الذكاء الاصطناعي يحدث انقلابا جذريا في قطاع السياحة

طرح عدد من العاملين في السياحة على هامش المعرض السياحي الدولي “الفيتور” بالعاصمة الإسبانية مدريد، أهمية الاستفادة من التقنيات الذكية في معرفة حاجات الزبائن وبياناتهم لكسب ثقتهم بطريقة عميقة وفاعلة، وأبرزوا مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي في تطوير كل ما يتعلق بالسياحة والسفر وكشفوا عن التغير المستمر للعادات الاستهلاكية للبشر.
الاثنين 2018/01/22
التعرف عن كثب على العالم

مدريد – كشفت فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين للمعرض السياحي الدولي “الفيتور” بالعاصمة الإسبانية مدريد، عن رؤية جديدة تدمج الذكاء الاصطناعي في عالم السياحة.

وانتظمت دورة هذه السنة بمشاركة أكثر من 10 آلاف شركة من 165 دولة، لتكون بذلك أهم ثالث تجمع سياحي عالمي بعد بورصة برلين وبورصة لندن وأكبر معرض سياحي للدول الناطقة بالإسبانية كما يمثل بداية الأجندة الدولية للمعارض السياحية لعام 2018.

وقدمت مجموعة من العاملين في قطاع السياحة من مختلف الدول أبرز ما تم إحداثه من تجديدات تقنية بالقطاع، حيث أخذت التقنيات الحديثة بدءا من غرف الفنادق التي تتكيف تلقائيا مع أذواق النزلاء إلى نظارات الواقع الافتراضي المستخدمة ككتيبات للإرشاد السياحي، تدخل بقوة إلى قطاع السياحة الذي يأمل العاملون فيه الإفادة من الفرص الكبيرة التي يوفرها الاطلاع على البيانات الشخصية.

فنادق المستقبل

ستتم في فنادق المستقبل الاستعاضة عن عمال الاستقبال بمرايا مزودة بتقنية التعرف على الوجوه. وفور التعرف إلى الزبون، تتكيف الغرفة فورا مع المتطلبات التي كان قد حددها في وقت الحجز، لناحية درجة حرارة الغرفة ومستوى الإنارة واللوحات التي يرغب في رؤيتها لفنانيه المفضلين في إطارات الصور الرقمية المعلقة على الجدران.

فور تعرف الغرفة الفندقية على النزيل تتكيف مع المتطلبات التي كان قد حددها في وقت الحجز

وحتى الأقفال باتت ذكية إذ أنها تفتح وتغلق عن طريق تطبيق واتساب من الهاتف الخاص بالزبون، وفق كارلوس مينديس المسؤول عن الابتكار في شركة التران الفرنسية للاستشارات التقنية التي تقدم نموذجها التجريبي هذا الأسبوع في إطار المعرض الدولي للسياحة فيتور في العاصمة الإسبانية مدريد.

ومع أن بعض الفنادق تعرض نسخا بدائية أكثر، فإن هذه الغرفة الموجهة للفنادق الفاخرة تدمج أحدث التقنيات في مجال التعرف الصوتي بما يسمح على سبيل المثال للنزيل بطلب البيتزا بأربعين لغة مختلفة.

ويسجل الفراش المزود بأجهزة استشعار حركات الشخص النائم في الغرفة بما يتيح على سبيل المثال للعاملين في الفندق عرض القهوة عليه لدى استيقاظه صباحا.

وخلف الطابع الترفيهي لهذه الابتكارات، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي لأصحاب الفنادق التعرف على الزبائن بطريقة عميقة جدا.

وأوضح الفارو كاريو دي البورنوس باروخوس وهو مدير المعهد التكنولوجي الفندقي أن “التكنولوجيا ستسمح لنا بمعرفة حاجات الزبون قبل أن يدركها هو نفسه”.

ويستند هذا التعرف خصوصا إلى البيانات الشخصية التي يزود بها الزبون الفندق عند الحجز عبر الإنترنت وأيضا بعد وصوله إلى المؤسسة المضيفة، بفضل تكنولوجيا الإرشاد اللاسلكي “بيكون” التي تتفاوت مستويات السماح بها تبعا للبلدان وتقوم على رصد مكان وجود الهواتف الذكية في المؤسسة أو المدينة.

وترصد المنظومات الحسابية التي تتلقى هذه البيانات، عادات الزبون بهدف كسب ثقته من خلال تقديم استقبال يتلاءم مع متطلباته الخاصة أو لبيعه منتجات إضافية.

وقال دي البورنوس باروخوس “إذا ما كانت المنظومة الحسابية تعلم بموعد وصولك إلى الفندق مع زوجتك وبطلبك للعشاء داخل الغرفة وليس في المطعم، فهي ستعرض عليك قائمة خاصة في الفندق، لكن إذا ما كنت ستأتي برفقة عائلتك فهي ستعرض عليك تخفيضات على قائمة الطعام المخصص للأطفال”. إلى ذلك، يمكن لهذه الأدوات التقنية أن تساعد في تحسين إنتاجية الفندق.

