الذكاء الاصطناعي يقتحم الدراما المصرية

مسلسل "نساء من ذهب" يعيد نادية الجندي ونبيلة عبيد إلى التلفزيون.
الخميس 2020/02/27
عودة عادل إمام تثري الكوميديا

إبداعات الروائيين المصريين تعود إلى الحياة في دراما رمضان المقبل، بعدما أصبحت أعمالهم المنهل الأساسي لعدد من كتاب السيناريو في أبرز المسلسلات التي تخوض الماراثون بعد نحو شهرين، ومثلت منقذا لبعضهم من الانحدار والتمادي في تناول القضايا السطحية.

القاهرة – اتضحت معالم الدراما الرمضانية مبكرا مع دخول 28 مسلسلا إلى مواقع التصوير، بعضها ينهل من إبداعات الروائيين كمصدر أساسي للسيناريو، أو يعيد تدوير أعمال محلية أو أجنبية كلاسيكية، في مخاطرة لم تؤت ثمارها على مدار الأعوام الماضية، وتسببت في جدل واتهامات وصلت إلى حد السرقة.

يعتبر الموسم الدرامي الجديد الأكبر من زاوية الاعتماد على الأعمال الأدبية في بناء السيناريو بخمسة مسلسلات دارت أفكارها أو انبنت معالمها من أدب رموز أدبية، مثل: نجيب محفوظ ومحمود عباس العقاد وإحسان عبدالقدوس ومحمود سالم وإبراهيم عبدالمجيد، مع منح الأحداث بعضا من العصرنة لتتماشي نوعا ما مع ميول المشاهدين الحالية.

المعادل للسرد الأدبي

وليد سيف: وجود عادل إمام في دراما رمضان مهم لأسباب فنية وإنتاجية
وليد سيف: وجود عادل إمام في دراما رمضان مهم لأسباب فنية وإنتاجية

وقع اختيار الفنان مصطفى شعبان على رواية “حتى لا يطير الدخان” للكاتب إحسان عبدالقدوس لإعادة تقديمها دراميا بمعالجة لكاتب السيناريو مدحت العدل، رغم تقديمها سينمائيا في فيلم سابق لعادل إمام. وفضلت منة شلبي المنافسة بجزء ثان من مسلسل “كل أسبوع يوم جمعة” المستوحى من رواية للكاتب إبراهيم عبدالمجيد، بعدما عرضت إحدى المنصات الإلكترونية الجزء الأول منه بمعالجة درامية لإياد إبراهيم.

ومن وحي كتاب “عبقرية خالد” للأديب عباس محمود العقاد، تعود الدراما المصرية إلى الأعمال التاريخية بمسلسل “خالد بن الوليد”، الصحابي الملقب بسيف الله المسلول، وهو من بطولة الفنان عمرو يوسف، وهذا العمل يعد الأضخم إنتاجيا، من حيث الميزانية والديكورات والملابس، وأنهى الفنان أشرف عبدالباقى تصوير عدد كبير من حلقات مسلسل “الكوخ المحترق” المقتبس عن رواية “ألغاز المغامرين الخمسة” الشهيرة، للأديب محمود سالم.

ويظل أدب نجيب محفوظ الأكثر حضورا في دراما رمضان المرتقب، فروح رواية “الحرافيش” تسيطر على مسلسل “الفتوة” لياسر جلال بمعالجة درامية لهاني سرحان، ويتم تصوير أحداثها في المنطقة التي عاش فيها أديب نوبل، حي الجمالية بوسط القاهرة، مع إضافة لمسات من الرومانسية والكوميديا في القصة المعتمدة على أزلية الصراع بين الخير والشر.

ويستوحي مسلسل “مملكة إبليس” للفنانة غادة عادل روح أحداثه من رواية محفوظ الحائز على نوبل “أولاد حارتنا”، بأجواء حارة شعبية تخضع لفتوات متغيرين وتعيش صراعا بين عائلتين إحداهما طيبة والأخرى شريرة، مع إضافات لكاتب السيناريو محمد أمين راضي الذي ربط الفترة الزمنية بالانفلات الأمني الذي أعقب ثورة 25 يناير 2011 في مصر.

