الذكاء الاصطناعي يدخلنا في مغامرة عالم بلا كذب

اتساع انتشار الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون التحول الأكثر تأثيرا في حياة البشر، ليس من حيث الفوائد الكبيرة فقط بل المخاطر الكارثية أيضا.
الأحد 2019/08/18
حارس حدود افتراض يطرح أسئلة على المسافرين لاكتشاف الكذب ومعرفة ذوي النوايا الخطرة وغير القانونية

قد لا يبدو استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الكذب، الفتح العلمي الأكثر إثارة، لكنّ ارتفاع دقته واتساع انتشاره يمكن أن يكون التحول الأكثر تأثيرا في حياتنا، ليس من حيث الفوائد الكبيرة فقط بل المخاطر الكارثية أيضا.

يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الأمن والتحقيقات الجنائية مع المتهمين والانتباه إلى أصحاب النوايا الخطرة في نقاط التفتيش والمنافذ الحدودية والمطارات، وربما يقودنا أيضا إلى كشف خداع السياسيين ووعودهم الكاذبة ومجالات مفيدة أخرى.

لكن ماذا لو اتسع نطاق استخدامه ليصل إلى نطاق شخصي من خلال تطبيقات على الهواتف الذكية؟ قد يبدو ذلك طريفا في البداية لكنه يمكن أن يحدث زلازل اجتماعية لا يمكن علاجها.

مخاطر إسقاط الأقنعة

من البديهيات أن جميع البشر يلبسون الكثير من الأقنعة لأسباب إنسانية بريئة وأخرى معقّدة لكنها ضرورية، فمعظم علاقات الأزواج والعشاق وعلاقات الأبناء والآباء تنطوي على الكثير من الكذب الأبيض، الذي يمكن للكشف عنه أن يسمم تلك العلاقات.

قد نضطر إلى عدم الحديث إطلاقا في الكثير من المواضيع، التي لدينا في شعور ملتبس لكيلا يكتشف الشخص الآخر أننا لم نكن صادقين. وحتى في هذه الحالة فقد تطاردنا التكنولوجيا ذات يوم لتكتشف مشاعرنا دون أن نتكلم!

ماذا عن المجاملات الضرورية مثل إطراء سيدة عن جمالها أو ملابسها أم مذاق الطعام الذي طبخته لك؟ هل ستكتشف من خلال تطبيق في هاتفها أنك تكذب حين تخبرها بأنها تبدو جميلة أو أن مذاق الطعام رائع.

هناك أيضا غابة الكذب البريء أو المبيّت بين العاملين ورؤسائهم، التي يمكن أن يؤدي الكشف عنها إلى تسميم أجواء العمل وربما فقدان الكثيرين لوظائفهم.

برايان وود:  سأكون قلقا للغاية إذا أصبحت أجهزة الكشف عن الموثوقية والكذب هي الحكم النهائي الذي يتولى اتخاذ القرار
برايان وود:  سأكون قلقا للغاية إذا أصبحت أجهزة الكشف عن الموثوقية والكذب هي الحكم النهائي الذي يتولى اتخاذ القرار

القمة الطافية من جبل الجليد هي اليوم هي محاولات تجري في مختبرات الكثير من الشركات لتطوير أجهزة للكشف عن الكذب بدقة عالية لأغراض محددة، هي غالبا لتعزيز الأمن والتحقيقات الجنائية والكشف عن الأشخاص الخطرين مثل الإرهابيين.

قد لا يشكّل انطلاق تسويق جهاز جديد للكشف عن الكذب لتعزيز أمن المطارات، سوى إشارة صغيرة إلى ما ينتظرنا من ثورة عاصفة إذا انتشرت تلك الأجهزة وتحولت إلى تطبيقات في متناول الجميع.

الجهاز طوره فريق الباحثين في شركة ناشئة هي “ديسيرن ساينس انترناشونال” والتي لم تقفز بعيدا في طموحاتها واكتفت بوعود كشف الكذب في المطارات، بمجرد توجيه أسئلة روتينية إلى المسافرين للتأكيد من غرضهم من الزيارة من أجل تعزيز الأمن.

ويقول جاي نوناميكر، الذي قاد تطوير جهاز أفاتار إن التجارب أثبتت أنه نجح في تعزيز عمل الجهات الأمنية في المطارات والمعابر الحدودية وأحدث نقلة نوعية في عملها.

فوائد أمنية

تؤكد الشركة أن الجهاز يمثّل حرس حدود افتراضي ويمكن أن يمثّل ثورة في تعزيز أمن المطارات، من خلال الكشف عن الأشخاص ذوي النوايا الخطرة أو غير القانونية بشكل أكثر دقة بكثير مما يستطيع الحراس البشر القيام به.

