الذكرى الأولى لاغتيال شهيد الوطن عبدالسلام المسماري

الأربعاء 2014/07/16

يصادف هذا اليوم 17 رمضان 1435 الذكرى الأولى من السنة الهجرية، لاغتيال المناضل الشهيد عبدالسلام المسماري، منسق ائتلاف 17 فبراير المؤسس، الذي يوافق تاريخ 26 يوليو 2013 أي بضعة أيام تفصلنا عن تاريخ هذه الذكرى الأليمة.

قتل البطل المناضل غدرا يوم السابع عشر من رمضان بعد خروجه من صلاة الجمعة بالمسجد المعروف باسم “بوغولة” بمنطقة البركة. اغتيل الشهيد صائما، مصليا، متوضئا، داعيا، مبتسما، موحدا، راضيا مرضيا. ودّعنا وقلبه مغمور بحب الوطن، وبريق عينيه لا يعكس إلا شيئا واحدا؛ لابد من ليبيا وإن طال النضال.

عاش البطل الشهيد بسيطا في حياته. الوطن والحرية وحقوق الإنسان عقيدة ما فتئ يذود عنها في كل المناسبات، فهو محام وعضو ناشط في نقابة المحامين قبل وبعد ثورة 17 فبراير، وقبل ذلك عمل وكيلا للنيابة العامة وقاضيا في المحاكم والنيابات بدرجاتها المختلفة.

الدولة المدنية التي تسودها الديمقراطية والعدالة الاجتماعية حلم صاحَبه حتى آخر لحظة من حياته. جريء في طرح أفكاره التي كان يؤمن بها، والتي تجسدُ في مضامينها حبه لدينه ووطنه وشعبه، ولم يكن ليتزعزع عنها قيد أنملة. لم تكن هذه الجرأة لتخذله حتى في آخر لحظات حياته، عندما واجه قاتله بشجاعة.

كان من أهم المؤسسين لائتلاف 17 فبراير المؤسس، وقاده في أحلك الظروف التي سهلت تواصل الشعب مع ثورته، بدءا من صياغته وإعلانه بيان انتصار ثورة 17 فبراير، إلى بناء اللجان وتأسيس المجموعات، وغيرها من المكونات الأخرى التي كان لها الدور الرئيس في إدارة البنى التحتية للثورة، على نحو ينسجم مع الزخم الشعبي وحالة التدافع التي شهدتها بلادنا في طريقها نحو الخلاص، وكان لهذه الإدارة أن أزالت الكثير من العقبات التي اعترضت سبيل مؤسسات الثورة آنذاك من مجلس انتقالي ومكتب تنفيذي ومجالس محلية.

كان رحمه الله يصدع بما يراه حقا، ولا يخشى في ذلك لومة لائم، اختط لنفسه خطا واضحا في ثورة 17 فبراير، التزم به ولم يكترث لكل تلك الانتقادات التي رأى فيها خروجا فاضحا عن حدود الوطن، لم يبال وقد صار وحيدا في مقارعة مكامن الظلم والطغيان، فالثورة ليست مغانم ترتجى، ولا سلّما لمطامع ومكاسب، هي فقط عودة راشدة لمسار الوطن والحقوق، كنا قد حدنا وانحرفنا عنها ما يزيد عن أربعين سنة.

لم ينافق ولم يداهن أو يجامل أحدا، ولم يتسم بالجهوية أو القبلية أو العصبية أو الحزبية أو الفئوية، يبغض كل هذه النعرات المستفزة، خلفيته وقبلته وسماؤه وأرضه حب الوطن، ورضا الله ديدنه. رفض وواجه كل من ادعى أن له وكالة خاصة من الله، رأى في ذلك مشروع تقسيم لشعب عاش ويعيش على سجيته وفطرته كشعب مسلم سني مالكي في عمومه موحد.

