الذكاء الاصطناعي يتغلب على إدمان الميثامفيتامين

عمليات دي.بي.أس تسمح بزرع جهاز في المخ، من الناحية النظرية، هي قابلة للتفريغ، وبذلك تكون التكنولوجيا قد فتحت مجالا جديدا من التجارب البشرية في العالم
الأحد 2019/05/12
رقائق يمكن تعديلها لتتحكم في سعادتك وغضبك وحزنك وفرحك

إريكا كينيز

شنغهاي (الصين) - يجلس المريض يان، حليق الرأس، في غرفة قاتمة في مستشفى شنغهاي، منتظرا الجراح الذي، في غضون 72 ساعة، سيحفر فتحتين صغيرتين في جمجمته ويغذي أقطابا كهربائية في عمق دماغه، هذه الأقطاب هي شرائح إلكترونية ستساعده على التخلص من إدمان المخدرات.

كلفت سنوات من تعاطي المخدرات زوجته وأمواله واحترامه لذاته. والأمل هو أن هذه التكنولوجيا ستطفئ من ثورة إدمانه، بمجرّد الضغط على زر التشغيل. في الساعة التاسعة صباحا من يوم جمعة من شهر أكتوبر، قام الدكتور لي بعمل ثقبين في جمجمة يان وزرع قطبين إلى أسفل منطقة “النواة المتكئة”، وهي بنية صغيرة بالقرب من قاعدة الدماغ الأمامي.

كان يان مستيقظا أثناء الجراحة، والحفر في جمجمته جعله يرتعش. وفي حوالي الساعة الرابعة عصرا في نفس اليوم، خضع للتخدير الكامل لإجراء عملية جراحية ثانية لزرع بطارية في صدره لتشغيل الأقطاب الكهربائية في جمجمته.

مرت ثلاث ساعات على الانتهاء من العملية لكن يان لم يستيقظ من التخدير. بدأ والده يبكي. وسأل أطباءه عما إذا كان تعاطي المخدرات قد غير بطريقة ما حساسيته للتخدير، لكن أخيرا، وبعد مرور 10 ساعات، فتح يان عينيه.

تحفيز الدماغ العميق

منذ فترة طويلة يُستخدم العلاج (تحفيز الدماغ العميق) لعلاج اضطرابات الحركة مثل مرض باركنسون. والآن، يتم إجراء أول تجربة سريرية لتحفيز الدماغ العميق، أو دي بي إس، في علاج إدمان الميثامفيتامين في مستشفى رويجين في شنغهاي، إلى جانب تجارب موازية لإدمان المواد الأفيونية. ويان هو أول مريض يتلقى هذا النوع من العلاج.

ويتم خلال الجراحة زرع جهاز يعمل كنوع من الأجهزة الموجهة للدماغ، مما يحفز المناطق المستهدفة بالكهرباء. وفي حين تعثّرت المحاولات الغربية للمضي قدما في تجربة علاج الإدمان بتحفيز الدماغ العميق، فإن الصين تبرز كرائدة لهذا البحث.

بعض المنتقدين يجادلون بأن مثل هذه التجارب لن تعالج العوامل البيولوجية والاجتماعية والنفسية المعقدة للإدمان

كافح العلماء في أوروبا لتجنيد المرضى من أجل إتمام دراساتهم عن علاج الإدمان بطريقة دي بي إس، ولكن وقفت الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية والعلمية المعقدة حائلا دون التقدم في هذا النوع من العمل في الولايات المتحدة، حيث يمكن أن تكلف الأجهزة حوالي 100 ألف دولار كي يتم زرعها في الدماغ.

أما الصين، فلديها تاريخ طويل من جراحة الدماغ كعلاج لإدمان المخدرات. وحتى اليوم، يمكن لقوانين العقوبة الصينية لمكافحة المخدرات إجبار الناس على الدخول في سنوات من العلاج الإجباري، بما في ذلك “إعادة التأهيل”. وهناك ثماني تجارب سريرية مسجلة لعلاج إدمان المخدرات تجري في العالم، وفقا لقاعدة بيانات المعاهد الوطنية للصحة بالولايات المتحدة؛ ست منها تجري في الصين.

