الذهب الأبيض في مصر مهدد بالفناء

ارتبط اسم الذهب الأبيض بالقطن في مصر فقط، حيث كان يمثل كلّ شيء للمصريين، وموسم حصاده ينتظره الفلاحون والعمال، لكنه شهد تراجعا بعد أن بدأت الحكومة تحرير الزراعة منذ سنوات، وقالت على كلّ مزارع أن يزرع ما يشاء ويبيع منتوجه كيفما شاء.
الاثنين 2015/10/26
جهد المزارعين يضيع في جيوب المتحكمين بالأسعار

القاهرة- القطن، نبتة بيضاء، مدت يدها منذ نحو قرنين لمصر، فشغلت في البداية بنحو ثلثي مساحة الأرض الزراعية، و75 بالمئة من اقتصاد البلاد، حتى وصفها المصريون وقت الحصاد بـ”الذهب الأبيض”، إلا أن مشاهد نهاية قيمتها وتراجعها تبدو على ألسنة مزراعين وخبراء، حذروا من فناء هذه الزراعة، إن لم تدعمها الحكومة المصرية بشكل كامل ومستمر.

من السادسة صباحا إلى 12 ظهرا، تبدأ وتنتهي رحلة المزارع عادل أبوشعيشع (42 سنة) وعدد من الأيدي العاملة في قريته بمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية (دلتا النيل/ شمال) لحصاد محصول القطن الذي يتم عادة في شهري سبتمبر وأكتوبر.

قفاز في اليدّ لكل عامل وعاملة، يلاحقان الذهب الأبيض قطفا من غصونه المنتشرة مثل أشعة الشمس في أرض أبوشعيشع، الذي يضع في باله همّا والمتمثل في “ألا يزرع المحصول العام القادم لو استمر غياب دور الحكومة في دعمه”.

بذرة القطن الأبيض كلون سحب السماء، تُرمى واحدة وراء الأخرى، في دلاء أسفل أقدام العاملة المجهدة، وبعد وقت ليس بقصير، يحمل أبوشعيشع كلّ دلو ممتلئ بالقطن؛ وينطلق به إلى ساحة خالية بجوار تلك الأرض الممتلئة بالذهب الأبيض.

على مدار اليوم، تبدأ مرحلة تجميع القطن بالتوازي مع الجني الذي يعادل نحو 155 كليوغراما للفدان الواحد في أحسن الأحوال، وتنتهي بمرحلة البيع للتجار.

الحكومة لا تحتفي بزراعة القطن

“في إبريل أي منذ 6 أشهر تبدأ زراعة القطن بمصر، وهي زراعة مجهدة تتطلب مستحضرات ومبيدات، نأتي ببعضها من السوق السوداء لعدم كفاية ما نحصل عليه من الجمعيات الزراعية”، هذا ما قاله أبوشعيشع، وسط غياب الاحتفاء الرسمي بذهبه الأبيض، الذي كانت مصر تتغنى بقيمته وقت حصاده وتقيم الأفراح والأعياد بهذه المناسبة السعيدة.

وأضاف “3500 جنيه (نحو 400 دولار) تدفع لعمالة جني المحصول، بجانب صرف أموال كثيرة على مدار 6 أشهر في السماد والمبيدات وغيرهما، وننتظر أن نرى ما تحدثت عنه الجميعات الزراعية(الحكومية )، من وصول سعر قنطار القطن في الوجه البحري (شمال) 1400 جنيه ( نحو 175 دولارا) وفي وجه قبلي (جنوب) 1200 جنيه (نحو 150 دولارا)”.

يتذكر الفلاح المصري أبوشعيشع، غياب دور الحكومة في دعم محصول القطن مع تنامي دور التجار، قائلا “الحكومة أيام زمان كانت تقيم أماكن للتخرين.. لكن الآن التجار هم من يتحكم في السوق”.

قديما في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بمصر، كان هناك بنك التسليف (حكومي) مسؤول عن القطن؛ حيث كان يجمعه بعد الجني في أماكن تخزين خاصة، ثم يتم تسليم المزراعين ثمن القطن بعد يومين.

وبنبرة حزينة، تابع أبوشعيشع “تستهلك الزرعة طوال السنة منا تكلفة باهظة، ولم يكن هناك دور للحكومة”.

في رحلة ثانية لجمع “الذهب الأبيض”، وهو الاسم الذي عُرف به القطن في عصر مجده، وتحديدا في قرية بمركز الباجور بمحافظة المنوفية(شمال)، تشابهت مخاوف مزراع ثان تلاحقه هواجس وداع مرير لمحصول القطن.

المزارع حمدي الباجوري (ستيني) يقول “استأجرت هذا الفدان منذ 35 عاما كنت أزرعه قطنا وقمحا، والآن أقوم بزراعة ربع المساحة بالقطن والباقي بالذرة كغذاء للمواشي”.

وأضاف “العام القادم لن أزرع القطن مرة أخرى وسأستبدله بأى محصول آخر؛ فلا توجد متابعة من الجمعيات الزراعية ولا يوجد إرشاد زراعي يتابع الإنتاج وعمليات المكافحة والمقاومة لخدمة التربة والمحصول.

وتابع “أيام زمان كان الفدان ينتج على الأقل 12 قنطارا ونهاية شهر أكتوبر تخزنه الحكومة ونحصل على المقابل المالي، لكن الآن ترك الموضوع للتاجر يتحكمون فينا وفي سعر القطن”.

الوسطاء تحكموا بزمام المحاصيل

ويتابع “أصبحت الأرض عبئا على الفلاح ولابد من عودة دعم الدولة للفلاح بتوفير المبيدات والرعاية الجيدة والتسويق الفوري للمحصول”.

إمام الجمسي، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية (حكومي) يعود بالذاكرة إلى بعد عام 1805، حيث كان يزرع المصريون القطن أيام الحاكم محمد علي وحتى قبل ثورة 1952، وكان يمثل القطن المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، ونسبة العمالة كانت فيه عالية جدا، والتصنيع المصري كان قائما عليه، وكان هو المحرك الرئيس للمجتمع الحضري والريفي.

ومتطرقا إلى تاريخ تراجع زراعة القطن بمصر، يقول الجسمي “بعد 1952، لم يكن الاهتمام بالقطن وحده، وفي 1981 وصلت مساحة القطن المزروعة مليونا وربع مليون فدان، لكن بدأ الانخفاض التدريجي للتجار من 1991 حتى عام 2000، فوصل إلى 655 ألف فدان، وتواصل الانخفاض في عام 2008/ 2009 حتى وصل إلى 280 ألف فدان، والآن بين 250 و300 ألف فدان.

وتابع “كنا ننتج عام 1891 من القطن 568 ألف طن، ووصل في 2009 إلى 106 آلاف طن”.

وأضاف “لابد من دعم الحكومة للمحصول باستمرار، مثلما يفعل العالم”، منتقدا مقولة حكومية: هل نستمر في الدعم؟، مجيبا “نعم تبقي على دعم القطن، لأنه محصول هام وكل دول العالم تدعمه فيكف نتركه نحن؟”. وأشار إلى أن “الذهب الأبيض بمصر روح توشك أن تصعد للسماء، وهذه عبارة دقيقة جدا لحال قطن مصر”.

20