الذكاء الاصطناعي يفتح الملايين من الجبهات لحروب المستقبل

القلق يتصاعد من القدرات الهجومية الإلكترونية لأنها تنطوي على إمكانية زعزعة استقرار موازين القوة العسكرية بين الدول الكبرى.
الأحد 2019/07/07
أقبية سرية تتحكم بجبهات الصراع الإلكتروني

ينشغل سكان العالم بشكل متزايد بالسباق المتسارع على جبهة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الميادين التجارية والاقتصادية والصناعية، لكنهم لا يولون ما يكفي من الاهتمام لسباق أخطر، لا يزال مجهولا إلى حد بعيد ويجري في غرف سرية بعيدا عن التقارير والدراسات، وهو السباق العسكري في هذا المجال.

بل إن كثيرين يقولون إن السباق على تلك الجبهة يسير ببطء مقارنة بما يحدث في الجبهات التجارية، ربما لأننا لا ندري على وجه الدقة ما الذي تقوم به الجيوش والسلطات الأمنية والاستخبارية في هذا الميدان الخطير.

في العناوين الكبرى المعلنة هناك ثلاث دول فقط هي الولايات المتحدة والصين وروسيا، تقول إن لديها برامج رسمية لتطوير استخدامات عسكرية لتقنيات الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يضيف مزايا كبيرة لقدراتها العسكرية الهجومية والدفاعية.

ويجمع الخبراء على أن التقنيات المتوفرة حاليا للذكاء الاصطناعي يمكنها الاندماج والتكامل مع ترسانات الأسلحة المتطورة لتضيف لها أبعادا هائلة، لم تتضح ولم تتم تجربتها حتى الآن.

حرب إلكترونية باردة

محور الخطر الأكبر يتمثل في سلاح منفصل وهو قدرات الهجوم الإلكتروني بهدف سرقة الأسرار أو تعطيل أنظمة الخصوم، ليس العسكرية فقط، بل الأنظمة الصناعية والاقتصادية وخدمات البنية التحتية، مثلما حدث في العام الماضي عند الهجوم على مؤسسات تتعلق بخدمات طبية واقتصادية.

ويقول بافيل شاريكوف الباحث في أكاديمية العلوم الروسية في دراسة نشرت في موقع ستراتفور إن التفريق بين الهجمات العسكرية وتلك التي تستهدف منظومات الاتصالات ليس ذا أهمية كبيرة.

ويضيف أن تعطيل الأنظمة المدنية والاقتصادية وخدمات البنية التحتية الخدمية، يمكن أن يكون أكثر ضررا من الهجمات العسكرية وقد يصعب تحديد مصدرها للرد عليها.

أما قدرات الهجمات الحكومية، فيرى شاريكوف أنها لم تجرب حتى الآن أو لم يتم الاعتراف بها رسميا، سواء كانت عسكرية أو مدنية.

بافيل شاريكوف:  على العالم أن يبدأ البحث عن قواعد لسباق التسلح الإلكتروني مثلما حدث في اتفاقات التسلح السابقة
بافيل شاريكوف:  على العالم أن يبدأ البحث عن قواعد لسباق التسلح الإلكتروني مثلما حدث في اتفاقات التسلح السابقة

على سبيل المثال فإن الولايات المتحدة لم تتمكن حتى الآن من إثبات وقوف دول خلف بعض الهجمات مثل التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016 حيث بقيت مزاعم الدور الروسي لترجيح فوز الرئيس دونالد ترامب في دائرة الاتهامات والتكهنات بعد ثلاث سنوات من التحقيقات.

ومع ذلك يتصاعد القلق من القدرات الهجومية الإلكترونية الحكومية وخاصة العسكرية يوما بعد يوم لأنها تنطوي على إمكانية زعزعة استقرار موازين القوة العسكرية بين الدول الكبرى، الذي أبقى العالم بعيدا عن حافة الهاوية لعقود طويلة، خاصة في ظل امتلاك دول كثيرة لإمكانية تدمير العالم أكثر من مرة.

ومع ظهور التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، تضاعف عدد جبهات المواجهة والأهداف المتاحة لاختراق الأنظمة الإلكترونية المئات وربما الملايين من المرات ولم تعد تقتصر على خطوط المواجهة التقليدية التي يمكن رصدها بالرادارات والأنظمة الدفاعية العسكرية.

ويعني ذلك أن البنية التحتية الحيوية وجميع النظم المصرفية وبرامج تتبع الرحلات الجوية في المطارات وسجلات المستشفيات وصولا إلى البرامج التي تدير الأسلحة النووية ومفاعلات الطاقة النووية السلمية، أصبحت جبهة منافسة وصراع وعرضة للهجمات.

 زعزعة الاستقرار

يرى شاريكوف أن إحدى أكثر المشكلات إلحاحا تكمن في الآثار المزعزعة للاستقرار للهجمات السيبرانية المتطورة، التي تعززها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، على منشآت الطاقة النووية.