لكن المعاناة التي سببها إدمان الأفيون ربما غيّرت من حساب الفوائد للمخاطر بالنسبة للأطباء والمسؤولين في الولايات المتحدة. والآن، أصبحت الجراحة التجريبية للمريض الأول على وشك الإنجاز في الولايات المتحدة، بعد أن وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية، في فبراير الماضي، على إجراء أول تجربة سريرية لعملية دي بي إس لعلاج إدمان المواد الأفيونية في ولاية فرجينيا الغربية.

التجارب البشرية

أصر يان على نشر لقب عائلته فقط خشية أن يفقد وظيفته إذا تم تحديد هويته. وكانت أول خطوة له في عالم الإدمان حين عرّفه ثلاثة من أصدقائه على الميثامفيتامين في غرفة بالفندق بعد فترة وجيزة من ولادة ابنه في عام 2011. قالوا له: ما عليك سوى أن تفعل ذلك مرة واحدة، لقد أنجبت ولدك، ولن تواجهك أي مشكلات.

جعل التدخين يان يشعر بالتشويش والدوار. وفي وقت لاحق، وجد أن الميثانفين جعله يركز ذهنه على شيء واحد: المقامرة. وفي كل مرة كان يان يدخن فيها، كان يلعب القمار. وفي كل مرة كان يخسر، ومنذ أن بدأ التعاطي خسر ما يقدر بنحو 150 ألف دولار. وبعد ذلك، طلقته زوجته، ونادرا ما كان يرى ابنه.

وخضع يان للفحص في مستشفى للكشف عن السموم، وانتقل إلى بلدة أخرى للابتعاد عن التأثيرات السيئة، ثم اتجه إلى الطب الصيني التقليدي، لكنه انتكس في كل مرة. وقال “إرادتي كانت ضعيفة”.

وفي العام الماضي، أعطاه والده، الذي كان لديه صديق خضع لعملية دي بي إس الجراحية في مستشفى “رويجين”، إنذارا إما بالعودة إلى إعادة التأهيل وإما الخضوع لجراحة الدماغ. ويقول يان “بالطبع، اخترت الجراحة. فمع الجراحة، كانت لدي بالتأكيد فرصة لاستعادة حياتي”.

وقبل أن تظهر عمليات الزرع في الدماغ، كانت هناك جراحات المخ الاستئصالية في الصين. فقد دفعت العائلات اليائسة لمدمني الهيروين الآلاف من الدولارات لإجراء عمليات جراحية لاستئصال أجزاء من الدماغ كانت محفوفة بالمخاطر حيث دمر الأطباء مجموعات صغيرة من أنسجة المخ. وسرعان ما أصبح هذا النوع من الجراحات مركزا للربح في بعض المستشفيات، لكنها تركت أيضا مجموعة من المرضى الذين يعانون من اضطرابات المزاج، وفقدان الذاكرة وتغيير الدافع الجنسي.

الشرائح الإلكترونية تغير حياة يان للأفضل
الشرائح الإلكترونية تغير حياة يان للأفضل

وفي عام 2004، أمرت وزارة الصحة الصينية بوقف هذا النوع من العمليات في معظم المستشفيات. وبعد تسع سنوات، ذكر الأطباء في مستشفى عسكري في شيان أن ما يقرب من نصف المرضى البالغ عددهم 1.167 الذين خضعوا لعملية استئصال قد توقفوا عن إدمان العقاقير لمدة خمس سنوات على الأقل.

ومن منطلق هذا التاريخ، بدأت أبحاث عمليات دي بي إس، ولكن على عكس عمليات الاستئصال التي تتلف خلايا الدماغ بشكل لا رجعة فيه، فإن عمليات دي بي إس تسمح بزرع جهاز في المخ، من الناحية النظرية، هي قابلة للتفريغ. وبذلك تكون هذه التكنولوجيا قد فتحت مجالا جديدا من التجارب البشرية على مستوى العالم.

وقال الدكتور صن بومين، مدير قسم جراحة الأعصاب الوظيفية بمستشفى روجين، “كأطباء نحتاج دائما إلى التفكير في المرضى. هم في النهاية بشر. لا يمكنك القول ’لا يمكننا تقديم أي مساعدة أو أي علاج لكم'”.

وعمل صن مستشارا لشركتين صينيتين تصنعان محفزات في الدماغ. وسعى إلى تحويل مستشفى رويجين إلى مركز لأبحاث دي بي إس، ليس فقط للإدمان، ولكن أيضا لعلاج متلازمة توريت والاكتئاب وفقدان الشهية.