صور تذكارية

ويمكن لكل المشتريات أن تتكيف مع خصوصيات الزبائن، إذ يمكن على سبيل المثال للبرمجية أن تتوقع ازديادا في طلب مأكولات معينة كاللحوم المقددة في حال ستتوافد أعداد كبيرة من النزلاء البريطانيين إلى الفندق، بحسب رودريغو مارتينيس مدير شركة اوتيل سرفيسرز الاستشارية في المجال الفندقي.

ويسعى مصنعو الإكسسوارات المعتمدة على التقنيات الحديثة مثل نظارات الواقع الافتراضي، أيضا إلى دخول القطاع السياحي. فعلى منصات العرض في معرض فيتور، يمكن للزائر الغوص في شوارع مراكش أو التنقل على جزء من درب سانتياغو دي كومبوستيلا.

وفسر مارسيال كوريال رئيس الشركة الإسبانية لوكالات السفر الافتراضي المروجة لهذه الأداة “حتى اللحظة نحن في مرحلة رائدة تماما. نحن نظهر الواقع الافتراضي والأخصائيون في القطاع يقولون ‘يا للروعة’ لكنهم لا يشترون شيئا منا. هذا الأمر ليس ضمن الأولويات في الميزانية التسويقية”.

غير أن سلسلة فنادق بالاديوم ومقرها في جزر البليار خاضت هذه المغامرة، إذ استغنى العاملون في القطاع عن الكتيبات في التعريف بمؤسساتهم لوكالات السفر واستعاضوا عنها بنظارات للواقع الافتراضي. كذلك ثمة تسجيلات فيديو لكل واحد من الفنادق التابعة للمجموعة بما يسمح بزيارة الغرف وأحواض السباحة والمطاعم.

وأشار إيفان كورسو المسؤول التسويقي لأوروبا في السلسلة إلى أن “وكلاء السفر يعرفون بشكل أفضل الفنادق ويقولون لنا إن هذا الأمر يساعدهم في مبيعاتهم”، مؤكدا أن الزبائن يفضلون أماكن معاينة الغرف بأحجامها الحقيقية بفضل هذه التقنيات.

وقال سيزار أوربينا من وكالة ايرالتا للواقع الافتراضي “الغش مع نظارات للواقع الافتراضي أصعب بكثير”. ويشير إلى أن النظارات تباع بأسعار معقولة (بين 50 و600 يورو) فيما يمكن لتسجيلات الفيديو المعدة لتلائم المؤسسات بشكل فرادي أن تكلف ما بين ألفين و150 ألف يورو.

أما المكتب الوطني المغربي للسياحة فيبدو مقتنعا بفوائد الواقع الافتراضي إذ أنه سجل مقاطع فيديو عدة بهذه التقنية.

وأفادت سهام فتوحي المسؤولة عن التسويق الإلكتروني في المكتب “السياحة مرتبطة بالتجربة وبالإحساس. الواقع الافتراضي لا يمكن أن يحل محل تذوق الطعام المحلي أو رائحة المحيط، لكنه يعطي رغبة في استكشاف المزيد”.

تجربة مثالية

بدأت هذه النزعة التي تعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة زبائن الفنادق منذ العام الماضي، حيث يسعى العاملون بقطاع السياحة إلى تقديم تجارب مثالية للسياح لاستقطابهم، إذ أن الفنادق الذكية تقدم بالإضافة إلى ما تعودت الفنادق التقليدية على تقديمه من أسرّة مريحة وحمام دافئ وغرف نظيفة وطعام لذيذ، فراحة العقل في صفاء الذهن.

وبدأت مؤخرا بالبحث عن طرق جديدة تعزّز من خلالها تجارب النزلاء فيها، حتى يشعرون بالطمأنينة على أكمل وجه. وكان لجوء بعض الفنادق حول العالم إلى الذكاء الاصطناعي ناتجا عن بحثهم المستمر عن توفير المزيد من الراحة لنزلائهم.

التجول الافتراضي بالوجهات السياحية

ومن بين الفنادق التي قامت بالاستعانة بالنت من أجل توفير الوقت لنزلائها فندق شاني وين الواقع في مدينة فيينا النمساوية الذي ركّز على الخدمات التي توفر الوقت، وتساعد الضيوف على استثمار وقتهم قدر الإمكان، من خلال توفير العديد من الخدمات مثل اختيار وحجز الغرف عبر الإنترنت، ومحطات شحن السيارات الكهربائية، وحتى تأجير الدراجات الكهربائية.

ويتوقع الباحثون أن يخضع السفر إلى العديد من التغييرات بفضل اندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الرؤية الحاسوبية خلال العشر سنوات المقبلة.