يقول الناقد وليد سيف، لـ”العرب”، إن اللجوء إلى النصوص الأدبية يوفر الكثير على كتاب الدراما باعتبارها تضم حبكة محقّقة وشخصيات مرسومة بعناية وأحداثا وتفاصيل منطقية، تجعل النص الدرامي يقف على أقدام راسخة وأحداثه نابعة من جذور واقعية. لكن الأمر يرتبط بوعي الكتاب بالفوارق الجوهرية بين الدراما والأدب كوسيطين تعبيريين مختلفين في طريقة التقديم.

الدراما المصرية تواصل اقتباسها من الأعمال الغربية في الموسم الرمضاني، وخمسة مسلسلات تستنجد بالرواية

وجذبت الدراما الخليجية والشامية العام الماضي الأنظار بمعالجات جديدة لست روايات شهيرة عربية وأجنبية، مثل “نهاية رجل شجاع” للأديب السوري حنا مينه، و“لا موسيقى في الأحمدي” للكاتبة الكويتية منى الشمري، و”ص.ب. 1003″ للكاتب الإماراتي سلطان العميمي، و“عندما تشيخ الذئاب” للكاتب الأردني جمال ناجي، و“قصة حلم” للإعلامي السعودي هاني نقشبندي، إلى جانب معالجتين لروايتي “الحب في زمن الكوليرا” لغارسيا ماركيز، و“تاجر البندقية” لشكسبير.

وربما يحاول بعض المؤلفين المصريين استثمار العلاقة التفاعلية بين الأصل الأدبي والسيناريو الدرامي، وأن يحوّلوه إلى اتجاه فني مستقبلا بعد الانتقادات التي صاحبت الموسم الماضي من ضعف الأفكار وتكرارها وسذاجتها أحيانا، والنمطية التي ظهر بها الكثير من الممثلين بسبب اختيار النجم أولا وبعدها يتم تفصيل المسلسل على المقاس.

ويضيف سيف، لـ“العرب”، أن الاعتماد على النص الروائي العربي في بناء درامي وتحويله إلى عمل مستقل يتماشى مع روح العصر، أفضل بكثير من الاعتماد على الأعمال الغربية “فورمات”، ومحاولة تعريبها لتتماشى مع المجتمعات المحلية كما حدث في الموسم الدرامي الماضي الذي كان أكثر جدلا بوصول الاقتباس إلى حد النقل الكامل.

لن يخلو موسم 2020 من استمرار الاستلهام من الأعمال الأجنبية فمسلسل “نساء من ذهب” الذي يسعتيد نادية الجندي ونبيلة عبيد الغائبتين عن الدراما منذ سنوات، مستوحى بالكامل من المسلسل الأميركي “فتيات ذهبيات” لياتريس آرثر وبيتي وايت. كما واصلت دينا الشربيني تفضيلها للأعمال المقتبسة من الأعمال الإيطالية في “لعبة النسيان” عن فتاة تفقد ذاكرتها لتعيد نفس أسلوب العام الماضي في مسلسل “زي الشمس” المُستوحى من مسلسل إيطالي أيضا.

الجوسسة والإرهاب

عودة للمنافسة
عودة للمنافسة 

تسود حالة من التفاؤل على مستوى التنوع في الموسم الجديد بوجود أعمال تتوزع بين الكوميديا والرومانسية، والحركة ممثلة في قضيتي الجوسسة والإرهاب. لكن تظل الإشكالية في استمرار غياب الأعمال الاجتماعية الصرفة التي تناقش قضايا المجتمع ومشكلاته ولا تمثل في العام الحالي سوى بعملين اثنين فقط.

يشهد الموسم الجديد حضورا قويا للأعمال المتعلقة بالحرب ضد الإرهاب وأنشطة المخابرات بنحو ثلاثة مسلسلات، مثل “الاختيار” لأمير كرارة عن حياة العميد الراحل أحمد صابر المنسي قائد كتيبة الصاعقة، الذي استشهد في كمين بشمال سيناء، و“القاهرة كابول” لخالد الصاوي عن المؤامرات الإرهابية التي تحاك للمنطقة العربية، و“هجمة مرتدة” لأحمد عز الذي يتناول ملفا من ملفات المخابرات المصرية.