وفي الصين، يمكن أن تكلف عملية زرع أجهزة دي بي إس أقل من 25 ألف دولار، والكثير من المرضى يدفعون نقدا.

وقال الدكتور لي ديانيو ليان “يمكنك أن تطمئن بخصوص سلامة هذه العملية. لا توجد هناك أي مشكلة. عندما يتعلق الأمر بالفعالية، فأنت لست أول واحد ولا آخر واحد. يمكنك أن تأخذ الأمر بسهولة لأننا أجرينا هذه العملية كثيرا”.

لكن، في الواقع، تنطوي هذه العملية على بعض المخاطر. حيث تظهر إمكانية حدوث نزيف بالدماغ والذي من الممكن أن يؤدي إلى وفاة يان. ويمكن أيضا أن يصاب يان بتغييرات في شخصيته أو من الممكن أن يصاب بعدوى ما. وفي النهاية، قد يعود لتعاطي المخدرات مرة أخرى.

عملية الزراعة

يعتقد بعض المنتقدين أنه لا ينبغي السماح بهذه الجراحة. ويجادلون بأن مثل هذه التجارب البشرية سابقة لأوانها، ولن تعالج العوامل البيولوجية والاجتماعية والنفسية المعقدة التي تثير الإدمان. لا يفهم العلماء تماما كيف يعمل دي بي إس ومازال هناك نقاش حول المكان الذي ينبغي أن توضع فيه الأقطاب الكهربائية لعلاج الإدمان.

وهناك أيضا شكوك في الأوساط العلمية العالمية بشأن الجودة العامة والدقة الأخلاقية للتجارب السريرية التي أجريت في الصين.

وقال أدريان كارتر، الذي يرأس مجموعة العلوم المجتمعية وعلوم الأعصاب في جامعة موناش في ملبورن “سيكون أمرا رائعا لو كان هناك شيء مثل الزر الذي يمكننا فقط الضغط عليه، لكن هذا ربما يكون خياليا في هذه المرحلة. هناك الكثير من المخاطر التي تترافق مع الترويج لهذه الفكرة”.

ودفع فشل تجربتين سريريتين لعملية دي بي إس لعلاج الاكتئاب في الولايات المتحدة قبل حوالي خمس سنوات، إلى البحث حول ماهية الفهم العلمي الذي يجب تحقيقه لتصميم تجارب أخلاقية فعالة.

وقال الدكتور نادر بوراتيان، جراح الأعصاب في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس الذي يحقق في استخدام عمليات دي بي إس لعلاج الألم المزمن “لقد أعدنا تشكيل الأمر من جديد. إنه وقت مناسب تماما لبدء البحث في عمليات دي بي إس لعلاج إدمان المخدرات، لكن فقط إذا تمكنا من دراسة أخلاقيات هذا النوع من العمليات بشكل أكثر اطلاعا وتصميما”. أما في الصين، في هذه الأثناء، يسير العلماء قدما.

عدد الضحايا

شرائح إلكترونية مزروعة في الدماغ لعلاج إدمان المخدرات
شرائح إلكترونية مزروعة في الدماغ لعلاج إدمان المخدرات

كما يقول المسؤولون الأميركيون، طبقا لمراكز يو إس سنترز فور ديزيس كنترول آند بريفينشن بالولايات المتحدة، توفي أكثر من 500 ألف أميركي بسبب جرعات زائدة من المخدرات في العقد الذي انتهى في عام 2017  بسبب الأفيون الذي يأتي أساسا من الصين. وهذا أكثر من عدد الجنود الأميركيين الذين لقوا حتفهم في الحرب العالمية الثانية وفيتنام مجتمعين.

وأضاف إحصاء عدد الضحايا إلى الجهود المبذولة لإيجاد علاجات جديدة أكثر فاعلية للإدمان.

بينما يهتم الأطباء في الولايات المتحدة باستخدام عمليات دي بي إس لعلاج الإدمان، ولا يزال العمل الذي تموله المعاهد القومية للصحة بالولايات المتحدة يركز على التجارب على الحيوانات وليس البشر.

وقال محققون قادوا الدراسات لوكالة أسوشييتد برس إن اثنين على الأقل من المختبرات الأميركية أسقطا تجارب سريرية لعملية دي بي إس لعلاج إدمان الكحول بسبب مخاوف بشأن تصميم الدراسة والنتائج الأولية التي لا يبدو أنها تبرر المخاطر.

