الذكاء الاصطناعي ومصير العرب السياسي

مشكلة العرب هي الإنسان.. فماذا هم فاعلون غدا، إذا تمكن الذكاء الاصطناعي من فرض علاقات سياسية جديدة تجعل مستقبل الاستقرار السياسي والأمني مرهونا بالتعاون الإجباري بين العرب عبر تولي الروبوتات السلطة في دولنا.
الأربعاء 2018/03/28
تكنولوجيا المستقبل تحدد معالم البشرية

انتابتني حالة من الذهول حين كنت أصغي بانتباه وحذر شديدين إلى ذلك التدفق المعرفي، الذي أصبح محدّدا لمعالم مستقبل البشرية القريب، ضمن جلسة حول “تكنولوجيا المستقبل”، تحدث فيها الدكتور توني بريسكوت، مدير مركز شيفيلد روبوتيكس، بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة، والذي شارك في المؤتمر السابع والثلاثين لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول “الدراسات المستقبلية” يومي 20 و21 مارس الجاري.

ورقة توني بريسكوت حملت عنوان “الذكاء الاصطناعي: الروبوتات ومصير الجنس البشري”، أكّد فيها أن هناك جدلا متزايدا حول إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي، والروبوتات التي يجري تطويرها بشكل مستمر وبطريقة متسارعة، من دون التدخل البشري، إلى نقطة “التفرد”، بحيث تتجاوز الإنسان، بل إنها ستغدو أذكى منه، الأمر الذي سيؤدي إلى الاستعاضة عن الإنسان بآلات ذكية، وربما إنقاذا للموقف، يمكن للذكاء الجماعي البشري الذي تعززه التكنولوجيات الذكية التي تشمل الذكاء الاصطناعي، أن يتّخذ شكلا بيولوجيا هجينا على نحو متزايد، في سياق مستلزمات التكامل الأكبر والأعمق والأكثر سلاسة للبشرية مع التقنيات الحديثة.

بالطبع هناك تساؤلات واستفهامات عديدة حول “الشكل الهجين”، الذي سيجمع بين الذكاء الاصطناعي وذكاء العقل البشري في المستقبل، والتساؤلات هنا تتعلق بمصيرنا في كل الحالات، بما فيها الحروب، مثـل تلك التي نكتوي بها اليـوم في الكثير من دولنا العـربية، وأيضا العمليات الإرهـابية التي غدت إفرازات مرضية للمجتمعات المعاصرة، كما أنها تعبير عن انزلاق الحضارة المعاصرة، وعبوديتها لتطور وسائل التدمير، وزفرات المرضى النفسانيين، أو أولئك الذين يعتقدون في أهمية الانتقام من ظلم وهمي أو حقيقي، أفرادا وجماعات، وكذلك اعتقاد العلماء والكثير من أصحاب الشركات الكبرى العاملة في مجال الروبوتات، بتفوق -بات وشيكا- للذكاء الاصطناعي عن الذكاء البشري الطبيعي.

ومن بين الأسئلة الهامة التي يمكن طرحها بهذا الخصوص “كيف ستكون العلاقة بين البشر والآلة؟ وهل سيغير الذكاء الاصطناعي في العملية السياسية، كأن يحصل المترشح مثلا على أصوات الروبوتات، أكثر من أصوات البشر، وهنا تكون السلطة للبرمجة؟ والسؤال الأهم هنا: ما دامت الروبوتات بما تحمله من ذكاء اصطناعي ستتفوق على الإنسان، ألا يتطلب هذا إعادة النظر في رؤية الأديان لخلق الإنسان وطبيعته؟

بعض الباحثين، ومنهم بريسكوت، يرون “أنه إذا كان الذكاء الاصطناعي في ذاته، لا يشكل بالضرورة تهديدا للبشرية، فإن الاتجاه الذي يسير فيه تطوره، لا يقودنا نحو مستقبل أفضل ومستدام”، وهذا يعني أن هناك مخاوف حقيقية تواجهها البشرية اليوم، وهي أكثر وضوحا لدى فئة العلماء، لكنها لدى السياسيين أقل، لأنهم مشغولون بإصدار قرارات تركز على الحكم والسلطة وليس على مستقبل البشرية، رغم حديثهم المتـواصل على المستقبل واستشرافـه، ذلك لأن الأمر لديهم يتعلق بالخطاب صناعة وتأثيرا.