كما تكتسب الأعمال الكوميدية العام الحالي زخما بعودة عادل إمام بمسلسل “فلانتينو” الذي تم تأجيله منذ العام الماضي، ونيللي كريم في مسلسل “100 وش (وجه)”، إلى جانب أعمال أخرى مثل “اثنين في الصندوق” لمحمد ميرغني والفنان المعروف بأوس أوس عن قصة عاملي نظافة، و”ولاد إمبابة” لسمير غانم ومجموعة من المطربين الشعبيين، و”تيمون وبومبا” لأحمد فهمي وأكرم حسني.

وأوضح وليد سيف، أن وجود عادل إمام في دراما رمضان مهم لأسباب فنية وإنتاجية، فهو النجم الأول في مصر وصاحب علاقة ممتدة مع المُشاهد عبر أجيال. لكن إعادة تقديم نادية الجندي ونبيلة عبيد مرهونة بالنص والإخراج، فرغم تاريخهما السينمائي الكبير، إلّا أن وجودهما على ساحة الدراما ليس بنفس القدر.

انزوت ظاهرة ورشات الكتابة الكوميدية العام الحالي لصالح الكاتب الواحد أو الكاتبين لمواجهة حالة التنافر في الأحداث التي شهدها العام الماضي، بسبب تقسيم حلقات العمل بين الكتّاب وإنهاء كل منهم الجزء الخاص في سياق الأحداث دون اعتبار للتنافر الذي يحدث بسبب اختلافات الأسلوب والتوجه الفكري لكل منهم.

وطاردت الاتهامات الورشات في العام الماضي وتم تحميلها مسؤولية تراجع الكتابة الكوميدية، التي اعتمدت على السخرية من عيوب الآخرين، والفهلوة في أداء الممثلين، وإقحام النكتة دون حاجة في السياق الدرامي من أجل الإضحاك فقط.

وتظهر المقاطع الترويجية للمسلسلات المعروضة استمرار بعض الفنانين في حصر أنفسهم بأدوار بعينها، مثل محمد رمضان الذي يقدّم في مسلسله الجديد “البرنس”، شخصية لا تختلف كثيرا عن مسلسله السابق “زلزال”، وتتمثل في شاب يفقد والده في الحلقات الأولى للمسلسل، ويكمل حياته في شقاء للإنفاق على أسرته، ويعمل في ورشة لتصليح السيارات مع صديق والده.

ويؤكد كاتب السيناريو نادر صلاح الدين، لـ“العرب”، أن تكرار الفنان لأدوار بعينها يصيب الجمهور بالملل، فهو ينتظر من الممثلين أن يفاجئوه باستمرار في أدوار جديدة تظهر ملكاتهم، ويحصل المشاهدون في نهاية كل حلقة على عنصر تشجيعي يغريهم بانتظار الحلقة القادمة في خضم المنافسة الشديدة بين الأعمال المعروضة.

في المقابل، يشهد الموسم الجديد خفوتا للأعمال الاجتماعية الصرفة باستثناء عملين هما “دهب عيرة” ليسرا عن التفكك الأسري والإدمان، و”ما لا يعرفه الرجال” لأبطال متغيرين أشهرهم كمال أبورية، ويتناول خصوصية العلاقات بين الرجال والنساء والمشاكل التي تواجههم، مثل الصمت الزوجي ونظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة.

تركز البطولات النسائية العام الحالي على خوض المنافسة بأعمال رومانسية صرفة، مثل ياسمين عبدالعزيز في “ونحب تاني ليه”، وياسمين صبري في “فرصة ثانية”، ومي عزالدين في “خيط حرير”، ومنة فضالي في “حب عمري”، ومنى زكي في “تقاطع طرق” وغادة عادل في “ليالينا”.

وتشهد دراما رمضان المقبل للمرة الأولى عملا دراميا عن الذكاء الاصطناعي في مسلسل “النهاية” ليوسف الشريف، عن مهندس التصدي للتكنولوجيا التي أصابت العالم بعد مرور 50 عاما في المستقبل، قبل أن تتغيّر طريقة  تفكيره بعدما يقابل إنسانا آليا مستنسخا منه.

16