الذهب الأخضر يقضي على أزمة البطالة في قرية مصرية

يتعامل المصريون مع الملوخية باعتبارها طعاما له مكانته الخاصة بسبب طعمه الفريد حتى أنهم أطلقوا عليها لقب “التشريفة”، وزادت مكانتها مؤخرا عند أهالي قرية جردو بالفيوم (جنوب غرب القاهرة) بعد أن استطاع أهالي القرية التخصص في زراعتها والقضاء على البطالة وتصدير المحصول إلى دول كثيرة.
السبت 2017/10/28
مشاركة نسائية

الفيوم (مصر) – تقع على بعد مئة كيلومتر من القاهرة وفي قلب محافظة الفيوم التي طالما عُرفت بارتفاع نسب البطالة والفقر فيها، قرية جردو الصغيرة ذات الـ79 ألف نسمة، كأيقونة متوهجة بين القرى المجاورة بعد أن أصبحت بلا بطالة وتخصص سكانها في زراعة وتصدير نبات الملوخية.

ولا تختلف جردو للوهلة الأولى عن غيرها من قرى الفيوم؛ بيوت صنعت من طوب أحمر ولبن، وطرقات متعرجة لم تأنس برفيق، تسير حذوها قنوات وترع مائية تسقي أراضيها الخضراء الشاسعة. وعند الاقتراب من القرية تبدو الملامح متغيرة؛ حقول مزروعة بنوع واحد من النبات قد تشابهت في أركان القرية وحول البيوت، وكل من فيها يعمل بلا هوادة، النساء يجلسن متجاورات ويقطفن الزرع، والرجال يحرثون الأرض والأطفال والشباب يتسلقون أماكن عالية لتجفيف أوراق الملوخية.

ويبلغ سعر طن الملوخية أو “الذهب الأخضر” كما يحلو لأهل القرية أن يطلقوا عليها، ثلاثة آلاف دولار أميركي.

ويدر مشروع زراعة الملوخية دخلا كبيرا على أهل القرية، التي يعمل فيها نحو 60 بالمئة من نسائها في “التقطيف”، أي فصل أوراق النبات عن الساق، ثم التجفيف، والتعبئة.

أما الرجال والأطفال فدورهم يقتصر على زراعة النبات بالحقول بدءا من منتصف شهر أبريل وحتى منتصف أكتوبر، ثم يتم جمع المحصول عن طريق آلة حادة تسمى “المحشّ”، ينقل بعد ذلك من الحقول إلى مرحلة التجفيف ليتم تحويله إلى المخازن لتنظيفه من الشوائب وتعبئته في أكياس بلاستيكية مقسمة حسب الوزن، توضع في صناديق من ورق الكرتون، ومن ثم إلى السيارات المخصصة لعملية التصدير وتعرف لديهم بـ”الكونترات”.

اشتهرت مصر بزراعة نبات الملوخية منذ زمن طويل، وعُرف في مصر القديمة ورسمه الفراعنة على جدران معابدهم، فاسم الملوخية مشتق من كلمة “منوح” أو “منح”، وهي فرعونية الأصل ثم تحولت في اللغة القبطية إلى “مولوكيا”.

وتقول بعض المصادر التاريخية إن الحاكم بأمر الله، الذي حكم مصر في عهد الدولة الفاطمية في القرن الحادي عشر الميلادي، أصدر أمرا بتحريم أكل الملوخية على عامة الناس، وألا يأكلها إلا الأمراء والملوك فقط، ويقال من هنا تمت تسميتها بالملوكية ثم حرفت إلى ملوخية.

قرية جردو تضم أكثر من 26 مشروعا لتجفيف وتعبئة الملوخية ولا يحتاج كل منها إلا لقطعة أرض

دورة الزراعة

يوجد في قرية جردو أكثر من 26 مشروعا لتجفيف وتعبئة الملوخية، وقال عشري جاب الله أحد أصحاب تلك المشاريع، لـ”العرب”، إنه بدأ المشروع منذ أكثر من 25 عاما، ويوفر من خلاله الكثير من فرص العمل لأهل القرية والقرى المجاورة، مؤكدا أن ربح المشروع جيد من الناحية المادية.

