الذكاء الاصطناعي يتفوق على المنجمين في تفسير الأحلام

الخوارزميات الذكية قادرة على فك رموز الأحلام بالاستعانة بتقنيات تصوير الدماغ عالية الدقة.
الاثنين 2019/05/13
المعنى الحقيقي للحلم لغز محيّر

يرجح رواد التكنولوجيا أن عملية تفسير الأحلام إلكترونيا قد أصبحت “ممكنة” في ظل عملية التطوير المتواصلة للتطبيقات والخوارزميات الذكية، التي ستكون قادرة على قراءة مستوى أعلى من نشاط الدماغ، وبالتالي فك شفرة الأحلام، خاصة إذا ما عاضدت قدراتها الفنية ما توفره تقنيات تصوير الدماغ كالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي عالي الدقة. وتزيد هذه التوقعات من القدرة التنافسية للذكاء الاصطناعي في مواجهة إمكانيات المنجمين الذين تلجأ إليهم الكثير من النساء للحصول على تفسيرات لماهية أحلامهن ومعانيها.

 جمع البشر سجلات عديدة عن الأحلام وتفسيرات المنجمين المختلفة منذ آلاف السنين، غير أن أغلبها لم يعد يشبع فضول الذين يبحثون عن تأويلات لأحلامهم التي تحتوي على تفاصيل محيرة أو غريبة، فهل يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تساعدهم على إدراك ما تخفيه أحلامهم من أسرار؟

يرى البعض من العلماء أنه لا مغزى من تفسير الأحلام، نظرا لكونها مجموعة من الخبرات التي اجتازها الناس في حياتهم، فتظهر في ما بعد على هيئة أحلام لتعبر عن شعور ما يختلج بداخلهم، ولا يمكن أن تكون عملية سرد لأحداث غيبية كما يدّعي عدد من المفسرين، لكن التفكير المستمر في المستقبل والرغبة في معرفة ما يمكن أن يحدث غدا، جعلت رواد التكنولوجيا يدخلون أيضا على خط تفسير الأحلام والبحث في أسباب حدوثها.

ماهية الأحلام

على مر العصور وطيلة قرون من الزمن ظل الناس مسحورين بالأحلام وما تعنيه، إذ كان قدماء المصريين يعتقدون أنها “رسائل من الله”، لكن الجهد الكبير لتسجيل الأحلام وجعلها في المتناول بدأ أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها. وفي السنوات القليلة الماضية استخدم علم تحليل الأحلام من قبل علماء النفس كأداة لفهم العقل الباطن، أو العقل عندما يكون في حالة اللاوعي. لكن السبيل الأمثل الذي بقي الناس يلجأون إليه لتفسير أحلامهم يجدونه في الأشخاص المقربين منهم أو المنجمين المعروفين بحنكتهم في هذا المجال، فيما يفضل آخرون البحث في كتب تفسير الأحلام عن مواضيع رؤاهم.

ويعتبر أبوبكر محمد بن سيرين البصري، الذي عاش في القرن الثامن ميلادي، أحد أبرز علماء المسلمين البارعين في تأويل تفسير الأحلام ، وقد ألف كتابا سماه “تعبير الرؤيا”، ما زال إلى اليوم يعد مرجعا مهما للكثيرين للبحث في معنى رؤاهم.

وألف سيغموند فرويد، عالم الأعصاب النمساوي، كتابه الشهير “تفسير الأحلام” القائم على فرضية أن الأحلام هي الطريقة التي يحاول بها العقل البشري البقاء مستيقظا بعد النوم، وقد استخدم فرويد من أجل إثبات تلك النظرية التحليل الذاتي لأحلامه الشخصية.

المسح الضوئي على المتطوعين وهم مستيقظون يشاهدون الصور على شاشة الكمبيوتر مكّن الباحثين من رصد الأنماط المحددة من نشاط المخ

وافترض فرويد أن للأحلام لغة تحتاج إلى تفسير، وبتفسير تلك اللغة يمكن معرفة الرغبات التي يعبر عنها العقل اللاواعي في تلك الأحلام، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الرأي القائل بأن الأحلام إشارات إلهية، ليس أمرا مثبتا علميا، كما أن التفسير الذي يقول إن الأحلام تحدث بسبب إثارة الحواس ليس مقبولا منطقيا من وجهة نظره، لأن الإنسان لا يحلم بتفاصيل اليوم السابق كما هي.

وافترض فرويد أن الجزء الذي يتذكره الإنسان من الحلم هو الجزء الظاهري، وهو الجزء الذي لا قيمة له، بينما يستخدم العقل الرمزية لإخفاء المعنى الحقيقي للحلم، بسبب القيود التي يفرضها المجتمع على الأفراد.

ومؤخرا درست روزاليند كارترايت، الباحثة الرائدة في علم النوم بمركز راش الطبي في ولاية شيكاغوا، تلك الظاهرة ونظرت إلى أنه خلال الأحلام تدمج خبرات واقعية صعبة بذكريات شبيهة ليتسنى للحالم التعامل مع الذكريات الجديدة المؤلمة في سياق ذكريات مستقرة، وبالتالي التخفيف من ألمها.

