الذكاء الاصطناعي يعد المسنين باستعادة ربيع العمر

باحثون يرون أن الوقت قد حان لتغيير طريقة التعامل مع الشيخوخة، واعتبارها مجرد مرض من الممكن الوقاية والشفاء منه أيضا.
الاثنين 2019/06/17
العلم يحوّل المستحيل إلى ممكن

يحشد رواد العلم جهودهم لجعل البشر يعيشون حياة طويلة وخالية من الأمراض، ويحدوهم أمل جامح في جعل الناس يعيشون للمئات من السنين. وحقق العلماء تقدما في أبحاثهم بفضل التطور التكنولوجي والإمكانيات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من أجل إطالة أعمار البشر ومحو آثار الشيخوخة وإبطاء تقدم الأمراض المرتبطة بتقدم السن.

 تزايد متوسط العمر خلال العقود القليلة الماضية، بشكل ملحوظ في مختلف بلدان العالم، فبينما بلغ متوسط عمر المولودين عام 1960، وهو أول عام بدأت فيه الأمم المتحدة في تسجيل البيانات دوليا، 52.5 عاما، فقد بلغ متوسط العمر اليوم 72 عاما.

والسبب أن منجزات الطب الحديث وجهود الصحة العامة، أثمرت في جعل البشر يعيشون أعمارا أطول من أي وقت مضى، غير أن البعض من العلماء يحدوهم أمل جامح في بلوغ آفاق أكبر في إطالة العمر، بالتوازي مع ثورة الطب والصحة العامة التي ساهمت فيها وسائل وتقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير.

وقد يصبح حلم الشباب الأبدي الذي لطالما راود البشر واستحوذ على اهتمامهم على مدار الآلاف من السنين حقيقة، من يدري؟

وعلى مر التاريخ سلك الحالمون بالخلود طرقا عديدة بهدف اكتشاف ينبوع الشباب الدائم، ووصل الأمر بالبعض إلى حد تجميد الجثث، على أمل إمكانية إعادة أصحابها للحياة في المستقبل، وهي عملية مثيرة للجدل، ولا يمكن التأكيد على إمكانية إحياء الموتى بعد وفاتهم بيولوجيا.

وسواء تمكن العلماء من تحقيق هذا الحلم أم لا، فإن عددا كبيرا من الجثث تم تجميدها حاليا بمادة النتروجين السائل على أمل رؤية ما يمكن أن يتوصل إليه العلم في المستقبل البعيد.

لكن هناك تجارب حظيت ببعض التأييد الطبي مثل تجربة نقل الدم من مانحين شباب إلى مسنين، ويعدّ الطبيب الألماني أندرياس ليبافيوس أول من استهوته مكونات دم الشباب، ففي عام 1615 بحث في كيفية توصيل شرايين رجل مسنّ بشرايين شاب.

العلماء تمكنوا من تطوير رقاقة إلكترونية قد تساعدهم على إعادة برمجة خلايا معينة في الجسم لتقوم بوظيفة خلايا أخرى، ومن المتوقع أن تحدث هذه التقنية نقلة نوعية كبيرة في علاج بعض الأمراض المرتبطة بالشيخوخة مثل الباركنسون والزهايمر
 

ويرتبط تقدم العمر بنقص حجم الماء في الجسم، وكذلك حجم الدم المتدفق عبر العروق، كما يصبح النخاع العظمي منتجا أقل كفاءة لخلايا الدم الحمراء التي تعتبر مؤشرا مهما على الشيخوخة، حتى أن تناقصها يسمّى “إشارة” إلى الموت، ويرتبط كذلك عدد خلايا الدم البيضاء بتقدم العمر لأنها هي التي تحارب المرض والعدوى.

وكان ليبافيوس واثقا من النجاح، وأظهرت نتائج تجارب أجريت في عام 2005، أن تلك الفكرة القديمة كانت واعدة، فالفئران المسنة التي نُقل إليها دم فئران فتيّة غدت أكثر نشاطا وحيوية، في حين أن الفئران الفتيّة التي نقل إليها دم الفئران المسنّة أصبحت أسوأ حالا، ولكن لا يجب إغفال المخاطر المصاحبة لنقل الدم، مثل إصابة الرئة وانتقال العدوى.

أما في الوقت الراهن، فقد قدمت بعض الأبحاث العلمية وعودا براقة بالتوصل إلى آليات وعلاجات جديدة يمكنها إطالة أعمار البشر، وأكثر فعالية، بل وتوقعت أن تكون لها القدرة على محو آثار الشيخوخة من الجسم أيضا، ليظل البشر شبابا على الدوام.

وتعتبر الأمراض المرتبطة بتقدم السن مجتمعة مسؤولة عن وفاة مئة ألف شخص كل يوم، بينما تنفق المليارات حول العالم لمحاولة إبطاء تقدمها الحثيث نحو أجساد الناس.

ويعاني الكثير من المسنين من أمراض مثل السرطان، وأمراض القلب والخرف وغيرها، ولهذا فإن أغلب الأبحاث الطبيّة لا تهتم بإطالة عمر الإنسان بقدر ما تهتم بسبل الحفاظ على صحة جيدة لأطول فترة ممكنة، وتأخير ظهور علامات الوهن والأمراض مع تقدم العمر.

