الذكاء العاطفي: أداة للتميز أم للعدوانية

بات الذكاء العاطفي من المصطلحات المنتشرة بشكل كبير في واقعنا المعيش، ولئن اختلفت التعريفات فإن أغلبها تجُمع على أنه قدرة الإنسان على التحكم في عواطفه ومشاعره إلى جانب قدرته على التفكير بعقلانية لمواجهة المشاكل والمواقف المحرجة التي قد يتعرض إليها.
السبت 2016/05/21
الذكاء العاطفي بوابة المرء نحو التميز

من أبرز الذين بحثوا في كنه مصطلح الذكاء العاطفي أخصائي علم النفس الأميركي دانيال غولمان الذي اعتبر أن الذكاء العاطفي يقوم أساسا على قدرة الفرد على معرفة وتحديد عواطفه بشكل تام إلى جانب قدرته على معرفة وتحديد عواطف الآخرين، مما يمكنه من التعامل مع ذاته ومع الآخرين والسيطرة على انفعالاته بما يلائم المواقف والوضعيات التي يجد نفسه فيها.

ويعرف التونسي طارق حسين، وهو خبير في مجال صنع القيادات في المجال المهني، والمشرف على موقع منجمنت سوليوشن اند سايلس ديفلبمنت”، الذكاء العاطفي بأنه ملكة تخول لصاحبها اختراق كل السلوكيات، والتصرفات والمظاهر لإدراك أصل الموقف”. موضحا أن النقطة الأولى تتمثل في ضرورة وعي الإنسان بذاته ثم بالآخرين حتى يتمكن من تحقيق التواصل الإيجابي معهم. ويؤكد أن من أسس نجاح المرء في ذلك أن لا يتخذ قرارات وهو في حالة غضب.

ويرى حسين أن الإنسان تتجاذبه ثلاثة أبعاد هي:

* البعد العقلي: ويتمثل في كل ما يتعلق بالمنطق والتحليل والاقتصاد بما في ذلك ثنائية الربح والخسارة.

* البعد العاطفي: وينحصر أساسا في العلاقات الاجتماعية.

* البعد الجمالي: ويرتبط أساسا بالشكل والذوق.

وأوضح أنه في حال بلغ البعد العاطفي ذروته يتراجع البعد المنطقي التحليلي إلى أدنى مستوياته، وبالمثل يتراجع البعد الجمالي.

لا شك أن العلاقة ما بين العقل والعاطفة ملتبسة عند الكثير من الناس وهو ما يدفع العديد ممن يصنفون أنفسهم على أنهم من العقلانيين إلى توهم أن التفكير السليم لا يستقيم إلاّ بغياب العاطفة، الأمر الذي جعلهم يعتبرون غياب العاطفة عن التفكير عقيدة لهم. في المقابل تظهر التجارب الإكلينيكية أن التفكير الخالي من العواطف والأحاسيس لا يؤدي بالضرورة إلى اتخاذ قرارات سوية ومرضية.

والواضح أن المشكل لا ينبع من العاطفة بحد ذاتها وإنما من مدى ملاءمتها لموقف ما إلى جانب ملاءمتها لكيفية التعبير عنها. وبالتالي يبدو أن التخلي عن العواطف قد يوقع الإنسان في مطبات أخرى. لذا ينبغي العمل على التوازن بين التفكير العقلاني والحس العاطفي.

مؤخرا أصبح البعض يعتقدون أن الذكاء العاطفي هو أحد أبرز مقومات النجاح في حياة الإنسان، وأشارت بعض الدراسات إلى أن أصحاب القدرات الخارقة في اختبارات الذكاء قد يكونون من بين الأفشل في ربط علاقات اجتماعية صلبة ومستديمة لأنهم لا يستطيعون التفاعل مع الآخرين ولا يعرفون مشاعرهم، وكيفية التنقل بينها وإدارة الأزمات التي تواجههم. لذا يرى بعض خبراء علم الاجتماع وعلم النفس أن الذكاء العاطفي عامل أساس لتحقيق الأهداف والغايات، بالإضافة إلى تحديد المناصب القيادية التي تتطلب تفاعلا وتعاملا مع أصناف مختلفة من البشر.

