 شركة ناشئة خاصة تبلغ قيمتها على الأقل مليار دولار.

وتبلغ قيمة هذا النوع من الشركات الأوروبية مجتمعة 49 مليار دولار لكن قرابة نصف تلك القيمة يأتي من شركات بريطانية مثل ‘لوبال سويتش”، وهي أعلى الشركات الأوروبية التكنولوجية الناشئة قيمة. وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون في الاتحاد الأوروبي قرابة 12 شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا يبلغ رأسمالها مليار دولار، والقيمة الجملية لهذه الشركات 25 مليار دولار فقط، مع الإشارة إلى أن أوبر الشركة الأكبر من بين 114 شركة أميركية من هذا النوع تزيد قيمتها عن قيمة الشركات الأوروبية الإثنتي عشرة مجتمعة، وكذلك بالنسبة إلى أكبر شركة صينية من هذا القبيل وهي ديدي شوشينغ.

الكثير من الشركات الأميركية والصينية المختصة في تكنولوجيا المعلومات تتوسع لتدخل حوسبة كلاود والذكاء الاصطناعي والسيارات ذاتية القيادة. ولتسريع تطورها في هذه المجالات تشتري هذه الشركات أحيانا شركات أوروبية مبتدئة وشركات تكنولوجية راسخة؛ مثلا اشترت ميديا غروب الصينية شركة كوكا روبوتيكس الألمانية في سنة 2016، وكذلك اشترت غوغل شركة ديبمايند البريطانية في سنة 2014. وبفضل تطبيقاتها المتعددة الجوانب تشرع التكنولوجيات الناشئة مثل علم الروبوتات والذكاء الاصطناعي في إحداث تحول في الصناعات خارج تكنولوجيا المعلومات والإنترنت. وتتوقع شركة الاستشارات الأميركية ماك كينسي أن تمثّل البرمجيات قرابة ثلث قيمة السيارة بحلول سنة 2030.

وردا على الهيمنة الأجنبية المتزايدة بشكل مطرد في مجال التكنولوجيا جرب الاتحاد الأوروبي عدة إجراءات قانونية ومالية حيث تورطت عدة شركات تكنولوجية في نزاعات قانونية حول خصوصية المعلومات واستعمال المعطيات الشخصية مع عدة بلدان أوروبية. وكشفت المفوضية الأوروبية عن مقترح جديد في مارس الماضي ينص على فرض ضريبة بنسبة 3 بالمئة على الشركات الرقمية على أساس مكان وجود مستعمليها (وليس مكان وجود مقراتها). كما اقترحت المفوضية طرقا جديدة للتدقيق في صفقات الشراء الأجنبية المستقبلية في القطاعات الاستراتيجية. لكن هذه الإجراءات لم تفعل شيئا يذكر لسد الفجوة بين شركات التكنولوجيا الأوروبية ومنافساتها الأميركية والصينية.

الرئيس الفرنسي عبر عن قلقه من تدهور صناعة الذكاء في أوروبا، كما دعا إلى تطوير نظام محلي في هذا المجال.
الرئيس الفرنسي عبر عن قلقه من تدهور صناعة الذكاء في أوروبا، كما دعا إلى تطوير نظام محلي في هذا المجال.

صعوبات جغرافية

تبرز صراعات قطاع تكنولوجيا المعلومات الأوروبي الصعوبات التي تعترض الكتلة الأوروبية وأعضاءها في محاولة تحدي هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة، وقريبا جدا في الصين. ومثل الكثير من مشاكل الاتحاد الأوروبي تبدأ هذه الصعوبات من الجغرافيا.

الانقسامات الثقافية لا تقل إثارة للقلق؛ فبالرغم من أن الإنكليزية والألمانية والفرنسية هي اللغات المشتركة المتعامل بها في كافة أنحاء الكتلة الأوروبية فإن التنوع اللغوي والثقافي يجعل من تبني منصة ذكاء اصطناعي تعتمد على الصوت -مثل ألكسا التابعة لأمازون أو غوغل هوم للسوق المحلية- لكل دولة عضو مهمة  جسيمة.

ويبقى الحاجز اللغوي أكثر صعوبة بالنسبة للشركات الصغرى التي تحاول النمو بسرعة في كامل أرجاء القارة. وزيادة على ذلك فإن الكثير من البلدان الأوروبية لها حساسية ضد المنافسين الأجانب الذين يضرون بالصناعات الثقافية المحلية، والنتيجة هي بيئة تعجيزية للشركات التكنولوجية الصاعدة إذ كثيرا ما يؤدي المحتوى المحلي ومستلزمات الملكية إلى منع الشركات الصاعدة الآتية من أماكن أخرى في أوروبا من دخول سوق محلية معينة. وهكذا تؤدي بلقنة السوق الرقمية الأوروبية إلى خنق النمو السريع في قطاع التكنولوجيا.