لكن البعض من الباحثين يرون أن الوقت قد حان لتغيير طريقة التعامل مع الشيخوخة، واعتبارها مجرد مرض من الممكن الوقاية والشفاء منه أيضا.

ويعد الذكاء الاصطناعي السيناريو المثالي الذي يراهن عليه الكثيرون في إمكانية أن يساعد الناس على العيش لفترة أطول، والمساهمة في تحقيق عملية التجديد الطبيعي للخلايا البشرية.

وتعتمد عملية التجديد الطبيعي على إعادة برمجة خلايا الجسم أو ما يسمّى بالتحول الخلوي، وهي خطة بناء الجسم وتطوره، والتي تميز بعض الحيوانات مثل قناديل البحر.

وتمكن العلماء في السنوات الأخيرة من تطوير رقاقة إلكترونية، قد تساعدهم على إعادة برمجة خلايا معينة في الجسم لتقوم بوظيفة خلايا أخرى.

ليظل البشر شبابا على الدوام
ليظل البشر شبابا على الدوام

ومن المتوقع أن تحدث هذه التقنية نقلة نوعية كبيرة في علاج بعض الأمراض المرتبطة بالشيخوخة مثل الباركنسون والزهايمر، وفق ما أشارت الدراسة التي نشرت في المجلة العلمية “نيتشر نانوتيكنولوجي”.

وأشارت جامعة أوهايو الأميركية إلى أن باحثين نجحوا بمساعدة شريحة إلكترونية في إعادة برمجة خلايا الجسم إلى أنواع أخرى من الخلايا.

وعلق تشاندان سين الباحث المشرف على هذا الأمر بقوله “يصعب تخيّل مثل هذا الأمر، بيد أنه قابل للتحقق وتبلغ نسبة نجاحه حوالي 98 بالمئة”.

وأوضحت الدراسة أن الباحثين أرادوا تحويل خلايا الجسم إلى أنواع أخرى من الخلايا، حتى يتمكنوا من استبدال الأنسجة المتضررة، ويطلق على هذه العملية “إعادة برمجة الخلايا”.

وأجرى الباحثون تجاربهم الأوّلية على الفئران، إذ تم وضع الشريحة الإلكترونية على جلود الفئران المبللة من الخارج بمحلول خاص، وكذلك بالاعتماد على نبض إلكتروني قصير جعل جدران خلايا الجلد قابلة للاختراق. ولاحظ الخبراء بعد وقت قصير حدوث فتحات صغيرة جدا في جدران الخلايا، واكتشفوا على إثرها نجاح ما يسمّى بعملية “إعادة البرمجة” للخلايا.

ولاحظ سين تغييرات بعد سبعة أيام من القيام بالتجربة، فقد نمت أوعية جديدة في أرجل الفئران بعدما كانت في السابق توقف دوران الدم، مشددا على أن استخدامات هذه التكنولوجيا الجديدة يمكن أن تكون متنوعة جدا، ولن يقتصر الأمر فقط على استعمالها على الجلد، حيث يمكن استعمالها أيضا مع أنسجة أخرى داخل الجسم وخارجه، وهو ما يعني كذلك إمكانية التعامل مع الضرر الذي قد يصيب أعضاء الجسم الداخلية.

لكن يبدو أن هذه التكنولوجيا بحاجة إلى المزيد من التجارب، قبل أن يتم تطبيقها على البشر، ومعظم الأبحاث التي أجريت في هذا الشأن مازالت في بداية الطريق، وربما لا يزال من المبكّر تقييم مدى نجاحها في تحقيق حلم استعادة الشباب، ولكن هذه الخطوة تمثل بلا شك محطة مفصلية في مجال يُتوقع أن يحدث ثورة في عالم الطب رغم أن الأمر لن يخلو من قضايا أخلاقية أيضا.

غير أن الدكتور أوبري دي غراي، الباحث بمؤسسة أبحاث “سينس″ العالمية لاستراتيجيات القضاء على الأمراض المصاحبة للشيخوخة، يرى أن عمر الإنسان قد يطول قريبا إلى حد غير مسبوق ليصل إلى ألف عام.

ويعتقد غراي أن التقدم في السن ظاهرة جسدية تظهر آثارها على أجسامنا، وبالتالي سيكون بوسعنا في المستقبل، مع التطور المستمر للعلم، التعامل مع تقدم السن بفعالية، تماما كما نتعامل مع الكثير من الأمراض اليوم.

ويرى أن هذا الحلم ليس مجرد فكرة فقط، بل هو مخطط مفصل تفصيلا دقيقا لإصلاح كل أنواع تلف الجزيئات والخلايا التي تحدث للبشر على مر السنين. وأضاف أن كل أجزاء هذا المشروع، ستبدأ في التطبيق على الفئران، وربما لن يستغرق الوقت سوى بضعة أعوام أخرى قبل أن يتم تطبيقها على البشر.

لكن من المؤكد أن العلم لا يزال في حاجة إلى قفزة هائلة في فهم العلوم البشرية لكي يمنع أعراض الشيخوخة تماما وحتى تأخير ظهورها ما زال أمرا مستحيلا.

12