أصحاب القدرات الخارقة في اختبارات الذكاء قد يكونون من بين الأفشل في ربط علاقات اجتماعية صلبة

ومن أبرز الصفات التي يتميز بها الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء العاطفي أنهم قادرون على تفهم أوضاع الآخرين وأحوالهم والتعاطف معهم في المآزق والمصائب، كما أنهم يتميزون بالقدرة على ربط العلاقات وإقامة الصداقات والمحافظة عليها لفترة طويلة من الزمن.

كما يتميز هؤلاء الأشخاص بقدرة فائقة على فض النزاعات وتجاوز المشكلات، بالإضافة إلى كونهم وسطاء جيدين بين المتنازعين. إلى جانب ذلك “الأذكياء عاطفيا” لهم مقدرة رهيبة في التكيف مع كافة المواقف الاجتماعية كما أنهم يحبذون الاستقلالية في الرأي ومحاولة فهم الأمور بطريقتهم الخاصة.

وتفيد لاري كواي – وهي خبيرة في مجال الذكاء العاطفي وكانت عميلة فيدرالية سابقة في جهاز الأمن الفيدرالي الأميركي “أف.بي.أي”- في مقال بموقع “بيزنس إنسايدر” بأن “الذكاء العاطفي مهم لتحقيق النجاح، لأنه إذا كان الفرد قادرا على فرض رقابة ذاتية والتحكم في نفسه، يمكن أن يجد الوسائل التي تمكنه من منع القطار من الخروج عن السكة في حال واجهته المعوقات والعراقيل. ضبط النفس، هو القدرة على التراجع والتقييم، وإعادة تنظيم الصفوف، بحيث يمكن للفرد تحديد الرد المناسب لكل وضعية”.

لكن الذكاء العاطفي ليس تلك الملكة التي نعتقد بأنها سوف تجعل حياتنا وردية وتمكننا من تحقيق النجاح في العلاقات الاجتماعية وعلى الصعيد المهني. لا شك أن من سلبيات الذكاء العاطفي أن ينتج لنا أشخاصا قادرين على التحكم في مشاعرهم بحيث لا يبدون لنا حقيقتهم ولا يتعاملون معنا إلا من خلال الأقنعة التي تغطي حقيقتهم.

أما الأشد خطورة أن الذين يتميزون بنسبة عالية من الذكاء العاطفي لديهم القدرة على التحكم في الآخرين بحيث يجعلونهم طيعين في أيديهم، والنتيجة أن يتم تطويع المرء لخدمة مصالح “الأذكياء عاطفيا” ليلامسوا بذلك سقف المكر والدهاء. وفي هذا السياق أفادت صحيفة “ذي أتلانتك” في مقال للباحث أدم غرانت أن الذكاء العاطفي هو عامل مهم في بناء شخصية الإنسان إلا أن الحماس الجامح في التعامل معه طمس الجانب المظلم منه.

وأوضح غرانت أن علماء الاجتماع بدأوا في توثيق هذا الجانب المظلم من الذكاء العاطفي. وأكد أن دراسة أجراها الأستاذ جوشن مينجيس من جامعة كامبردج، كشفت أن اعتماد الزعماء السياسيين على الخطابات الملهمة المليئة بالعواطف جعل من الجماهير أكثر تحفّزا وحماسة ولكن البعد العقلي والتحليلي لديهم تراجع إلى أدنى مستوياته. ورغم أهميته في تحقيق نجاح الفرد يظل الذكاء العاطفي سلاحا ذا حدين خاصة إذا ما اختلط بالسياسة.

21