وأطلق فريق الباحثين على الجهاز اسم “أفاتار” ربما في إشارة إلى الفيلم الذي يحمل ذات الاسم، والذي فيه كائنات لا تعرف الكذب.

وجرى اختبار الجهاز في المعابر الحدودية والمطارات في الولايات المتحدة لجعل عملية التفتيش والتدقيق من قبل حرس الحدود ونقاط تفتيش الجوازات أكثر فاعلية، والكشف عن الأشخاص من ذوي النوايا الخطرة، والذين يحاولون دخول البلاد بطريقة غير قانونية أو يحاولون تهريب مواد ممنوعة مثل المخدرات.

ورغم الحديث عن نجاح الجهاز في الكشف عن الأشخاص الذين قدّموا إجابات كاذبة، إلا أنه لا يزال يثير تساؤلات حول ما إذا كان يمكن قياس ميل الشخص إلى الكذب بدقة باستخدام خوارزمية.

ويضم الجهاز شاشة تظهر عليها شخصية افتراضية توجه إلى المسافرين عددا من الأسئلة التي تم إعدادها مسبقا، ليقرر الجهاز ما إذا كانوا يكذبون أم لا من تحليل الأجوبة وتعابير الوجه ونبرة الصوت.

وتقول شركة ديسيرن دقة جهاز أفاتار في كشف الكذب تتراوح حاليا بين 80 إلى 85 بالمئة، وأن ذلك يتجاوز بكثير متوسط ​​دقة البشر في أداء هذا المهمة والذي يبلغ 54 بالمئة.

وتشير إلى أن أفاتار اختزل الكثير من الجهود وعزز دقة أعمال التفتيش في المطارات ونقاط الحدود التي تمت تجربته فيها. وتؤكد أن هناك آفاقا كبيرة لتطوير درجة الدقة استنادا إلى التجارب العملية.

ويبحث الجهاز باستخدام الذكاء الاصطناعي عن “إشارات الخداع” والحركات غير التلقائية، التي يمكن أن تنجم عن ضغط التفكير في محاولة الالتفاف على الأسئلة في محاولة الخداع.

ويتخذ جهاز أفاتار بعد ذلك قرارا بشأن مدى صدق الأشخاص الذين يجري معهم تلك المقابلات السريعة، ويصنّفهم في ثلاث فئات هي الأحمر والأصفر والأخضر.

واستنادا إلى تلك النتائج في سيناريو مراقبة الحدود، فإن الأشخاص الذين يصنفهم أفاتار في فئة الأخضر يتم السماح لهم بالمرور دون مزيد من عمليات التفتيش، ويتم التحري بدرجة معتدلة مع الأشخاص المصنفين في فئة اللون الأصفر، والذين يعتقد أفاتار أنهم ربما لم يكونوا صادقين.

أما المصنفين في فئة اللون الأحمر، وهم الذين يرى أفاتار أنهم كذبوا في إجاباتهم، فيتم إخضاعهم لتحقيق مفصل بحضور حراس، لأنهم قد يمثّلون خطورة كبيرة.

وتقول الشركة إن جهاز أفاتار، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لكشف الكذب في الوقت الفعلي، جرى تطويره حاليا من خلال أبحاث أكاديمية ممولة من الحكومة الفيدرالية وأنه يمكن أن يطرح للتسويق التجاري في غضون ستة أشهر.

سوق استخدامات واسعة

إسقاط جميع الأقنعة يمكن أن يكون له ثمن باهظ يدمر جميع الأواصر الاجتماعية والعائلية إذا تحولت التقنية إلى تطبيقات في متناول الجميع
إسقاط جميع الأقنعة يمكن أن يكون له ثمن باهظ يدمر جميع الأواصر الاجتماعية والعائلية إذا تحولت التقنية إلى تطبيقات في متناول الجميع

تأسست شركة ديسيرن ساينس انترناشونال العام الماضي من قبل علماء من جامعة أريزونا، كوسيلة لاستثمار التكنولوجيا التي طوروها في بيئة أكاديمية خلال العقد الماضي.

وتقول الشركة إنها دخلت في أكتوبر الماضي في مشروع مشترك مع شريك في صناعة الطيران، تؤكد أنها شركة راسخة لكنها لا تستطع الكشف عن اسمها حتى الآن، من أجل تسويق جهاز أفاتار للمطارات العالمية.

وأضافت ديسيرن أن شريكها يختبر حاليا النماذج الأولية، وسيبدأ بتسويق الأجهزة في الأشهر المقبلة بعد إجراء تعديلات نهائية على صياغة الأسئلة، التي أدى بعضها إلى ردود غير متوقعة.

يأتي تطوير أفاتار وسط اهتمام متزايد من قطاعي الأمن والطيران بتحليل السلوك، حيث تبحث السلطات الحكومية وإدارات المطارات عن تلك الابتكارات لتعزيز سلامة الركاب وتقليل المخاطر.

