الذكرى الـ 43 لاتحاد الإمارات.. قصة نجاح في عالم تخنقه الأزمات

الثلاثاء 2014/12/02
الإمارات نجحت في خلق اقتصاد منافس وبيئة جاذبة للاستثمار

أبوظبي- تشير دلائل كثيرة إلى أن الإمارات كسبت الرهان وحققت في مدة وجيزة نقلة نوعية بوأتها مكانة هامة عالميا وجعلتها من أهم بلدان العالم، لا من حيث كونها إحدى أهم الدول النفطية، بل من حيث المشاريع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تتبناها وتسعى إلى تحقيقها. وهي مشاريع تؤكد النهضة التي تعيشها الإمارات بعد 43 سنة من انطلاق مسيرتها وتعكس رؤية مستقبلية وطموحا نجح في أن يغير الصورة التقليدية المعروفة عن الدول النفطية.

يؤكد ابن خلدون أن “أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول”.

وديناميكية عملية التغيير هذه، مرتبطة بجملة من الشروط والظروف التي تحدّد سرعتها وأيضا قوتها وضعفها ونجاحها وفشلها؛ فوفق النظرية الخلدونية “لا يتم العمران، ويرقى إلا بوجود الصنائع، فعليها جميعا يتوقف رخاء المجتمع ورفاهيته. وكلما ارتقت الصناعة، وراجت التجارة، وعم الرخاء وانتعش الاقتصاد كان لذلك أثره في رفاهية المجتمع البشري ورقيه وبلوغه مراحل الترف والنعيم”.

وفي استدلال عملي على إمكانية تطبيق نظرية صاحب المقدّمة ونجاعتها، يمكن الحديث عن التجربة الإماراتية، التي تحتفل اليوم بعيدها الـ 43 مجسّدة عبر هذا التاريخ مثالا حيّا لنظريّة التغيير الاجتماعي وبناء الدول. ومن خلال رصد سريع لعمليّة التغيير التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة نتوقّف عند أمثلة عديدة تعكس نجاح التجربة التنموية الإماراتية وتقدّم درسا هاما في معنى التماسك المجتمعي والاستغلال الصحيح للثروة، البشرية والمادية.

سخرت الدولة كافة السبل من أجل بناء منظومة إماراتية تعطي صورة جديدة لإحدى أهم الدول النفطية في الخليج والعالم


أربعة عقود من التقدم


قبل سنة 1971، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة معروفة باسم الإمارات المتصالحة أو ساحل عمان المتصالح، والتصالح، مع الذات ومع الآخر، في الداخل والخارج، صفة حرصت الإمارات على التحلّي بها بعد اتحادها في 2 ديسمبر 1971، تاريخ انطلاق مسيرة التحديث وبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كان شعارها “المواطن الإماراتي صانعا للنهضة ومستفيدا منها”.

وضع حجر أساس هذا الدرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أوصى أبناءه الإماراتيين بأن يهتموّا بالتعليم كقيمة أساسية للعمران البشري، حيث قال:”إن أكبر استثمار للمال هو استثماره في بناء أجيال من المتعلمين والمثقفين”. وعلى هذا الدرب سار خليفته الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وكلّ حكام الإمارات السبع، ليصلوا اليوم إلى تحقيق نسبة أمية بأقل من واحد في المئة.

يبدأ بناء الإنسان والدولة بالتعليم، وهذا لم يكن يوما بداية سهلة في مجتمع بدوي متفرّق، كان محلّ أطماع خارجية، لكن بالإصرار رفضت الإمارات المتحدة الانغلاق على الذات، وقد حرص الشيخ زايد، ومن بعده الشيخ خليفة، على تسخير الثروات والإمكانيات لبناء الوطن والرقي بمستوى معيشة المواطنين جميعا، عملا بنظرية ابن خلدون القائلة إن “العلم والتعليم أمران أساسيان في العمران مرتبطان به إيجابا وسلبا، من ثمّ، فحيث يزدهر العلم يرقى العمران والعكس صحيح”.


مجتمع متماسك


ما كان التغيير ليتحقق في دولة الإمارات العربية المتحدة لولا نجاح الحكومة الإماراتية في الإمساك بالشروط الثلاثة الأساسية لبناء مجتمع متماسك ومتقدّم حضاريا وفكريا، وهذه الشروط هي:

* النظام القيمي

* النظام الاجتماعي

* الإنسان باعتباره عصب عملية التغيير ورمانة الميزان بين النظامين السابقين، وهو في نفس الوقت المستثمر ومجال الاستثمار.