بينما شبه الباحث الأميركي في علم الأحلام، ميلتون كريمر، الأحلام السيئة بارتفاع درجة حرارة جسد الإنسان، مؤكدا أنها تمثل أحد الأعراض التي تدل على أن هناك خطأ ما أو أن الأمور لا تسير على ما يرام في حياة صاحبها. فهي حسب وجهة نظره إشارة استغاثة ورسالة رمزية من العقل النائم (اللاوعي) إلى العقل المستيقظ (الوعي)، ومن الخطر إهمالها أو تجاهل محتواها ورموزها.

ورغم أن معظم الخبراء لم يتوصلوا بعد إلى جواب واضح ومقنع عن السؤال القائل لماذا يحلم الناس؟ وعن أحد الأسئلة الملحة التي يطمح الكثير من الناس إلى إيجاد إجابة مثلجة للصدر عنها وهو “متى سيتحقق هذا الحلم؟”، غير أن رواد الثورة الرقمية على قناعة بأن التكنولوجيا يمكنها أن تساعدهم على فهم الكيفية التي يحلم بها البشر، وسبب حدوث الأحلام، وربما شرح ما يعنيه ذلك للبشر.

وظهرت في الأعوام الأخيرة تطبيقات على الهواتف الذكية تضم قاعدة بيانات ضخمة تحتوى معظم التفاسير. لكن هل حقا تستطيع تطبيقات كهذه تفسير معنى الأحلام؟

من يدري؟ لعل تطبيقات مثل “دريمبورد” و”شادو”، تمتلك الإجابة عن مثل هذا التساؤل، فهي توفر للمستخدمين القدرة على تسجيل وصف تفصيلي لأحلامهم، في المقابل يحاول مصممو التطبيقات العثور على إشارات أو نماذج عامة يمكن أن تفيد في فهم ماهية الأحلام، وما يجب التعلم منها.

وحول هذا الموضوع يقول هنتر لي سويك، مصمم تطبيق شادو، إن “الكثير من الناس لديهم أحلام مرعبة وهذه هي الأحلام التي يتذكرونها. من ناحية أخرى، بعض الناس يرون أحلاما واضحة جدا حيث يحلقون طائرين، ويقومون بأشياء كثيرة مشوقة”. ويقوم تطبيق “سويك” بجمع كلمات مفتاحية من خلال عملية الوصف التي يقوم بها المستخدمون لأحلامهم، بحيث يمكن التعرف على أنماط الأحلام في عدد من البلدان، وحتى في العالم. لكن “سويك” يرغب في التأكيد على أنه وأفراد فريقه لا يستطيعون القطع بالنتائج.

محاولة إنتاج ماكينة لقراءة الأحلام
محاولة إنتاج ماكينة لقراءة الأحلام

وتكمن المشكلة بالنسبة لهذه التطبيقات المتعلقة بتحليل الأحلام في أن الباحثين يعتمدون بشكل جذري على الأوصاف التي يقدمها الأشخاص الذين شاهدوا تلك الأحلام، ما يعني أن تحليلهم لن يكون دقيقا أو متكاملا على الأرجح.

وليس من المستبعد أيضا أن يقوم البعض بإخفاء بعض الحقائق، ولا يتحدثون بصراحة وتلقائية عن أحلامهم المزعجة أو السعيدة على حد سواء.

وهو ما يؤكد تباعا، أن التطبيقات ما زالت في حاجة إلى عقود لتثبت أنها قادرة على قراءة أحلام الناس وتفسير معناها، إلا أن هناك من العلماء من يحدوهم تفاؤل كبير بأن تتمكن الخوارزميات الذكية من فك رموز الأحلام بشكل أكثر دقة، خاصة إذا تمت الاستعانة بتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي عالي الدقة وغيره من تقنيات تصوير الدماغ، فقد تزيد هذه التقنيات من احتمالية تحسين النتائج، ومع التحسين المستمر في الخوارزميات، ستصبح من الممكن قراءة الأحلام وما يدور في عقول الناس الذين لا يمكن التواصل معهم أساسا، كحال الأشخاص الذين يرقدون في غيبوبة مثلا.

وبنى البعض من العلماء مزاعمهم في  شأن قدرتهم على تسجيل وتفسير الأحلام على دراسات سابقة، ركز فيها الباحثون المشرفون عليها على نشاط الخلايا الدماغية للفرد، أو نشاط أعصابه.

لكن على الرغم مما شهده هذا المجال من تقدم، إلا أنه لم يكشف الكثير عمّا يريد الناس معرفته حول الآلية الداخلية التي يعمل وفقها العقل أثناء عملية النوم أو اليقظة.

