الذكاء الاصطناعي في الإعلام لم يعد خيالا علميا

في الإعلام الفعّال هنالك إشكالية مستقبلية حقيقية تتعلق بالذكاء الاصطناعي الذي صار يزحف قُدما حتى سيصبح المحرك والمسيطر الفاعل على الحياة اليومية وظاهرة طبيعية تفرض نفسها وبمستطاعها قهر الرفض البشري.
الثلاثاء 2018/09/04
الانتقال عبر الزمان والمكان والحوار مع الآخر من خلال ذلك الشكل البصري الافتراضي

لم تعد قضية المستقبل والمستقبليات حكرا على أشخاص لديهم ولع في الخيال العلمي، أشخاص يحلقون بعيدا عن الواقع بكل ما فيه من تعقيدات.

أولئك الناس الذين لديهم خيال جامح وقدرة على استبصار المستقبل حتى يبدو تفكيرهم وكأنه لا ينتمي إلى الواقع.

لكن القصة مع هؤلاء، وخاصة إن كانوا ينتمون إلى الوسط الإعلامي والاتصالي أن العالم المتسارع في إنجازاته التكنولوجية صار يفرض عليهم مواكبة ما يجري.

في الإعلام الفعّال هنالك إشكالية مستقبلية حقيقية تتعلق بالذكاء الاصطناعي الذي صار يزحف قُدما حتى سيصبح المحرك والمسيطر الفاعل على الحياة اليومية وظاهرة طبيعية تفرض نفسها وبمستطاعها قهر الرفض البشري.

الإعلام المتفرج والصامت وغير المنتمي إلى المستقبل ستلفظه تلك الموجة الرقمية الكاسحة.

الإعلام الرقمي المنفتح على مستحدثات الذكاء الاصطناعي سوف يندمج سريعا في أبجديات متطورة وسيصبح جزءا فعلا منها فينمو ويتطور معها.

كل ما بين أيدينا سوف يلاحقه سؤال المستقبل وكيف سيندمج في تحوّلاته المتسارعة.

لفتت نظري أطروحتان مهمتان في هذا الشأن للباحثين المستقبليين كيفين كيلي ومارك شيفر وكلاهما يحلقان في هذا الفضاء الشاسع المتعلق بالإدماج الخلاق بين الميديا بكل أشكالها ووسائطها وبين الذكاء الاصطناعي.

ولعل المقاربة الأساسية التي يمكن الخروج بها من بين محاور عديدة يناقشانها أن السؤال لم يعُد يتعلّق بحقيقة الذكاء الاصطناعي واستحواذه وتغلغله في مفاصل الحياة بل في مدى استعداد الأشخاص والمؤسسات الإعلامية وغيرها، لذلك المتغيّر والأهم هو كيف سوف تقدم نفسها لجمهورها المستهلك بطريقة مبتكرة ومتجددة.

وفي ما يتعلق بحقل الإعلام فإن الإشكالية التي يمكن أن نناقشها منذ الآن إنما تتعلق بالعجز عن التجديد، أصحاب القرار المحافظون المتشبثون بما هو سائد بحاجة إلى تغيير أدواتهم وطريقة تفكيرهم بشكل جذريّ باتجاه التحديث والتطوير المستمر.

يقول الباحث مارك شيفر إن على القائمين على مفاصل الميديا المختلفة ألاّ ينتظروا عاصفة رقمية أو زوبعة اسمها الذكاء الاصطناعي بل إن تلك المسميات وأدواتها الكاملة سوف تتسلل إلى حياتنا العملية الميدانية، وتصبح أمرا واقعا لا نقاش فيه من خلال الملايين من البرامج والتطبيقات والأشكال والأساليب والابتكارات وكلها تقول: إنه الذكاء الاصطناعي.

من جانب آخر سيكون من علامات ذلك التحوّل أن كل شيء سوف يصبح مصحوبا بالحركة مع الزمن التي تتسم بالسرعة وبالدقة والكفاءة والاندماج مع المهارات الفردية والقدرة على المبادرة.

على صعيد متصل ومقاربة مستقبلية فإن نموذج أليكسا الناطق الذي تسوقه منصة أمازون مثلا أو غوغل هوم هما مثالان لتغلغل الذكاء الاصطناعي من خلال تلك الحوارية الصوتية التي تجسد منظومة الذكاء الاصطناعي، وإذا كنّا أشرنا إلى أفلام الخيال العلمي فإن هنالك العديد من تلك الأفلام التي قدّمت مقاربة لأليكسا التي تتحدث وتأمر وتنظم وترافق الكائن البشري وتيسر له مهامه اليومية.

من جانب آخر وعلى صعيد الميديا فإن مستقبليات الذكاء الاصطناعي سوف تحمل معها كل ما هو افتراضي، بمعنى الانتقال عبر الزمان والمكان والحوار مع الآخر من خلال ذلك الشكل البصري الافتراضي كما تشاهد وتتفاعل مع فيلم بارتداء النظارة الخاصة ثلاثية الأبعاد.

سوف تنقل الميديا جمهورها بذات الطريقة إلى أماكن وشخصيات وأحداث يتم تخليقها تفاعليا وسوف يحضرون بفاعلية في ميدان وجودها وسيزال حاجز الزمان والمكان لأن الذكاء الاصطناعي سوف يتحوّل إلى وسيط للقيام بهذه المهمة.

الحاصل أن التوغل في إشكاليات الذكاء الاصطناعي يحمل لنا الكثير من المعطيات، غزارة غير متناهية سوف ترتقي بالأشكال والأساليب الإعلامية إلى مدارات من الصعب تخيّلها لأنها سوف تنتَج وتظهر تباعا وميدانيا وما على القائمين على تلك الوسائط سوى الاستعداد.

18