الذكاء الاصطناعي يسلب الإنسان مهارة الفراسة

الخوارزميات تستخدم في التسويق وتشخيص الأمراض والكشف عن المجرمين والتنبؤ بالكوارث الطبيعية.
الاثنين 2019/04/22
التعرف على ملامح الوجه لتحديد الهوية

يسعى العلماء إلى تطوير خوارزميات ذكية تحاكي عقل الإنسان، بإمكانها استيعاب كميات كبيرة من البيانات، كالأصوات والصور، واستخلاص المعلومات والنظم بشكل تلقائي، ولديها القدرة أيضا على التنبؤ بالأحداث أكثر من البشر.

ارتبطت مهارة الفراسة والتنبؤ بالإنسان لما يمتلكه من قدرات عقلية وحسية قادرة على الجمع بين تجارب الماضي والحاضر من أجل استشراف المستقبل، إلا أن الذكاء الاصطناعي بدأ يكسر الكثير من الحواجز بين الإنسان والآلة، إلى درجة أن التطبيقات القارئة للأفكار نجحت في التنبؤ بأحداث مسلسل “صراع العروش”، وبشكل روتيني، لتنافس بذلك الأشخاص القلائل الذين يمتازون بخصال ومواهب استثنائية لرؤية المستقبل.

وتبدو مهمة التنبؤ في غاية الصعوبة، ويكفي أن ننظر إلى التوقعات البشرية التي سادت منذ قرن من الزمن لندرك مدى صعوبة ذلك، فبعضها كان دقيقا والبعض الآخر كان عرضة للخطأ، ولا تزال هذه المهارة البشرية تعتمد بشكل كبير على الافتراض لا على الأدلة القطعية، ولذلك ليس من السهل فهم القوى الخفية العديدة والمختلفة التي تتحكم في مصائر الناس وتوجهاتهم في الحياة.

غير أن الذكاء الاصطناعي الذي لطالما ألهم مؤلفي القصص الخيالية وروايات الخيال العلمي منذ أمد بعيد، سرعان ما أصبح أكثر شبها بالإنسان، في قدرته على التنبؤ وتقديم معلومات وتفاصيل ذات مستوى كبير من المصداقية.

ويبدو أن نبوءة راي كيرزويل، مدير قسم الهندسة بشركة غوغل الأميركية، الذي قال ذات يوم إن أجهزة الكمبيوتر ستكون أكثر ذكاء من أي إنسان بحلول عام 2029، بدأت تصدق، وعلى المشككين في ذلك أن يتذكروا المنظومة الخوارزمية التي طورها طلاب لعلوم الكمبيوتر من جامعة ميونيخ التقنية سنة 2016 قبل بدء الموسم السادس من المسلسل الأسطوري الشهير “صراع العروش” (غيم أوف ثرونز)، حيث صدقت توقعات التطبيق بعودة شخصية جون سنو إلى الحياة.

ومؤخرا أعد طلاب من نفس الجامعة خوارزمية للتكهن بمصير أبطال الموسم الأخير من المسلسل، وهناك احتمال كبير أن تصدق التوقعات.

ومع اكتظاظ مواقع الإنترنت بحوارات وصور ومشاهد فيديو، ليس من المستبعد أن يفسد كل ذلك عنصر التشويق في الكثير من القصص والأعمال السينمائية والتلفزيونية، وسيكون من الصعب على الجماهير تجنب مشاهدة ومعرفة كل شيء عن أفضل المسلسلات والأفلام والبرامج والعروض التلفزيونية قبل رؤيتها كاملة. واللافت هنا أن قدرة الإنسان على التنبؤ بالأحداث، لطالما ارتبطت بخصلة لا تحظى بكثير من الاعتراف، ألا وهي الفضول وحب الاستطلاع.

إنستغرام أصبح يعتمد على تقنيات التعرف على النصوص والصور التي تدار بالذكاء الاصطناعي بهدف الكشف عن التنمر في الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات

وحدث هذا بشكل خاص مع مسلسل “صراع العروش”، المسلسل الأكثر تعرضا للقرصنة على الإنترنت، وقد تفسد كذلك الخوارزميات الذكية التي يستخدمها الأشخاص الفضوليون متعة المشاهدة وعنصر التشويق في الكثير من الأعمال الجيدة مستقبلا.