كان المواطن الإماراتي عضدا أساسيا في مسيرة التنمية في بلاده

ويثبت نجاح هذه المعادلة التقارير العالمية التي تصنّف الإمارات في مراتب متقدّمة في مؤشرات التنمية البشرية والمرتبة الأولى عربيا في مؤشرات الابتكار والسعادة وجودة الحياة وممارسة الأعمال، وكذلك الأولى عالميا في التماسك الاجتماعي والكفاءة الحكومية وحسن إدارة الأموال العامة والثقة في الحكومة وفي متانة الاقتصاد.

وتحققت هذه المكاسب نظرا لأن عملية التغيير في الإمارات سارت بالتوازي: عمرانيا وتعليميا واقتصاديا واجتماعيا، وقد نجح الإماراتيون في تحقيق هذه المعادلة الجامعة وحققوا على أرض الواقع إنجازات بمقاييس عالية حازت على شهادات عالمية، جعلت مزايدات الآخرين تبدو مفضوحة.

فالإمارات لم تنتظر أن يثور الشعب ويحتجّ حتى تلتفت إليه، بل كان المواطن الإماراتي عضدا أساسيا في مسيرة التنمية، وهو اليوم يستحضر ذكرى الثاني من ديسمبر ليس كتاريخ احتفال بمرور الزمن، بل لأنه يعتبره احتفالا بالإنجازات الضخمة التي تتحقّق سنة بعد أخرى، ووقفة تحية وإجلال واعتراف بالجميل لكل من ساهم في الوصول بالإمارات لتحتلّ المركز الثاني عشر في تقرير التنافسية العالمي، (دافوس) للعام (2015/2014)، وتتفوق على دول كالدنمارك وكندا وكوريا الجنوبية في إحراز مراكز عالمية متقدمة في العديد من المؤشرات.

في ذات السياق، أكد تقرير التنافسية العالمي على الدور الريادي لدولة الإمارات في المنطقة. وعزا الفضل في تحسن التقييم الممنوح لها إلى عدة عوامل، من بينها الفوز باستضافة معرض (اكسبو- 2020) لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط، واعتماد الدولة العديد من المبادرات الإستراتيجية لتحسين مستوى التنافسية وعلى مختلف الصعد. كما أكد التقرير على أن هذه الجهود تؤتي بالفعل الثمار المرجوة منها، خاصة على مستوى الأطر المؤسساتية والبنية التحتية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي شهدت جميعها تحسنا قويا خلال السنوات القليلة الماضية.

ونوّه التقرير إلى أن التحسن في تنافسية الدولة يعكس التميز اللافت في نوعية البنية التحتية الذي استحقت عليه المركز الثالث عالميا، وكذلك ذات المركز في فعالية أسواق السلع، والمركز الخامس عالميا من حيث قوة بنية الاقتصاد الكلي والفعالية الحكومية.

في سياق متّصل، تتوالى الشهادات الصادرة عن وكالات التصنيف الدولية لتؤكد المؤشرات الإيجابية للتجربة التنموية الإماراتية على مختلف أصعدتها. فقد تبوأت دولة الإمارات المرتبة الأولى بين دول الشرق الأوسط والـ36 عالميا من حيث أدائها الشامل للعام 2014 في مؤشر الابتكار العالمي الذي أصدرته جامعة كورنيل والمعهد الأوروبي لإدارة الأعمال (انسياد) والمنظمة العالمية للملكية الفكرية.

76 اختراعا دوليا سجلته الإمارات خلال الفترة من منتصف العام 2010 إلى منتصف العام 2014

كما اختارت المنظمة العاصمة أبوظبي (عاصمة للابتكار العربي) بعد أن تبوأت المركز الأول بين العواصم العربية، حيث سجلت 76 اختراعا دوليا خلال الفترة من منتصف العام 2010 إلى منتصف العام 2014.

وتسعى دولة الإمارات، في هذا المجال، إلى إطلاق أول مسبار عربي إسلامي إلى كوكب المريخ تحت إشراف فريق عمل وطني، بعد أن أعلنت، في مبادرة استراتيجية أطلقها رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، حاكم دبي، في شهر سبتمبر هذا العام، دخولها تكنولوجيا ارتياد الفضاء وإنشاء (وكالة الإمارات للفضاء).