"إذا كان الذكاء الاصطناعي في ذاته، لا يشكل بالضرورة تهديدا للبشرية، فإن الاتجاه الذي يسير فيه تطوره، لا يقودنا نحو مستقبل أفضل ومستدام"

ويذهب العلماء إلى القول إن “الحاجة ملحة -الآن وغدا- إلى مبادرات دولية لتطوير التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات الرئيسية في عالم اليوم، مع اقتراح بعض الخطوات العملية في هذا الاتجاه”، لكن على فرض أن هذا تحقق -بما له وما عليه من محاذيرـ فهل سيكون للعرب موقع في خارطة المجتمعات المعرفية، ونحن نتقاتل اليوم على خلفية إرثنا الديني والفكري؟

لا يمكن طرح الأسئلة السابقة على الدول العربية جميعها، لأن منها التي تعمل بجد لتكون جزءا من عالم الغد، وشريكا فاعلا في المنجزات الحضارية، لكن منها أيضا التي تكشف كل يوم عن عداء للعلم وللبشر ولكل ما في الأرض، من خلال عمليات قتل متواصلة، قد تعمقها لتغدو أكثر بشاعة وإبادة في حالة حدث التقارب والتعاون بين الروبوتات والبشر على النحو الذي يتجه إليه العالم بجاذبية ووعي، وبخوف وترقب وحذر أيضا.

هذا يقودنا إلى الحديث عن مصير العرب السياسي في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي، الذي قد يكون استعمارا من الآلة ممثلة في الروبوتات، وسنجد وقتها آلاف المبررات لذلك، وللخروج من هذا المأزق، علينا الأخذ بالتوصيات التي انتهى إليها مؤتمر مركز الإمارات للدراسات، ومنها تعزيز الـدعم المقدم إلى مراكز الفكر والدراسات والمؤسسات البحثية والعلمية وتوجيهها نحو الاهتمام بصورة أكبر بالدراسات المستقبلية، وربطها بمؤسسات صنع القرار الوطني، وتعزيز الاستثمار في قطاعات الاقتصاد المعرفي التي ستشكل أهم أسس الاقتصاد المستقبلي وتحقيق النمو المستدام، مع تركيز الاهتمام على متابعة التطورات المتسارعة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وغيرها من المجالات التي تشكل أسس الثورة الصناعية الرابعة التي يشهد العالم إرهاصاتها حاليا.

وليتمّ ذلك، حسب توصيات المركز، على صُنَّاع القرار في دولنا العربية إعطاء أهمية كبرى لتنمية رأس المال البشري كأساس قوي للتوجه نحو المستقبل، والتعامل مع التحديات والفرص التي يُتيحها، وتنمية الاعتزاز بالهوية والثقافة الوطنية، بالتوازي مع تنمية قيم الإبداع والابتكار والمعرفة والقدرة على التفكير النقدي والتحليل البنّاء، وإيلاء أهمية أكبر لدراسة التطورات المتوقعة في بنية المجتمعات البشرية وخصائصها والقيم السائدة فيها كالتسامح والتعددية والتنوع والاختلاف وقبول الآخر، على أساس أن كل مجالات التطور البشري الأخرى، التكنولوجية والطبية والهندسية والاقتصادية والسياسية، مرتبطة بالأساس بالإنسان.

مشكلة العرب هي الإنسان.. فماذا هم فاعلون غدا، إذا تمكنّ الذكاء الاصطناعي من فرض علاقات سياسية جديدة تحد من سلطة الحكام، وتجعل مستقبل الاستقرار السياسي والأمني مرهونا بالتعاون الإجباري بين العرب عبر تولي الروبوتات السلطة في دولنا؟

9