ويسمى مثل هذا النوع من الخوارزميات بـ”خوارزمية التصنيف والتنبؤ” وهي شكل من أشكال تحليل البيانات السابقة التي على ضوئها يتم استخلاص نماذج تصف بشكل دقيق فئات وتصنيفات البيانات المهمة.

وتستخدم “خوارزميات التصنيف والتنبؤ” في العديد من المجالات اليوم، إذ يتم استخدامها في نظم كشف عمليات الاحتيال، وعمليات التسويق المستهدف لفئات معينة، وأيضا للتنبؤ بمستوى الأداء أو مدى الإقبال على شراء بعض المنتجات، وميكنة الصناعات التحويلية، وتستخدم حتى في عمليات تشخيص الأمراض والكشف عن المجرمين، والتنبؤ بالكوارث الطبيعية.

وتستعين أجهزة الشرطة بخوارزميات في تحليل الصور ومقاطع الفيديو التي التقطتها كاميرات المراقبة وملفات الأدلة وسجلات الجرائم لمواكبة الأساليب المتطورة التي يستخدمها المجرمون للإفلات من قبضة العدالة.

وتعتمد نحو 200 وكالة لإنفاذ القانون في الولايات المتحدة الأميركية على خوارزمية طورها باحثون في جامعة جنوب كاليفورنيا من أجل البحث عن أدلة في شبكة الإنترنت قد تقود المحققين إلى ضحايا الاتجار بالبشر والاستعباد الجنسي.

وحقق هذا النوع من الخوارزميات نجاحا كبيرا، ما شجع وزارة الدفاع الأميركية على تجربة استخدامه في التحقيقات الأوسع نطاقا، للكشف عن تجار المخدرات والإتجار غير المشروع بالأسلحة والسلع المقلدة.

كما يستخدم جهاز الشرطة في المملكة المتحدة برنامجا مماثلا طورته شركة “سيلبرايت” للطب الشرعي الرقمي، يبحث تلقائيا في الهاتف المحمول للمشتبه به عن أدلة محتملة، وبإمكانه تحليل الصور وأنماط التواصل ومضاهاة الوجوه والبيانات من عدة أجهزة، لمساعدة ضباط الشرطة في تكوين صورة مكتملة العناصر عن طرق تواصل المشتبه بهم مع بعضهم البعض. وأسهم هذا البرنامج في الكشف عن المسؤولين المتورطين في قضية اتجار بالبشر في تايلاند.

التكنولوجيا توفر إمكانيات تحكم أكبر
التكنولوجيا توفر إمكانيات تحكم أكبر

ويرى ويليام وونغ، أستاذ التفاعل بين البشر والكمبيوتر في جامعة ميدلسيكس، أن الخوارزميات يمكنها البحث عن روابط محتملة بين القضايا الجنائية من خلال عمليات التدقيق السريع التي تقوم بها في قواعد بيانات أجهزة الشرطة، وبإمكانها تنبيه عناصر الشرطة إلى أنماط ارتكاب الجرائم والأدلة المتشابهة أو أطراف الجريمة.

وتمكن وونغ من تطوير نظام يسمى “فالكري”، للتحليل البصري في مجال البحث الجنائي، أصبح في أوروبا يستخدم على نطاق واسع في تحليل قاعدة بيانات الأجهزة الأمنية.

وفي مارس الماضي أعلن موقع فيسبوك أنه استعان بالذكاء الاصطناعي للكشف عن نحو تسعة ملايين صورة إباحية للأطفال على شبكته في غضون ثلاثة أشهر، وأغلب هذه الصور لم تتلق شركة فيسبوك أي بلاغات بشأنها من قبل.

كما أصبح إنستغرام يعتمد على تقنيات التعرف على النصوص والصور التي تدار بالذكاء الاصطناعي بهدف الكشف عن التنمر في الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات. وهذه التقنيات يمكنها رصد الانتقادات الموجهة إلى مظهر المستخدم أو شخصيته، وكذلك التهديدات ضد أفراد معيّنين داخل الصور وبين ثنايا التعليقات.وفي السنوات القليلة الماضية بات الأطباء أكثر قدرة على رصد أمراض معينة قبل أشهر، وربما قبل سنوات من ظهور الأعراض، مما يساعدهم على التدخل المبكر، أو يجعل المرضى يعملون على تعديل أنماط حياتهم

لتجنب الإصابة بتلك الأمراض أو التخفيف من آثارها، كما تسنى لهم رصد أنماط لا تراها العين، لكنها تعد مؤشرا قويا على صحة المرء في المستقبل.