ورغم عدم وجود دليل واضح على أن أنظمة التحكم والسيطرة النووية يمكن أن تكون عرضة للهجمات الإلكترونية، إلا أن تلك الأنظمة رقمية في نهاية المطاف، وبالتالي يمكن ذات يوم إيجاد ثغرة أمنية فيها.

اليوم أصبحت الهجمات الإلكترونية العنوان الأبرز لتوتر العلاقات بين الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهي تفوق بكثير أهمية جميع الجبهات الأخرى وبضمنها صراعات النفوذ في الكثير من أنحاء العالم ومن سباق التسلح التقليدي.

وتحتل قضية تعزيز الدفاعات ضد تلك الهجمات الإلكترونية وحماية الأنظمة والبرمجيات والبيانات الخاصة، صدارة أولويات العلاقات الثنائية بين الدول، حيث أصبحت أكبر الدول النووية تخوض حربا باردة جديدة على هذه الجبهة.

ويرى شاريكوف أن الهجمات الإلكترونية أصبحت تزعزع جميع قنوات الاتصال التقليدية بما فيها العسكرية وكذلك الدبلوماسية النووية بين البلدان الكبرى وهي تقف خلف انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القدرات النووية المتوسطة المدى، والتي تلاها انسحاب روسيا أيضا.

كما أن مخاوف التجسس وما يمكن أن يتبعها من هجمات إلكترونية هي محور الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حيث تخشى واشنطن من أن تستخدم الصين هيمنة هواوي في تقنيات الجيل الخامس للاتصالات في التسلل إلى انظمة الدول الأخرى.

ولم تعد اتفاقات الحد من التسلح التقليدي، التي تم التوصل إليها تدريجيا أثناء الحرب الباردة، تضمن الاستقرار الاستراتيجي بين الدول العظمى. ويبدو أن اقتران القدرات التكنولوجية بالذكاء الاصطناعي لن يؤدي سوى إلى تفاقد عدم الاستقرار.

ويبدو أن العالم ينزلق بوتيرة متسارعة إلى سباق تسلح جديد محوره الهجمات الإلكترونية، التي تتضاعف خطورتها يوما بعد يوم مع اقترانها بتقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء.

البحث عن الحلول

بافيل شاريكوف:  على العالم أن يبدأ البحث عن قواعد لسباق التسلح الإلكتروني مثلما حدث في اتفاقات التسلح السابقة
بافيل شاريكوف: على العالم أن يبدأ البحث عن قواعد لسباق التسلح الإلكتروني مثلما حدث في اتفاقات التسلح السابقة

يرى شاريكوف أن من المستحيل الوقوف بوجه وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي المتسارعة، لكنه يرى أن على العالم أن يبدأ البحث عن قواعد لسباق التسلح التكنولوجي مثلما حدث في محادثات التوصل إلى الاتفاقات السوفيتية الأميركية في عقد السبعينات من القرن الماضي.

في تلك الحقبة وافق الطرفان على قبول نقاط الضعف المتبادلة. وتخلت واشنطن وموسكو عن خطط لإدخال تقنيات صاروخية مضادة للصواريخ الباليستية من أجل الحد من شراسة السباق المرهق لكلا الطرفين من أجل تحقيق درجة من التوازن والاستقرار الاستراتيجي.

هناك حاجة ماسة لوضع قواعد اشتباك مماثلة لسباق التسلح الإلكتروني يأخذ بنظر الاعتبار خصوصيات الذكاء الاصطناعي ويناقش مدخلات تقنيات الذكاء الاصطناعي الهجومية على المستوى الدولي.

ومثل كل اتفاق لتحديد الأسلحة، ينبغي أن يتضمن أي اتفاق وسائل للتحقق من الالتزامات، لكن الرأي المتشائم يقول إنه من شبه المستحيل الاتفاق على هذه الأحكام في حالة تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي وقت تتجه فيه اتفاقات الحد من الأسلحة النووية تدريجيا إلى الانقراض، هناك حاجة ملحة للتفاوض بين القوى العظمى على وضع معايير جديدة أكثر إلحاحا بشأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتقنية الإلكترونية.

لكن واقع السباق الأميركي الروسي الحالي لا يشير إلى كثير من التفاؤل. ربما ينبغي أن تكون نقطة انطلاق المناقشات على مستوى كبار الخبراء من بلدان متعددة، وأن تتناول عناصر الجرائم والدفاعات السيبرانية وارتباطاتها بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مسارات تصعيد وتهدئة الصراعات في هذه المجالات.

ينبغي على روسيا والولايات المتحدة والصين أيضا الاطلاع على واقع عوالم الإنترنت في كل منها من أجل تعزيز القدرات السيادية والكشف عن الظروف التي يمكن أن تستخدم فيها الدول الأسلحة الإلكترونية.

ويمكن لقادة تلك الدول تعزيز الاستقرار في علاقات القوى العظمى من خلال إعلان سياسي مشترك ينص على أن الدول الموقعة تتعهد بعدم مهاجمة البنى التحتية الحيوية لبعضها البعض، مثل أنظمة القيادة والسيطرة النووية، باستخدام تقنيات الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي.