حذر من التآمر على الوحدة الوطنية باسم الدين، فالأمة قد اجتمعت على الثورة وأهدافها ومبادئها، وهي أمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، فيها الخير كله، وخيرها كشفت عنه هذه الثورة المجيدة في طيبة أبنائها وجزيل عطائها، لم يعر اهتماما لتلك الأصوات المتعالية الهائجة، فقد كان يراها مدفوعة الثمن مسبقا وسينحسر عنها الزمان والمكان والتاريخ، فللوطن مناعة ستلفظ كل أفاك أثيم متاجر بدماء الأبرياء والشهداء، كان الشهيد وطنيا بامتياز له نبوءته المبكرة لكثير من الأحداث التي نعيشها اليوم، حذر منها مرارا وتكرارا، فكان أول من خرج جهارا نهارا رافضا تعديل المادة الثلاثين من الإعلان الدستوري التي جاءت بالمؤتمر الوطني الذي أوصل البلاد إلى شفير الهاوية.

رؤيته كانت تنصب على مرحلة انتقالية واحدة، تقاد بمؤسسات الثورة إلى حين رسم ملامح الدولة القادمة دستوريا ومؤسساتيا، وللعالم وللدول التي لها ظروف مشابهة من حولنا في ذلك تجارب تحتذى، ورأى الشهيد في هذا التعديل الدستوري ضربا لثورة 17 فبراير في مقتل والقفز على ثمارها من تيار بعينه هو الداعم الرئيس لهذا المشروع. كما وقف الشهيد منفردا في أول وأخطر محاولة بعد الثورة لوضع العقبات أمام مشروع المصالحة الوطنية، فيما عرف بقرار المؤتمر الوطني العام رقم 7 الخاص باجتياح مدينة ليبية بعد أن أعلن تحريرها، فقاد وفدا من حكماء مدينة بنغازي والشرق عموما، لإجهاض هذا القرار من خلال محاولة التواصل مع أصحاب الشأن في كل من مصراتة وبن وليد. القائمون على الأمر في مدينة مصراتة أقاموا العراقيل تلو العراقيل، وحالوا دون إنجاز المهمة لحقن الدماء والحفاظ على الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي المتهتك بسبب تداعيات ثورة 17 فبراير، فكانت الحرب وتوابعها ضد مدينة لم تستوف الخيارات لرأب الصدع فيها. حزمة من الأكاذيب المعلنة استغلت لتبرير صدور القرار إعلاميا على غير أساس من الحقيقة، التي بات يدركها الجميع والتي أضحت مسمارا يدق في نعش الوئام الوطني.

كما أن الشهيد عمل جاهدا وانتهز كل الفرص المتاحة للإسهام في انطلاق بناء مؤسستي الجيش والشرطة، والوقوف في وجه المد المتزايد للكتائب والمجموعات المسلحة التي رأى فيها عقبة كأداء أمام مشروع بناء الدولة، سيما بعد أن تم استدراج وأدلجة الكثير من هذه المجموعات، وانخرطت في ولاءات سياسية لا تخدم مرحلة بناء الوطن، فكانت للشهيد وقفات مشهود بها، لعلها أحد أهم العوامل التي سارعت باغتياله، كما أن الشهيد لم يأل جهدا في دعم ومساندة وتسيير المظاهرات والتجمعات الهادفة لبناء مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والشرطة، على أسس صحيحة ومتينة يتحقق بها حلم المواطن الليبي البسيط، ورفض كل الاستثناءات الأخرى والأجسام الموازية وانتقاد القائمين عليها، فخارطة البناء كانت عنده واضحة المعالم وهو يشق طريقه متطلعا إلى السماء، لوضع اللبنات الأولى لوطن طال انتظاره، رافضا أخونة أو أدلجة الثورة الليبية تحت أي مسمى، فالثورة ثورة شعب ولا مجال لاختطافها.

رفض الشهيد تولي أي وظائف تنفيذية في هذه الثورة محتفظا بموقعه دائما مع شعبه وأهله، يتغنى فقط بالوطن وللوطن، هذا غيض من فيض، فقد فقدنا بطلا أسطوريا في هذه الثورة، ستبقى أعماله راسخة في ذاكرة الثورة، ونبضا حيا في شرايينها، فإحياء ذكرى الشهيد هي إحياء لوطن، والثورة لن تعدم أبطالها ورجالها، ولنا في ذكر مآثر الشهيد البطل، أيقونة الحرية والوطنية والنضال، لقاء ولقاء ولقاء، ولابد من ليبيا وإن طال النضال.


كاتب ليبي

9