الذكورة والرجولة وسلام الأنوثة

الأحد 2015/11/15

تختلف الأدوار الاجتماعية التي يقرّرها المجتمع بناء على المرجعية البيولوجية من مجتمع الى آخر ويتوقع المجتمع من الذكر والأنثى التصرف بطريقة معيّنة حسب المعطيات الثقافية والاجتماعية المتحكّمة في تلك المجتمعات، فتحدد لهما أدوارا معينة وصفاتٍ لم يولد الإنسان بها وإنما فرضها عليه المهيمن الاجتماعي والديني والعرفي وهو في معظم الأحوال نتاج السلطة الذكورية المتسيّدة والمتمسكة بالقيم الأبوية التي تضع النساء ضمن المراتب الدنيا داخل البيت والمجتمع.

توصف الأنوثة التقليدية بصفات عمومية تختلف من مجتمع الى آخر، لكنها تكاد تقترب من بعضها في زمن معين: فهي صفات الحنان والحضانة والاحتواء والرقة والرأفة والتضحية من أجل الآخرين والتقوقع في الدور الأمومي والاتجاه إلى الداخل بينما تتجه سمات الذكورة إلى الخارج فالذكر يتحدى ويعمل ويواجه ويكون مسؤولا عن الإنفاق والقوامة والحماية والتحكم بمصائر أسرته، إنما تتغير هذه السمات تبعا للواقع السياسي الى حد ما فلم تعد الذكورة قيمة ثابتة ولا متماثلة في المجتمعات المعاصرة، لذا يمكن الحديث عن (ذكورات) متعددة وقد تستعير بعض مظاهر الأنوثة كتلك التي تمثل الاهتمام بالأناقة والقبول بانتشار مسحة من النعومة على مظهر الرجل الخشن الذي كان محل اعتزاز وتفاخر.

غير أن التعبير الذكوري الأساسي عن الذات الذكورية يجد تجلياته في استخدام العنف ضد الآخر أيّ آخر وغالبا ما يكون هذا الآخر هو المرأة، وقد يكون العدو في حالة الحرب، وهذا ما يدل عليه بقاء بل ازدياد تلك الأنواع من الجرائم التي تسمّى بـ(جرائم الشرف) والتي يصدر فيها العنف الذكوري حكمه على مصير الأنثى باعتبارها (شيئا) يقع ضمن ممتلكات الرجل وليست ذاتا حرة وإنسانة لها وجودها المستقل خارج هيمنة الذكور.

من جهة أخرى لا يقبل الرجال العنيفون بأيّ ملمح أنوثي ويصرّون على وصف ذاتهم من خلال الذكورة العنيفة المتّسمة بالشجاعة والخشونة والقدرة على القتال والمجاهرة باحتقار الإناث، رغم أن الذكورة التقليدية لم تعد مدعاة للفخر والاعتزاز في المجتمعات الحديثة بل أمست في الغالب مدعاةً لارتكاب الجرائم وأولها جرائم الحرب من اغتصاب وسبي وتعذيب وإهانات تقع على الضحايا من النساء في حين تنطوي السمات الأنثوية عموما على نزوع الى الاستقرار والسلام الضروري لإدامة الحياة البيتية ونمو العائلة وتربية الأبناء وتحقيق السعادة التي تعدّ مطمحا أساسيا لبني البشر على اختلاف أجناسهم ومجتمعاتهم.

مقابل ذلك تفشل الذكورية العنيفة النازعة الى الاستبداد وتأجيج الصراعات السياسية والاجتماعية والطائفية. فتفشل في تحقيق السلام والأمن الاجتماعي بل تفاقم صراعاتها حالة فقدان الأمن ويتأسس على نتائجها توتر اجتماعي وفقدان التوازن النفسي للأفراد وانعدام الثقة بين السلطة والمجتمع واتساع ظاهرة العنف ضد النساء، في حين تمثل سياسة الحوار والديبلوماسية التي تتسم بها الرجولة الحقة، نجاحا مؤكدا في تحقيق التفاهم بين الآراء المختلفة وتماثل في هدوئها ونعومتها الجانب الأنوثي في نزوعه للسلام والتفاهم والاستقرار.

وقد لاحظت بعض الدراسات الحديثة انزياحات إيجابية وتغيرات في مفهوم الرجولة -والرجولة غير الذكورة- إذ تعني فيما تعنيه امتلاك صفات إنسانية رفيعة منها القبول بالمشاركة الإنسانية وامتلاك الشجاعة في الدفاع عن حقوق النساء والتعامل المتحضر مع المرأة، فالرجولة صيغة متطورة وإنسانية لذكورة تخطت بدائيتها وترسّخت سماتها المتحضرة السامية، والشجعان من الرجال المتحضرين هم الذين يتخطون السائد من التنميطات الخاصة بالرجال والنساء ويشاركون المرأة لتعزيز مكانتها في المجتمعات الحديثة، وشتان ما بين الذكورة الشرسة العدوانية وبين الرجولة السامية المتحضرة.

كاتبة عراقية مقيمة في عمان

11