ووقف جاب الله وسط قطعة أرض واسعة خلف منزله، مشيرا إلى أقفاص من جريد النخل متراصة تجفف فوقها أوراق نبات الملوخية الخضراء، وتستغرق عملية التجفيف أربعة أيام على أقصى تقدير.

ولفت إلى أن زراعة الملوخية تبقى بالحقل 70 يوما وتتميز ورقة النبات بحجمها الكبير، ويسمى هذا النوع بـ”الملوخية الصعيدية”، وهذا النوع مطلوب للتصدير إلى الخارج، وهو يختلف عن الملوخية العادية ذات الحجم الصغير والشائع استخدامه في مصر.

ولا يحتاج المشروع أكثر من قطعة أرض توضع بها أقفاص مصنوعة من جريد النخل ثم توزع أوراق الملوخية الخضراء بعد عملية نزع أوراقها عن أفرع النبات، وتسمى بعملية “التقطيف” والتي تقوم بها النساء، ثم تترك أربعة أيام لتجف، ومخزن صغير يكون غالبا عند مدخل بيت ريفي تجتمع فيه النساء لتنظيف أوراق الملوخية الجافة من الحشائش.

وتأتي بعدها مرحلة تعبئة أوراق الملوخية الجافة بحسب الوزن الذي يطلبه المستورد، وتبدأ من 5 كيلوغرامات، ثم كيلوغرامين، وهناك عبوة نصف الكيلوغرام، انتهاء بعبوة 200 غرام.

وتبيع القرية الملوخية المجففة فقط، أما الخضراء الطازجة والتي تعبأ محفوظة في أكياس للطبخ السريع فليست من اختصاصهم، وتهم شركات تعبئة المواد الغذائية بالقاهرة.

فاطمة فلاحة خمسينية تعمل في مشروع تجهيز الملوخية للتصدير، وهي تعيل أربعة أطفال يعمل معها اثنان منهم، مثلها في ذلك مثل فلاحات كثيرات بالقرية والقرى المجاورة حيث يقمن بإعالة أسرهن من المبالغ التي يحصلن عليها مقابل عملهن في المشروع، ويكون أجرهن اليومي حسب إنتاج كل منهن، لذا فإن للوقت حسابا لديهن.

قالت فاطمة لـ”العرب” وهي منهمكة في تنقية كومة كبيرة أمامها من أوراق الملوخية الجافة من الحشائش، وصندوق من ورق الكرتون تضع فيه الملوخية، إنها تتقاضى عشرة جنيهات (نصف دولار تقريبا) عن الصندوق الواحد ما يوفر لها مبلغا شهريا كافيا لأسرتها، وهي العائل الوحيد لأسرتها بعد أن توفي زوجها، إنها تعمل بالمشروع منذ 3 سنوات وتقضي نحو 7 ساعات يوميا في العمل.

وأضافت “جاءت الملوخية علينا بكل خير، فلم تعد فقط طعاما نحبه ونجتمع عليه لتناوله، ولكنه مصدر رزق وباب للمال يوفر لنا حياة كريمة بعد أن كانت القرية في السابق تعج بالفقراء والشباب العاطل”.

مشكلات كثيرة

وفرة وحرفية

تصدر الملوخية من جردو إلى العديد من الدول العربية، منها لبنان وتونس والإمارات، ودول أوروبية على رأسها ألمانيا وإيطاليا واليونان وتركيا، لكن القرية تواجه عدة مشاكل، أبرزها قلة حصص الفلاحين من مياه الري المخصصة من قبل المحافظة وعدم تمهيد الطرقات المؤدية إليها.