وفي هذا الصدد توصلت باحثة تدعى دينا كتابي إلى ابتكار فريد من نوعه مكنها من تشخيص أمراض وراثية وأمراض أخرى خطيرة مثل الشلل الرعاش والاكتئاب والانتفاخ الرئوي وأمراض القلب والعته، على نحو مبكر.

ويعتمد هذا الابتكار على بث إشارات لاسلكية منخفضة الشدة في المنزل ترتد بعد اصطدامها بجسم الشخص اعتمادا على تغير المجال الكهرومغناطيسي للجسم مع الحركة، وبالتالي تستشعر الموجات الكهرومغناطيسية أبسط الإشارات المرتدة، وتتمّ الاستعانة بنظام للتعلم الآلي يتتبع حركة الشخص بين جدران منزله.

ووصفت كتابي ابتكارها بـ”المدهش” لتفوقه على الحواس البشرية في رصد أنماط نوم وحركة ومشي المريض داخل منزله بشكل مستمر، فضلا عن تنفسه، والتمييز بين الأشخاص في محيط الغرفة الواحدة، ناهيك عن ضربات القلب والحالة الشعورية للشخص.

الذكاء الاصطناعي قأثبت أنه أسرع وأكثر كفاءة من البشر في عدة مجالات
الذكاء الاصطناعي أثبت أنه أسرع وأكثر كفاءة من البشر في عدة مجالات

ونجحت شركة “أف.دي.أن.إي” بمدينة بوسطن الأميركية في تطوير تطبيق أطلقت عليه اسم “فيس 2 جين” لرصد أمراض وراثية من خلال ملامح الوجه.

ويستعين التطبيق بأسلوب التعلم العميق للذكاء الاصطناعي لتدريب خوارزميات على رصد ملامح معينة في الوجه ترتبط بأمراض وراثية نادرة، وقد تعلم النظام الحسابي الذي ابتكرته الشركة التعرف على علامات في الوجه لا يلاحظها الطبيب في الكثير من الأحيان.

فيما طور علماء من المركز الطبي التابع لجامعة فاندربيلت وجامعة فلوريدا خوارزميات قادرة على التنبؤ باحتمالات ظهور سلوكيات وأفكار انتحارية بناء على المعلومات التي استمدتها من السجلات الصحية للمرضى الذين تعمدوا إيذاء أنفسهم. ونجحت الخوارزميات في تحديد الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار في الأسبوع اللاحق لحادثة إيذاء النفس، بدقة بلغت 92 بالمئة.

وشددت مارتينا دي سيمبليسيو، كبيرة المحاضرين في الطب النفسي بجامعة إمبريال كوليدج في لندن، على أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل الكثير من المعلومات في حيز زمني وربطها ببعضها البعض سريعا، مما يسهم في الكشف عن العوامل التي تزيد من مخاطر الإقدام على الانتحار. ويمكن أن تستخدم هذه الخوارزميات أيضا في التخفيف من آثار الكوارث الطبيعية كالفيضانات، إذ يعمل مايكل سوفرونت، من جامعة بريغهام يونغ بولاية يوتا، على إدخال بعض التعديلات على نظام للتنبؤ بمخاطر الفيضانات العالمية باستخدام الذكاء الاصطناعي ليأخذ في الحسبان الأنهار والجداول الأصغر حجما.

وطور سوفرونت تطبيقا يعتمد على الإنترنت يظهر مخاطر حدوث الفيضانات لكل جدول مياه على حدة. ويوفر هذا التطبيق معلومات أكثر دقة بمراحل عن مخاطر الفيضانات مقارنة بأنظمة الإنذار السابقة، وقد تستعين بها السلطات المحلية في اتخاذ الإجراءات المناسبة لدرء أخطار الفيضانات عن المدن والبلدات.

وكلما ازدادت كفاءة الخوارزميات والتطبيقات الذكية في التنبؤ بالحقائق، زادت القدرة على اتخاذ القرارات ووضع المقترحات بطرق أكثر دقة. ولكن رغم أن الذكاء الاصطناعي قد أثبت أنه أسرع وأكثر كفاءة من البشر في عدة مجالات، ما زال على المشيدين بقدراته إثبات مدى التزامه بالمعايير القانونية والأخلاقية.

12