وقال الدكتور عماد إسكندر، رئيس قسم جراحة الأعصاب في كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، “إن الافتقار إلى الوضوح العلمي، والنظام التنظيمي الهام والصارم، إلى جانب التكلفة المرتفعة وخطر الجراحة، تجعل التجارب السريرية لهذا النوع من العمليات في الولايات المتحدة صعبة في الوقت الحاضر”.

أما الدراسات في الصين فقد قدمت نتائج مختلطة. حيث نشر صن وزملاؤه دراسة حالة واحدة، حيث توفي فيها مدمن هيروين بسبب تناوله جرعة زائدة بعد مرور ثلاثة أشهر من خضوعه لعملية دي بي إس، لكن دراسة تجريبية منفصلة نشرت في يناير من قبل أطباء في مستشفى عسكري في شيان أظهرت أن خمسة من بين ثمانية من مدمني الهيروين توقفوا عن تناول العقاقير لمدة عامين بعد خضوعهم لجراحة دي بي إس.

وبناء على هذه النتائج، تسعى مؤسسة سينراي للحصول على موافقة الجهات التنظيمية الصينية على إجراء عمليات دي بي إس لعلاج إدمان المواد الأفيونية، وتمويل تجربة سريرية متعددة المواقع تستهدف 60 مشاركا. وقال رئيس مجلس إدارة سينراي، نينغ ييهوا إن طلبه للحصول على موافقة لعمل تجربة سريرية في الولايات المتحدة تم حظره من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية.

وقال الدكتور علي رضا، الذي يقود الدراسة في معهد العلوم العصبية بجامعة وست فرجينيا، في فبراير، إن إدارة الغذاء والدواء قد وافقت على إجراء تجربة صغيرة منفصلة لعملية دي بي إس لعلاج اضطرابات إدمان الأفيون. ويأملون في إطلاق التجربة في يونيو، بتمويل من المعهد الوطني لتعاطي المخدرات. وقال الدكتور رضا “الناس يموتون. حياتهم مدمرة. إنها مشكلة في الدماغ، ونحن بحاجة لاستكشاف جميع الخيارات”.

أتيت بعد أن فات الأوان

بعد يومين من إجراء عملية يان، قام الأطباء بتشغيل جهاز دي بي إس الخاص به. وأثناء تنشيط الأقطاب الكهربائية، شعر يان بزيادة في الإثارة. وأبقاه التيار الذي يمر عبر جسده مستيقظا. قال إنه قضى الليل كله يفكر في المخدرات.

وفي اليوم التالي، جلس مع الدكتور لي، الذي استخدم جهاز كمبيوتر لوحي لضبط الجهاز داخل رأس يان عن بعد. سأله الدكتور بينما يمسك الحهاز اللوحي في يده “هل تشعر الآن بالبهجة؟”. وأجاب يان “نعم”. ثم قام الدكتور لي بعد ذلك بتغيير الإعدادات وسأل يان “والآن؟”.

وأجاب يان “أشعر بالإثارة”، بينما بدأ يشعر بالحرارة في صدره، ثم شعر بالضيق وفقدان الإحساس للحظة والإرهاق، ثم بدأ يعرق. قام الدكتور لي بعمل تعديلات أخرى ثم سأل يان “بماذا تشعر الآن؟”. فأجابه “سعيد جدا الآن”.

وارتفعت الحالة المعنوية ليان. هذا الجهاز سحري للغاية. وقال يان إن الدكتور يستطيع تعديله ليجعلك سعيدا أو عصبيا “إنه يتحكم في سعادتك وغضبك وحزنك وفرحك”.

وغادر يان المستشفى في صباح اليوم التالي. وبعد مرور أكثر من ستة أشهر، قال إنه لا يزال بعيدا عن المخدرات. اختفى شحوب جلده وازداد وزنه قليلا. وعندما اتصل به أصدقاؤه مرة أخرى، رفض أن يتناول معهم المخدرات. حاول استرجاع علاقته بزوجته السابقة، لكنها كانت حاملا بطفل من زوجها الجديد. قالت له “أتيت متأخرا جدا”.

وفي بعض الأحيان، في حياته الجديدة، يلامس يان الكابل الصلب في عنقه الذي يربط بين حزمة البطارية والأقطاب الكهربائية في دماغه ويتساءل: ماذا تفعل الآلة داخل رأسي؟

17