والتوصل لاتفاق مبدئي من هذا النوع يمكن أن يكون نقطة انطلاق جيدة في طريق طويل لتحقيق التوازن الاستراتيجي في سباق التسلح الإلكتروني، الأكثر خطورة من جميع السباقات السابقة.

لكن ذلك لا يمكن أن يحد من حجم الأخطار، حيث يمكن لعصابة أو فرد واحد أن يخترق منظومة بنية تحتية عملاقة تؤثر في حياة الملايين وربما بدولة بأكملها أو حتى على نطاق عالمي.

وقد حدث في العام الماضي أن تم اختراق خدمات حيوية تتعلق بالخدمات الصحية وسيارات الإسعاف في عدد كبير من دول العالم في هجوم واحد.

ومثلما قلنا فإن أنظمة التحكم بالمفاعلات النووية هي أنظمة إلكترونية ويمكن افتراضا إيجاد ثغرة فيها، أي أن فردا واحدا قد يتمكن في غفلة من مهاجمة أسلحة نووية أو مفاعلات نووية للطاقة السلمية.

 مشكلات قانونية واجتماعية

سوزان بيك:  غياب المسؤولية عن حوادث ترتكبها الآلات في المستقبل سيكون أمرا مزعزعا لاستقرار المجتمعات
سوزان بيك:  غياب المسؤولية عن حوادث ترتكبها الآلات في المستقبل سيكون أمرا مزعزعا لاستقرار المجتمعات

رغم خطورة المشكلات الإلكترونية على الصعيد الدولي، إلا أن المشكلات بين الأفراق والشركات والجرائم الإلكترونية التي ينفذها الأفراد والشركات لا تقل خطورة، وهي تعاني أيضا من تقص القوانين والتشريعات.

هذا الميدان يزداد اتساعا خاصة إذا أضفنا أن الذكاء الاصطناعي والآلات والسيارات والأجهزة ذاتية القيادة يمكن أن ترتكب أخطاء وربما جرائم عن قصد أو دون قصد.

هناك قاعدة قانونية سائدة في كل المجتمعات البشرية منذ الأزل، تقول إنه إذا قتل شخص شخصا آخر أو تسبب في إصابته، فإنه يكون مسؤولا عن جريمته أمام القانون.

وهنا يثير الذكاء الاصطناعي مشكلات جديدة عند التعامل مع مثل هذه الجرائم، لم تكن في الحسبان بالنسبة للسلطات القضائية، إذا تسبب روبوت في حوادث قاتلة، كيف سيتعامل القاضي معها؟ هل يأمر الروبوت بدفع تعويض أو يودعه في السجن؟

وهناك مناقشات متزايدة تدور داخل الدوائر القضائية والسياسية، حول الملابسات القانونية التي تحيط بتطورات الذكاء الاصطناعي، كما تثار مخاوف حول هذه الملابسات في الدوائر الصناعية. كما تنهمك شركات التأمين بالبحث عن حلول لتلك المشكلات المتوقعة.

ويتفق الخبراء على أنه في غضون سنوات ستصبح استخدامات القيادة الذاتية والروبوتات الذكية والآلات التي تعمل بشكل مستقل عن الإنسان، شائعة وواسعة الانتشار مثلما هو الحال اليوم مع الكهرباء والهواتف.

ويرى يواكيم موللر المدير التنفيذي في شركة أليانز الألمانية أن انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية يتطلب توضيح على من تقع المسؤولية القانونية في حالة وقوع حادث؟

كما أثارت تساؤلات أخرى سبل ضمان عدم إتلاف البيانات الضرورية لتوجيه الاتهام بارتكاب جريمة والجهات التي تسيطر على البيانات، كي لا تضيع المسؤولية القانونية في الحوادث التي يمكن تقع بسبب استقلال قرارات الآلات الذكية.

ويرى الباحثون في مجال القانون أن الذكاء الاصطناعي فرض تحديات كبيرة على القانون الجنائي وتساؤلات بعيدة المدى حول الآثار القانونية، سوف تتفاقم بسرعة فلكية مع اتساع حجمها بحياتنا.

وتؤكد سوزان بيك أستاذة القانون الجنائي في جامعة هانوفر الألمانية صعوبة ردم تلك الفجوة القانونية. وتقول على سبيل المثال، إذا اتخذ شخص قرارا بناء على معلومات مضللة من غوغل فإن القانون يحمل ذلك الشخص كامل المسؤولية إذا وقعت أضرار بسبب القرار.

وتحذر من أن السلطات قد تضطر مستقبلا إلى التخلي عن إصدار أحكام قضائية في الحوادث التي تتسبب فيها الآلات. وترى أن “من المؤكد أن عدم إمكانية فرض عقوبة عند حدوث الجرائم سيكون أمرا مزعزعا لاستقرار المجتمعات”.

17