التكنولوجيا لمعرفة الدماغ

هناك الكثير من الدراسات التي تقود إلى الظن بأنه جرى الكشف عن مساحات كبيرة من الغموض الذي يحيط بالدماغ، وذلك أكثر مما عليه في الواقع.

وتعد تكنولوجيا “تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي”، مذهلة بالفعل، وهي واحدة من أشهر طرق المسح التحليلي بالأشعة، إلا أنها ما زالت عاجزة عن تفسير الكيفية التي يحلم بها البشر وسبب حدوث الأحلام.

ويستخدم الباحثون تلك التكنولوجيا إذا ما أرادوا معرفة جزء من الدماغ يقوم بمهمة معينة، ويمكنهم من خلالها وضع شخص تحت جهاز مسح الدماغ، ومشاهدة المنطقة التي تكون نشطة.

وعندما تضيء مناطق بعينها في الدماغ أثناء عملية المسح تلك، فإنها تشير حينذاك إلى أنها هي المسؤولة عن أداء تلك المهمة.

إلا أن صور النتائج وفكرة “إضاءة الدماغ” نفسها يمكن أن تؤدي إلى ما هو أبعد من التفسير.

وأشارت مولي كروكيت، المتخصصة في علم الأعصاب بجامعة أوكسفورد، إلى أن استخدام تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي مفيد جدا، لكن الطريق لا يزال طويلا، لتكون هذه التقنية قادرة على قراءة ما يدور في عقل الإنسان من خلال عملية مسح بالأشعة لدماغه فقط.

ويلقي هذا التفسير الضوء على ما يعرفه العديد من علماء الأعصاب، وهو أن منطقة واحدة بالدماغ يمكن أن ترتبط بالعديد من العمليات الإدراكية، إذ يمكن اعتبار الدماغ، وكأنه جهاز معالجة ضخم يحوي المليارات من الخلايا العصبية، ويعتقد العلماء أن كل مليمتر مكعب فيه يحتوي على حوالي مليون خلية عصبية، وهو ما يعني أنه من الصعب تسجيل الأحلام وتفسيرها إلكترونيا.

وكان باحثون يابانيون قد أشاروا في دراسة سابقة إلى أنهم تمكنوا من الكشف عن الصور التي يراها الناس في مراحل مبكرة من النوم عن طريق المسح الضوئي “أم.آر.آي”، وأن نسبة الدقة في النتائج التي توصلوا إليها تقارب 60 في المئة.

فك شفرة الأحلام

تكنولوجيا "تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي" ما زالت عاجزة عن تفسير الكيفية التي يحلم بها البشر
تكنولوجيا "تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي" ما زالت عاجزة عن تفسير الكيفية التي يحلم بها البشر 

استخدم الفريق البحثي الماسحات الضوئية لرصد ثلاثة أشخاص أثناء نومهم، وبمجرد أن بدأ المتطوعون في النوم داخل الماسح الضوئي بدأ الفريق في تسجيل ما يراه.

وتم تسجيل كل صورة تم رصدها بداية من التماثيل البرونزية حتى المفاتيح ومعول الثلج بغض النظر عن مدى كونها سوريالية.

واستخدم العلماء هذه النتائج لبناء قاعدة معلومات، حيث تم تصنيف هذه الصور مع بعضها في مجموعات متشابهة، مثلا الفنادق والعمارات والمباني تم تصنيفها تحت مسمى “هياكل”.

وحاول فريق البحث حينها معرفة ما إذا كان من الممكن استخدام نشاط المخ في فك شفرة جوانب أخرى من الأحلام مثل المشاعر أثناء النوم.

وأجرى بعد ذلك مسحا ضوئيا على المتطوعين مرة أخرى، ولكن المرة الثانية كانت وهم مستيقظون يشاهدون هذه الصور على شاشة الكمبيوتر.

واستطاع الباحثون من خلال هذه التجربة رصد الأنماط المحددة من نشاط المخ المرتبط بالصور المرئية.

ومن خلال متابعة ماسحات الضوء التي تسجل نشاط المخ خلال الجولة الثانية لاختبارات النوم، استطاع العلماء معرفة ما يراه المتطوعون خلال نومهم بالضبط.

وكانت النتيجة هي أنهم تمكنوا من تقييم فئات واسعة من الصور بنسبة دقة تقارب 60 في المئة.

وعلق الدكتور مارك ستوكس، أستاذ علم الإدراك العصبي بجامعة أوكسفورد، بقوله إنه بحث مثير يقربنا من إمكانية إنتاج “ماكينة قراءة الأحلام”، ولكنه أضاف أن نظام قراءة الأحلام لا يصلح لكل الأشخاص.

وتبقى المشكلة الأكبر في أن كل دماغ يختلف عن الآخر، ولا يمكن تطبيق طرق حققت نجاحا مع عقل شخص ما على عقل شخص آخر دون أن تكون هناك مشكلات تواجه هذه الأبحاث، ولذلك يمكن القول إن قراءة أحلام الناس ومشاعرهم لا تزال محض خيال.

12