ثم هناك قانون المنافسة؛ فبالمقارنة مع الولايات المتحدة والصين لدى الاتحاد الأوروبي قوانين أكثر صرامة لدعم المنافسة والحيلولة دون الاحتكار، في حين أن الحكومة الصينية كثيرا ما تتسامح مع الاحتكارات، احتكارات القلة بحكم الواقع لفائدة دعم الشركات الوطنية. والقوانين المحاربة للاحتكار في الولايات المتحدة تركز على كيفية بلوغ شركة الاحتكار أكثر من تركيزها على كيفية التصرف عند تحقق الاحتكار.

خطوط المعركة تظهر من جديد الآن بعد أن اقترحت المفوضية الأوروبية قوانين جديدة لحظر التوطين الإلزامي للمعطيات غير الشخصية

لكن حسب قوانين الاتحاد الأوروبي يكون الصعود في السوق مصحوبا بـ”مسؤولية خاصة عن عدم تشويه المنافسة”، والشركات التي يثبت تجاوزها لتلك المسؤولية -بما في ذلك عدة شركات تكنولوجية أميركية تخضع حاليا للتحقيق في الاتحاد الأوروبي- تواجه خطايا باهظة.

ونظرا إلى نزوع شركات تكنولوجيا المعلومات الناجحة إلى الهيمنة على مجالها الخاص يمكن القول إن قوانين المنافسة الأوروبية تمثل عائقا أمام شركات التكنولوجيا المحلية.

صعوبات التغيير

وعيا منهم بالتحديات التي تقف أمام قطاع التكنولوجيا الأوروبي يحاول الزعماء الأوروبيون، مثل ماكرون، تذليل الصعاب من أجل إرجاع شركات تكنولوجيا المعلومات الأوروبية إلى السباق. بيد أن مبادرة الرئيس الفرنسي ليست الأولى من نوعها، ولعل أهم خطوة للتكنولوجيا الأوروبية إلى حد الآن تتمثل في دفع المفوضية الأوروبية نحو إنشاء سوق رقمية موحدة منذ سنة 2015.

وتهدف سياسة السوق الرقمية الموحدة إلى تجديد قوانين الاتحاد الأوروبي من أجل التجارة الرقمية عن طريق تعزيز الوصول إلى السلع والخدمات الرقمية، ومن ثم خلق ظروف ملائمة لنجاح قطاع الخدمات الرقمية وزيادة قدرته على النمو إلى أقصى حد ممكن. لكن مرة أخرى قد تقف السياسة الوطنية في طريق التقدم التكنولوجي، فالمفوضية الأوروبية ليس بوسعها غير اقتراح تغييرات في السياسات، ويبقى على الدول الأعضاء واللوبيات القوية داخلها أن تمرر الإجراءات، والحال أن التوصل إلى توافق ليس دائما أمرا سهلا بالنسبة إلى أعضاء الاتحاد الأوروبي، فمثلا تسببت النقاشات حول توطين المعطيات في صدام بين دعاة التجارة الحرة مثل بلجيكيا وهولندا والبلدان الأكثر حمائية مثل فرنسا وإيطاليا، (ألمانيا أيضا تدعم توطين المعطيات، لكنها في ما يتعلق بمعظم المسائل الأخرى تقف في الصف المعارض للحمائيين الأوروبيين).

خطوط المعركة تظهر من جديد الآن بعد أن اقترحت المفوضية الأوروبية قوانين جديدة لحظر التوطين الإلزامي للمعطيات غير الشخصية، ومن ثمة السماح بحرية تنقل أغلب المعطيات عبر الحدود الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك يمكن لرئاسة ماكرون تغيير النقاش. لم يكتف ماكرون بإسقاط معارضة فرنسا لحرية تدفق المعطيات بل أوضح أيضا أنه يعتقد في ضرورة وجود استراتيجية أوروبية تتعلق بالتكنولوجيا.

على المدى البعيد، ونظرا إلى القيود الجيوسياسية لدى أوروبا والحجم الضخم للمنافسة في الولايات المتحدة والصين، سيكون على قطاع التكنولوجيا الأوروبي اللحاق بمنافسيه الأجانب. وإن عجزت أوروبا عن لعب دور القيادة أو على الأقل المواكبة، ستتخلف على الركب.

6