لكن لا تزال هناك شكوك بشأن مدى موثوقية الذكاء الاصطناعي في قياس الخداع والكذب حين يكون عن نية مبيتة.

وفي بداية الشهر الحالي فشل جهاز مماثل تجري تجربته من قبل الاتحاد الأوروبي في اختبار قام به صحافي في موقع “ذي انترسبت” حين صنّف الجهاز ربع أجوبته الصادقة على أنها أكاذيب.

من بين التحديات أن هذه الأجهزة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، قد تشكك في صدق الأشخاص الذين يعانون من تشوش أو ألم خلال الإجابة على الأسئلة، وهي ذات المشكلة التي عانت منها أجهزة كشف الكذب التقليدية سابقا، والتي لم يسمح باستخدامها في محاكم الولايات المتحدة.

ويقول ميرسيا زلوتينو، أستاذ علم النفس بجامعة تيسايد لصحيفة فايننشال تايمز إن “الناس يكذبون باستمرار. لا يوجد ما يمكن أن يكتشف الكذب بدقة عالية طوال الوقت. الخوارزميات لا يمكنها قياس أو فهم النية أو الأساس المنطقي لسلوك البشر.

لكن ديفيد ماكستالر، كبير مسؤولي الاستراتيجية في ديسيرن يقول إن دمج العديد من العوامل المختلفة، التي تشمل السلوك المتعمد واللاوعي، جعل جهاز أفاتار عالي الدقة.

ويضيف أن الإنسان يستطيع التحكم ببعض الإشارات التي يصدرها، لكنه لا يستطيع التحكم بها جميعا طوال الوقت، ولذلك فإن الخوارزميات ستحدث فارقا نوعيا.

أسباب للقلق

ميرسيا زلوتينو:  الناس يكذبون باستمرار. الخوارزميات لا يمكنها قياس أو فهم النية أو الأساس المنطقي لسلوك البشر
ميرسيا زلوتينو:  الناس يكذبون باستمرار. الخوارزميات لا يمكنها قياس أو فهم النية أو الأساس المنطقي لسلوك البشر

يبدو أن الجدل لن يحسم في المستقبل القريب، ومن المستبعد أن يتم الاعتماد بشكل كامل على الأجهزة لتحديد ما إذا كان الشخص كاذبا ويشكّل خطرا أم لا.

ويقول برايان وود، الذي يقود أبحاث مشروع “ذي سيلفر لوجك” لتطوير فهم الذكاء الاصطناعي للعواطف، “سأكون قلقا للغاية إذا أصبحت أجهزة الكشف عن الموثوقية والكذب هي الحكم النهائي الذي يتولّى اتخاذ القرار”.

وتؤكد ديسيرن أنها واثقة من أن أفاتار سيتمكن من الوفاء بمتطلبات المعايير الدولية للفحص الأمني ​​في المطارات، رغم أنها تقول إن المؤسسات التي ستقتني الأجهزة ستتحمل مسؤولية الأخطاء التي ترتكبها الأجهزة.

وذكرت أن أفاتار جرى اختباره في السنوات القليلة الماضية من قبل وكالة خدمات الحدود الكندية ومطار بوخارست في رومانيا وفي معبر حدودي في ولاية أريزونا الأميركية.

ورغم تركيز ديسيرن على المطارات والمعابر الحدودية، إلا أنه ميدان سيبقى مثيرا للجدل، في حين أن استخدام هذه التقنيات بدأ ينتشر بشكل كبير في قطاعات أخرى دون اعتراضات تذكر.

ويؤكد مختبر “نيورو داتا” أنه مع تحسن تقنية الكشف عن المشاعر وتحليل السلوك، فقد تصبح أكثر موثوقية كأداة لاكتشاف الكذب. ولكن يجب أن يقتصر على “مجموعة محددة للغاية من التطبيقات”.

ويؤكد أننا لا يمكن أن نتحدث عن عصا سحرية يمكن أن تجعل الذكاء الاصطناعي قادرا على كشف جميع مظاهر الكذب.

لكنها هذا السباق لكشف الكذب، ليس سوى جبهة واحدة للتوغل إلى أعماقنا ومعرفة كل ما يدور فيها. وهناك جبهات عديدة تتعرف على وجوهنا ومشاعرنا وتحصي أنفاسنا ودقات قلوبنا وخارطتنا الجينية.

كل ذلك يعزز قبضة الروبوتات وهيمنتها على حياتنا، وقد لا يكون أمامنا سوى الاقتناع بالجهود التي يقودها الملياردير المغامر إيلون ماسك لإدخال القدرات الخارقة إلى أدمغتنا لنتمكّن من مواكبة السباق وتفادي إمكانية خنقنا وإقصائنا من مسرح الحياة.

17