قطاع الطيران

يحاول المتخصصون في قطاع الطيران تحسين الخدمات، من ذلك محاولة تجنيب المسافرين قضاء وقت طويل في الكثير من الأحيان داخل أروقة المطار بسبب تأخر رحلاتهم الجوية.

ويعملون على استخدام البيانات الضخمة والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التعامل مع مشكلة التأخير، بحيث سيكون بإمكان التحليلات الفورية إعداد المطار بشكل جيد يسمح لشركات الطيران بتنبيه وتوجيه الركاب تلقائيا قبل وصولهم إلى المطار واضطرارهم للانتظار لساعات طويلة، إضافة أيضا إلى إمكانية حماية شركات الطيران من الإخفاقات المفاجئة التي قد تحدث للطائرات.

كما أن مؤسسات النقل العام لن تؤدي أداء فعّالا في ما يتعلق بعمليات التفتيش الأمنية أفضل من الاعتماد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فالآلة بمجرد أن تنظر في جواز سفر الراكب والتقاط صورة شخصية له، ستتمكن من الولوج إلى أرشيفه الاجتماعي وأنشطته على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، للتأكد من هويته وإزالة أي شكوك حوله.

وسيتم من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي ورؤية الكمبيوتر مسح الحقائب والتقاط صورة داخلية وتحليل وتحديد العناصر الموجودة في الحقائب وسيكون ذلك أسرع بكثير من الإنسان، دون فتح الحقيبة واستغراق وقت طويل في البحث والتأكد وتعطيل الطابور.

وستتمكن الكاميرا، بفضل تكنولوجيا كاميرات التصوير الحراري ودمجها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، من تحليل طريقة مشي أو ركض الركاب داخل المطار، وباقترانها مع تقنيات التعرف على الوجه بجانب تحليل البيانات، فسيكون من السهولة تحديد الركاب الذين يحملون مواد محظورة قبل وصولهم حتى إلى مقهى بالمطار.

وأعلنت شركة الخطوط الجوية الأميركية دلتا ايرلاينز، منذ فترة، عن نيتها توفير إمكانية استعمال بصمات الأصابع بدلا من بطاقة الصعود التقليدية إلى الطائرة لبعض الزبائن في مطار رونالد ريغان واشنطن الوطني في مدينة أرلينغتون بولاية فيرجينيا، وذلك مع وصول تقنية التعرف على بصمات الأصابع والوجوه إلى المطارات.

خدمات فورية

وأضافت الشركة أن وسيلة الراحة نفسها متاحة حاليا كجزء من عملية الصعود إلى الطائرة، حتى يتمكن الزبائن من التخلي عن ورقة أو بطاقة التنقل الداخلية لصالح استخدام بصمات الأصابع كدليل على الهوية للوصول إلى الطائرة.

ولا تعد شركة دلتا ايرلاينز أول شركة تلجأ إلى استعمال تقنية التعرف على الوجه، إذ كشفت شركة الخطوط الجوية الأميركية جيت بلو عن خططها لاستعمال تقنية المسح الضوئي للوجه بدلا من بطاقات الصعود التقليدية، حيث وصلت تقنية التعرف على الوجه إلى المطارات، وتعمل الشركة حاليا مع إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، في ما يخص الرحلات الجوية بين مطار لوغان الدولي في مدينة بوسطن ومطار كوين بياتريكس الدولي في جزيرة أوروبا في منطقة البحر الكاريبي الهولندية.

وتحاول التكنولوجيا الجديدة مساعدة الركاب في الوصول إلى مقاعدهم بطريقة أسرع مع تقليل الجهد اللازم في حال كانت التقنية تعمل بشكل صحيح وموافقة الركاب على الآثار المترتبة على الخصوصية.

وكانت وزارة الهجرة وحماية الحدود الأسترالية قد أعلنت سابقا عن نيتها استعمال تكنولوجيا التعرف على الوجه، جنبا إلى جنب مع الماسحات الضوئية لبصمات الأصابع لتحديد الركاب في المطارات الأسترالية بحلول عام 2020.

وقامت شركة الطيران الفنلندية فينير بإجراء اختبار شمل ألف شخص لاستعمال طريقة مختلفة قليلا من تقنية التعرف على الوجه، ثم قام عمال المطار بفحص وثائق المسافرين من أجل تحديد دقة النظام، كما يعد مطار شارل ديغول في العاصمة الفرنسية باريس وشركة الطيران الهولندية كي آل أم من بين الذين يختبرون التكنولوجيا الجديدة.

وأكدت نتائج تقرير “الاتجاهات المستقبلية في تقنية المعلومات لقطاع النقل الجوي 2017” الصادر عن شركة سيتا، أن المطارات وشركات الطيران تركز على دور الذكاء الاصطناعي عند تطبيقها التقنيات الحديثة، وذلك لزيادة كفاءة الأداء وتحسين خدمة الزبائن.

12