وأوضح علي سعد صاحب أحد المشروعات لـ”العرب” أن أسرته تعمل في تجفيف وتجهيز الملوخية منذ عهود طويلة وأنه ورث هذا العمل حبا فيه. وقال “نعاني من نقص المياه التي يحتاجها النبات كما أن الطرقات المؤدية إلى القرية حالتها سيئة جدا ما يؤدي إلى هروب بعض المستوردين الذين يأتون بالشاحنات الخاصة بهم لنقل الملوخية إلى القاهرة ومنها إلى الجمارك ثم تصديرها إلى الخارج”.

ولفت إلى مسألة أخرى خاصة بالتصدير، هي أن شركات الاستيراد والتصدير تحقق ربحا مرتفعا من وراء هذا المشروع رغم أنها تأخذ النبات جاهزا معبأ مقابل ثلاثة دولارات أميركية للطن الواحد، في الوقت الذي لا يتقاضى صاحب المشروع بالقرية سوى هامش ربح زهيد، وهو الذي ينفق على شراء المحصول من الأرض، ودفع أجور العمال، بما يعادل 75 بالمئة من الربح الكُلي.

وأشار سعد إلى أن فكرة إنشاء شركة استيراد وتصدير للملوخية من أصحاب المشاريع أنفسهم بالقرية عملية صعبة جدا وتواجهها مشكلات كثيرة، على رأسها الوقوع في فخ النصب من قبل الوكلاء الذين سيتسلمون الملوخية في الخارج، وليس مضمونا أن يدفعوا مقابلها، إضافة إلى أنه في حالة أن أصبح البنك ضامنا ووسيطا في عملية التصدير فسوف يتقاضى عمولة كبيرة أو فائدة بنكية تزيد من تقليص هامش الربح.

ورغم المعوقات التي تواجه عملية تصدير أهل القرية للملوخية بأنفسهم إلى الخارج، إلا أن هناك شابين اجتهدا وعكفا على نيل 20 دورة تدريبية في كيفية التصدير والتعامل مع الزبون في الخارج حتى يمكنهما إجراء الصفقات بنجاح.

قال رجب أحمد، أحد أصحاب شركة التصدير الجديدة وهو حاصل على بكالوريوس تجارة، إن عمله مع شريكه بدأ منذ عام فقط، وصدّرا إلى تركيا وألمانيا وسويسرا بالفعل بسعر أقل مما يدفعه المستوردون الآخرون لأهل القرية، آملا في نجاح مشروعهما مستقبلا وبسعر أعلى.

وأضاف أحمد (25 عاما) لـ”العرب”، أنهما استطاعا الوصول إلى مستوردين في الخارج عن طريق شبكة الإنترنت، مؤكدا أنهما نجحا في أن يحوزا على ثقة أهل القرية، ويشتريا منهم محصول الملوخية ثم يقومان بتجهيز النبات بكافة المراحل السابقة، وصولا إلى مرحلة التصدير دون حاجة لأي وسيط.

وأوضح أن القرية صنعت سمعة عالمية في زراعة صناعة الملوخية وأصبحت ملوخية القرية مطلوبة من أشخاص يعيشون في الخارج، وأطلقوا عليها “ملوخية الفيومي” بعد أن قدمت جودة تفوق أي شركة أو مزرعة أخرى.

وطالب محمد حسن مدير مكتب بريد بالقرية، عشاق زراعة الملوخية ومسؤولي الري بالتدخل لحل أزمة المياه حتى لا تتحول جردو من قرية منتجة ونموذج إنتاجي، إلى قرية نمطية لا تعرف غير المحاصيل التقليدية التي يمكن أن تروى بمياه الصرف الصحي فتؤثر على صحة الإنسان والماشية.

وناشد حسن المسؤولين التدخل لإنقاذ قرية تعتمد على مساحة أرض محدودة لإنتاج تتعدى فوائده حدود القرية وتصل إلى خزانة الدولة، حال الاهتمام به.

ومع أن العمل بالقرية بعيد عن أي مساعدات حكومية ويتم بجهود ذاتية للأهالي، فإن الحكومة المصرية أشادت مؤخرا بمشروعات القرية التي قضت على البطالة فيها ومن الممكن أن تكون بداية لحل أزمة البطالة المتشعبة.

تصوير محمد حسنين

20