الذكاء الاصطناعي يقود العالم إلى الخراب

فيلم "خارج السلك" من أفلام الخيال العلمي القائمة على المطاردات والحركة والقتل ويتناول مستقبل أوروبا الشرقية في ظل الصراعات التي ستعصف بها عام 2036.
الاثنين 2021/01/25
كل الأسلحة مباحة في صراع البقاء

المستقبل وصورة الغد التي نجهلها، ربما سوف يؤولان إلى نوع من الصراعات التي لم نكن لنتخيلها. إذ ليس الغد والمستقبل مجردا حالة من التطوّر العلمي والتكنولوجي الخارق الذي سوف يحيل البشرية إلى الفضاء الرقمي وإلى سيطرة الذكاء الاصطناعي. كل ذلك ممكن وأكثر، ولكن السؤال هو: أين موقع الإنسان وسط كل هذا؟

ربما يكون فيلم “خارج السلك” للمخرج ميكائيل هالفستروم الأكثر تعبيرا عن صورة متضاربة ومتناقضة، محورها أزمة الإنسان وسط عالم يسود فيه الذكاء الاصطناعي، عالم ليس كله مشرق كما يمكن أن نظن، بل هو عالم ديستوبي على فرض أن جزءا من هذا العالم قد انخرط في صراعات وحرب أهلية لا تعرف نتائجها ولا نهاياتها.

تلك هي صورة أوروبا الشرقية وقد تطاحنت في ما بينها، وذلك في العام 2036 في نوع من الحرب الأهلية وحروب العصابات، وهنا ليس مهما أن تعرف أي جزء من أوروبا الشرقية هو الذي يشتعل فيه ذلك الصراع، إذ يحجم الفيلم عن تقديم هذه المعلومة ويدعوك أكثر إلى أن تتابع دور الجيش الأميركي في تلك الحقبة المظلمة من سفك الدماء.

فيلم

يقدّم كاتبا السيناريو لهذا الفيلم راب يسكومب وهو نفسه كاتب القصة، وروان آثيلي المشارك في كتابة السيناريو، شكلا سرديا متقنا ومتكاملا، لكنه وفي الآن ذاته لم يغادر نمط أفلام الخيال العلمي القائمة على المطاردات والحركة والقتل.

وها نحن مع المشاهد الأولى لحروب الطائرات المسيرة، حيث يشاهد العريف هارب (الممثل دامسون إدريس وهو ممثل بريطاني من أصول أفريقية – نيجيرية)، عبر طائرة الدرونز المتطوّرة وقائع المعركة على الأرض، ويقدّر أن هنالك استهدافا بشاحنة مفخّخة للجنود الأميركان ومكان تواجدهم، ولهذا لن يذعن للأوامر ويطلق على الفور صاروخا مدمّرا تكون نتيجته مقتل العديد من الجنود الأميركان.

ومن هناك يعاقب هارب، ويتم إلحاقه بمهمة حربية يقودها الضابط ليو (الممثل أنتوني ماكي الذي شاهدناه في العديد من الأفلام)، لكن دوره هنا يعيدنا إلى فيلم “يوم التدريب” وما يقوم به دينزل واشنطن من تصرفات نزقة ضدّ المتدرّب وكذلك الأمر الذي يقع لهارب.

يكتشف هارب أن ليو ليس إلاّ نسخة من جيل متطوّر من الكائنات المدمج فيها ما هو بشري وعقلي بما هو رقمي ومرتبط بالذكاء الاصطناعي، ولسوف يتعزّز ذلك من خلال الجنود الروبوتيين، الذين ينتشرون ويؤدّون مهمات قتالية إلى جانب الجنود الأميركان.

الحاصل أن مهمة هارب سوف تتطوّر إلى جانب ليو، لنكتشف نسيجا للعصابات المتقاتلة في أوروبا الشرقية، والتي يكلّف ليو بمهمة قتالها وباتجاه الحيلولة دون قدرتها على استخدام سلاح فتاك ضدّ الولايات المتحدة.

في المقابل، فإن هارب الذي تسبّب بمقتل جنود أميركان وعوقب بسبب ذلك، هو ليس سوى شاب مدافع عن حق الناس في الحياة، ولهذا يسعى ما استطاع إلى إنقاذ موظفين وموظفات من أحد البنوك، حيث يكمن هناك الكود السري للسلاح الفتّاك، وحيث يقع الصراع ويصل إلى ذروته بين ليو وكوفال (الممثل بيلو أسبايك)، وقبيل ذلك الوشاية التي يتلقاها ليو من صوفيا (الممثلة إيميلي بيتشام).

على الجهة الأخرى، وبالنسبة إلى الجيش الأميركي، نحن أمام حالة انتهاء مهمة ليو وصلاحيته، ويقود ذلك الجنرال إيكهارت (الممثل ميكائيل كيلي) الذي يكون قد ورّط هاب لكي يسهم في نهاية ليو، لكن ذلك لا يقع كما تمناه الجنرال.

يظهر ليو ككائن غريب، يرتدي قميصه الداخلي المكوّن من خلايا رقمية وأنظمة إشارية تعمل بأحدث التقنيات، وهو قادر بمهارة على الانتقال إلى حقيقته البشرية عندما يقتضي الأمر، بينما يستخدم الذكاء الاصطناعي في كل حروبه وصراعاته، ولهذا يعجّ الفيلم بتلك الصراعات والقتل المتواصل، فهي معركة أميركا ونماذج وعينات من مارينز ذلك العصر مع الروبوتات القتالية، لكي تقضي على الخطر الداهم القادم من أوروبا الشرقية.

الفيلم تعبير عن صورة متضاربة ومتناقضة، محورها أزمة الإنسان وسط عالم يسود فيه الذكاء الاصطناعي

هناك نسيج سردي متقن واستخدام بارع للمؤثرات البصرية وللانتقالات المكانية، فضلا عن حوارات غنية خاصة تلك التي تقع سجالا بين ليو وهارب والتي تنتهي باختلافهما، وتاليا اقتصاص هارب من ليو والقضاء عليه في عملية معقدة في أحد سايلوات الحبوب.

وإذا انتقلنا إلى استخدامات الدرونز، فقد كانت عاملا إضافيا في منحنا متعة إضافية في جمالية الصورة التي أبدع فيها مدير التصوير ميكائيل بونفيليان، والذي عرف بإدارته تصوير العشرات من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية منها مثلا: فيلم “المارشال الأخير” و”القناص 3” و”كلوفرفيلد” و”مأتم تكساس” وغيرها، وبالطبع يكمّل ذلك إدارة فنية بارعة تكوّنت من طاقم واسع يضاف لهم فريق الإنتاج.

على أننا إذا شئنا البحث عن مسار سردي للقصة السينمائية، يمكن أن نتصاعد من خلاله مع الشخصيات، فإن ذلك يبدو ضئيلا تحت ثقل المشاهد الحربية والمصادمات والمعارك الفردية وحركات العصابات، كل هذه المؤثرات أسهمت في تفتيت بنية القصة السينمائية ليركّز المخرج على جانب الإبهار والحركة وجماليات الصورة، هذا إذا استثنينا الدورين البارعين والمتميزين لشخصيتي ليو وهارب.

16