الذهبي: الفاشية تحكم على الادب النقدي بالإعدام

الخميس 2013/09/19
"في سوريا لا يوجد نقد ولا نقاد"

القاهرة - تبدو تجربة الكاتب الروائي السوري خيري الذهبي غنية بما فيها من رؤية للواقع والهم الاجتماعي السوري، وهو أحد أهم الأصوات الأدبية المنحازة دوماً إلى الشارع، إلى الناس في مواجهة السلطة القمعية والاستبدادية، فقد شكلت تجربته تميزاً نوعياً له مذاقه الخاص في سبر وتكوين الاجتماعي والسياسي السوري، وجاءت أعماله الإبداعية منذ مطلع السبعينات، عاكسة لمواصفات الشخصية الشامية بوجه عام والدمشقية على وجه الخصوص. في هذا الحوار يتحدث الذهبي عن الفن والسياسة والثورة السورية.

ويؤكد الكاتب الروائي السوري أن المنجز الإبداعي لايمكن تحويله إلى سلعة بالمفهوم التقليدي لكلمة سلعة، ولا يمكن عقد مقارنات بين منجز فوضوي لبعض من نشير إليهم بمحدودية الإبداع، فمثلاً "أورث ويلز" لايمكن أن نقارنه بإسماعيل ياسين، و"أنتوني هوكنز" لايمكن مقارنته بمخيون، ولا يمكن أبداً أن نضع منجز "طه حسين" في مقارنة بمنجز "الجيار". ثمة أناس قدموا منجزا إبداعيا حقيقيا وضع بصمةً في تاريخ الإبداع وثمة أناس محدودو الموهبة والثقافة، لا يمكن أن يعيشوا خارج وقتهم، ولن يجتازوا تلك المسافة، وإن اجتازوا تلك المسافة تصبح دوماً تدليلا على تواضع ما قدموه.

المبدع والخلود

يشير الذهبي إلى أن الفن جاء للخلود، فقد اخترعه الإنسان كأداة لمقاومة الموت. ولا يمكن لأحد أن يُمنح صك الخلود دون منجز إبداعي حقيقي، وما يجعل الأمم باقية هو ذلك المنجز الإبداعي والحضاري لها. ويمكن اكتشاف هذا في الفترة التي نحياها ويمكن اكتشافها بعد من خلال أجيال قادمة.

المدهش أن أسماء بارزة في عالم الإبداع لن تعيش أكبر من فترتها، كان في مصر روائي كبير "إسماعيل ولي الدين" كان اسمه يملأ الدنيا ضجيجاً وكان صيته يملأ العالم العربي، ولكن أين إسماعيل ولي الدين من نجيب محفوظ الآن.

ثمة إبداع يعيش ويجتاز وقته ليخلد صاحبه وثمة منجز متواضع ومحدود لا يخرج عن دائرة وقته حتى لوحقق بعض الشهرة، في رأيي أن ثمة مبدعين أشبه "بالخنفساء تدور داخل طاسة".

النقد والنقاد

لايمكن إنتاج منجز نقدي حقيقي خاصةً في دول العالم العربي التي تحكمها الفاشية. وتحول مبدعيها ونقادها إلى أجراء للسلطة. فمعظم الطغاة الذين عاصرناهم هم من العسكر صعدوا إلى السلطة وبحثوا عن أب شرعي لهم، فلم يجدوا إلا المماليك وهم مجموعة من القتلة استولوا على الحكم، هم أشبه بالذئاب يعيشون دوماً في حالة خوف وتسلط، خوفاً من الذئب الأقوى القادم.

وبقراءة بسيطة لواقعنا الحديث، أول شيء أقدم عليه العسكر هو التأميم، وقد سبقهم في ذلك محمد علي الذي أقدم على تأميم البلاد بشكل مختلف، فقد أمم ثروات المجتمع لتقتر بعدها تقتيراً لأبنائه، كانت هذه هي الاشتراكية في نظر حكامنا من منظور عربي إسلامي. في ظل هذه الحكومات كان على المبدع أن يعيش، لذا كثيراً منهم رضخوا للسلطة، وروجوا لها وكانوا مخلصين لها أكثر من الحاكم ذاته، وقليلون هم من عاشوا رافضين للاستبداد مناهضين لفاشية السلطة.

في سوريا مثلاً لا يمكن أن يكتب ناقد عن عمل فيه نقد للسلطة، إذ كان النقاد عبيداً للدولة دون استثناء ودون مقابل. فلقد كان النقد الأدبي في سوريا على مدار ما يزيد عن أربعين عاما ليست به أية نزاهة والأكثر أهمية في حياة المبدع السوري.