وعززت دولة الإمارات مكانتها المرموقة على الساحة الدولية بفوزها هذا العام باستضافة القمة العالمية للطاقة في العام 2019 في أبوظبي، وبعضوية مجلسي (الاتحاد الدولي للاتصالات) للمرة الثالثة على التوالي، وعضوية (مجلس لوائح الراديو) الذي يُعد أحد أرفع المجالس ضمن الاتحاد، وكذلك استضافة المؤتمر العشرين للمندوبين المفوضين للاتحاد الدولي للاتصالات الذي سيعقد في العام 2018.


الثروة لا تذهب سدى


يقفز بعض الفاشلين والمنتقدين ليدّعوا أنّ سبب الوثبة الحضارية الإماراتية، هو مال النفط، وهم مصيبون في ذلك، لكن فاتهم القول إن المال من دون رؤية يصبح هباء، بل يصبح سبب أزمات اجتماعية وحروب أهلية. لكن الحكمة في استثمار هذه الأموال والإصرار على تحويل الثراء المادي إلى ثراء إنساني وفكري، حتى لا تذهب الثروة سدى هما سببا النجاح.

أبوظبي ودبي والشارقة والعين وغيرها، مدن متلألئة تخطف الأبصار

وبناء عليه، فقد تحققت هذه المنجزات التنموية النوعية الشاملة بفضل القيادة الحكيمة التي لم تحد عن نهج المسيرة الاتحادية وسارت على دربها مستنيرة بوصايا وتعليمات الشيخ زايد، بالإضافة إلى انسجام وتناغم أعضاء المجلس الأعلى لاتحاد حكام الإمارات، وتضافر جهود المواطنين وتلاحمهم مع قيادتهم، لتكون النتيجة في النهاية كما جاءت في تقرير التنافسية الدولية للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) للعام (2013 - 2014)، بأن جاءت الإمارات في المركز الثالث عالميا في مؤشر ثقة المواطنين بالقادة السياسيين فيها، من بين 148 دولة في العالم.

وصنّف تقرير المسح الثاني للأمم المتحدة لمؤشرات السعادة والرضا بين شعوب العالم للعام 2013، دولة الإمارات في المركز الأول عربيا والرابعة عشرة عالميا التي حقّقت السعادة والرضا لمواطنيها.


مدن حية


أبوظبي ودبي والشارقة والعين وغيرها، مدن متلألئة تخطف الأبصار، أضحت في سنوات قليلة تنافس حواضر العرب التقليدية بل وتتجاوزها. فبينما تبدو العواصم العربية التقليدية وكأنها تعيش في حالة من الجفاف ويأكلها الإهمال وتحاصرها الصراعات، تبدو مدن الإمارات شابة نضرة مقبلة على الحياة.

لكن السقف المرتفع للرفاهية والإنجازات الحضرية ليست كامل القصّة، إن الجزء الرئيسي في قصة النهضة الحضارية الإماراتية هو الإنجاز البشري، الذي جعل العالم يتحدّث بإعجاب عنها.

تتوالى الشهادات الصادرة عن وكالات التصنيف الدولية لتؤكد المؤشرات الإيجابية للتجربة التنموية الإماراتية على مختلف أصعدتها


سخاء في الداخل والخارج


لم يقدم الشيخ زايد يوما أيديولوجية ولا سعى إلى المزايدة. وعندما كان يتبنى قضية فإنها كانت تصبح قضية الإمارات. بنى مدنا في مصر وفلسطين كما عمّر في العين والمنطقة الغربية. وكان يفعل ذلك بالتوازي الزمني، على أرض الإمارات وخارجها، لأن إنسانيته كانت تدعوه لمد يد العون والدعم للبعيد كما يفعل مع ابن بلده القريب، وعلى دربه تسير دولة الإمارات، حكومة وشعبا، بقيادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

من هنا لن يكون مستغربا، أن تتبوأ الإمارات هذا العام المركز الأول عالميا كأكثر الدول المانحة للمساعدات مقارنة بدخلها الإجمالي القومي للعام 2013، حيث بلغ حجم المساعدات الإنسانية والإغاثية في هذا العام أكثر من 5,2 مليار دولار أميركي.

هكذا، أكدت الإمارات أنها تسلك الدرب الصحيح وتتبع الرأي الصائب نحو بناء ثقافة جديدة تستثمر عائدات النفط استعدادا لمرحلة ما بعد النفط وتخطو خطوات حكيمة نحو مستقبل يعتمد بشكل كبير على الاستثمار في مختلف المجالات، وفي هذا الإطار كانت الإمارات تتعامل مع هذه التغيرات برؤى هادئة أفضت أخيرا إلى مشهد إماراتي له صيت على مستوى عالمي.

اقرأ أيضا

7