إن أغلب المبدعين عاشوا بعيدًا عن المثل العليا التي يرجوها من منجزه الإبداعي "الحب والجمال" فقد كانت الدولة طوال الوقت تلهيه وتشغله حتى يكتب ضدها ضد السلطة القمعية والفاشية، وتبعده كثيراً عن المنحى الإنساني والجمالي والأشياء المشتركة بينها وبين العالم.

يؤكد الذهبي أن ثمة عددا من المبدعين السوريين معارضين للمذهب السني، فلا يمكنك أن تقرأ كلمة واحدة ضد مشايخ المذهب العلوي، وأدونيس واحد من هؤلاء، وقد كتب تحت عنوان "لا أؤمن بثورةٍ تخرج من الجوامع" وقتها رددت عليه وقلت إنني أسكن بحي تعداد سكانه يزيد عن 350 ألف نسمة ولا يوجد حتى ناد اجتماعي واحد، أين إذن يجتمع الناس ليشكلوا جمهورا سوى بالمساجد والتي يزيد عددها عن 40 جامعا كبيرا. أفهم جيداً اعتراض أدونيس على خروج الناس، فهو في حقيقة الأمر لايعنيه خروج الناس بقدر ما يعنيه ويهمه مطالب الناس واعتراضهم على السلطة، التي في حقيقة الأمر يرفضها.

السلطة والعلمانية

يؤكد الذهبي أن بشار الأسد الآن يقدم نفسه كعلماني، وهذا مناف للحقيقة تماماً، فهو ونظام والده من أدخل سوريا في نفق الطائفية المظلمة على مدى أربعين عاما.

وعن قتل فكرة المواطنة في سوريا وبعض الدول العربية نفى الذهبي أن تكون المواطنة قد تم قلع جذورها بمصر، فخروج الناس بالملايين إلى ميادين مصر في 30 يونيو هو إعادة إحياء للمواطنة بمفهومها الكبير الذي زرع بذورها "إبراهيم باشا" ومن قبله محمد علي في مصر، واجتثه العسكر في سوريا، فلا يمكن أن تقوم أمة ديمقراطية تحت حكم العسكر، غير هذا أن ثمة مخططا قائما لإزالة الإسلام والعرب من الشرق وهذا يتم الآن بالتدريج وأكبر دليل على ذلك هو التحالف الإسرائيلي الإيراني الذي لايمكن أن يكون بالمجان، إضافةً إلى أن "بشارالأسد" قام بإعطاء الجنسية السورية لـ750 ألف إيراني وأفغانستاني وغيرهم كونه يريد تغيير ديمغرافية الأرض السورية في الوقت الذي فيها الغالبية السورية من المسلمين السنة.

يؤكد الذهبي أن هواجس ومخاوف المثقفين السوريين والتيار اليساري في مصر والعالم العربي على مستقبل سوريا من جماعة النصر لا تعطي صك الوقوف إلى جانب النظام القمعي والاستبدادي، يقول الذهبي:"أعتقد أن موقف التيار اليساري والناصريين في مصر من جماعة النصرة ومن ثمة من الثورة السورية كان مخجلا"، وأشار الذهبي إلى أن لا خوف على سوريا من هذه الجماعة المتشددة.

الأدب والدراما التيلفزيونية

يقول خيري الذهبي:"الدراما السورية أنقذتني من الجوع، قدمت العديد من الأعمال الإبداعية التي تحولت إلى دراما تليفزيونية، ومنذ عامين قدمت "خليل القباني" وكنت أركز على أن ظهور شخصية مثل خليل القباني لم تأتِ من فراغ فهي نتاج بذرة إبراهيم باشا للمواطنة في سوريا".

ويضيف الذهبي قائلا:" كذا جاءت "حسيبة " وتحولت إلى عمل سينمائي "لكي يا شام"، في هذه الأعمال كانت رؤيتي واضحة وكان حديثي منصبا على عملية التغريب التي نمت في ظل النظام القمعي والاستبدادي، كثيرة هي الأعمال الدرامية التي كانت هدفها إلهاء السوريين عما يجري وإشغالهم عن حقوقهم في الحرية ونقد السلطة. أنا لا ألعب لعبة "باب الحارة " وأرى أنها كانت بمثابة نوع من المخدر، وأضاف "الذهبي" أن العمل الروائي دوماً أكثر إدهاشا وجمالا من العمل الدرامي.

15