الذهب النووي مصدر صراع جديد في الشرق الأوسط

يحذّر الخبير بينيت رومبرغ، في دراسة صدرت عن مجلة “شؤون خارجية” الأميركية من أن خطرا يهدّد المنطقة، على المدى البعيد، يأتي من جراء بناء المفاعلات النووية التي يمكن أن تكون أهدافا للمسلحين الذين ينتشرون في المنطقة، مما قد يؤدي إلى كارثة مثل كارثة مفاعل تشيرنوبل أو فوكوشيما، خاصة مع ضعف القدرات العسكرية في الشرق الأوسط على مواجهة مثل هذه الهجمات.
السبت 2015/06/06
مفاعل ديمونة الإسرائيلي خطر يتهدد الشرق الأوسط

لندن- تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع سباق جديد، بين القوى الكبرى، من أجل الحصول على الذهب؛ لكن هذا الذهب، لا يتعلّق هذه المرّة بمبيعات الأسلحة أو النفط، بل هو ذهب نووي، مصدره بيع المفاعلات النووية، التي بدأت في سياق مشاريع سلمية لكن من الممكن أن تتطوّر إلى مشاريع عسكرية نووية.

ويرصد الخبير الأميركي بينيت رومبرغ، في دراسة صدرت عن مجلّة “شؤون خارجية” بوادر انتشار حمى بناء المفاعلات النووية في الشرق الأوسط. ويشير رومبرغ، الذي شغل منصب محلل السياسات في مكتب الشؤون السياسية العسكرية في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، إلى أن روسيا تحتلّ الصدارة في مجال بيع المفاعلات النووية في المنقطة.

فبعد بنائها أول مفاعل نووي لتوليد الطاقة في المنطقة، هو مفاعل بوشهر الإيراني، من المنتظر أن تبدأ موسكو في بناء أربعة مفاعلات في تركيا. كما أبرمت روسيا اتفاقيات مع كل من الجزائر ومصر وإيران والأردن، بإضافة إلى سعيها لدخول السوق السعودي.

لذلك، تسعى دول رائدة في هذا المجال إلى تعويض ما فاتها، حيث تعاقدت كوريا الجنوبية على بناء أربعة مفاعلات في الإمارات، التي من المتوقع أن يبدأ تشغيلها بحلول عام 2017. وتسعى دول مثل الأرجنتين وكندا والصين واليابان والمملكة المتحدة إلى إبرام اتفاقيات لبناء مفاعلات أو توفير قطع غيار أو خدمات.

واشنطن لا يمكنها أن تدخل سوق بناء المفاعلات النووية بالمنطقة بسبب دستورها مما يتيح فرصة أكبر لروسيا

أما الولايات المتحدة، التي تخضع لنص المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، والذي ينص على ضرورة التزام المستفيدين من الطاقة النووية بمعاهدة حظر انتشار السلاح النووي أو نقل المواد النووية أو المعدات أو المكونات، فتجد نفسها مقيدة أكثر في مجال دخول تلك الأسواق؛ لكنّ رغم ذلك أعلنت غرفة التجارة الأميركية أن ثلاث شركات تسعى إلى بناء مفاعل في السعودية.

وبشكل عام، هناك نوعان من المفاعلات النووية، عسكري وسلمي. ومن حق أي دولة أن يكون لها مفاعلات في المجال السلمي. لكن بينيت رومبرغ، يؤكّد، كغيره من الخبراء، أن الوعود باستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية تتبدد مع وجود مخاطر أمنية عند بناء مفاعلات نووية في الشرق الأوسط. ويكمن هذا الخطر في إمكانية أن تتحول تلك المفاعلات إلى أهداف للجماعات المسلحة، مما قد ينتج عنه كارثة مشابهة لكارثتي تشيرنوبل أو فوكوشيما.

عمق هذا الخطر

عند دراسة عمق خطر بناء مفعلات نووية في الشرق الأوسط، أو في أي مكان آخر في العالم، تتصدّر تهديدات التنظيمات الإرهابية قائمة هذه الأخطار خاصة وأن الشرق الأوسط شهد من قبل هجمات على مفاعلات نووية.

المفاعل النووي الكوري
لكن لحسن الحظ لم تنجح تلك الهجمات، على غرار شن العراق غارات متكررة على مفاعل بوشهر خلال حربه مع إيران، وتدمير إسرائيل لمفاعلين في العراق وسوريا في العامين 1981 و2007 على التوالي، وتدمير مفاعلات قيد الإنشاء. أما العمل العسكري الوحيد الذي استهدف مفاعلا نوويا قيد التشغيل فكان الهجوم ضد مفاعل ديمونة الإسرائيلي، حين تعرض للقصف من جانب العراق وحماس في العامين 1991 و2014.

ويصف بينيت رومبرغ المفاعلات النووية بأنها أهداف جذابة، حيث هدّد حزب الله بقصف مفاعل ديمونة حال اندلاع الحرب بينه وبين إسرائيل. واستنادا إلى الدمار الذي أحدثه ظهور تنظيمات شبيهة بتنظيم الدولة الإسلامية، فإنه لا يمكن إنكار مدى عمق التهديد وجدّيته بمحاولة شن هجمات على مفاعلات نووية. ونظرا لتباين مستوى الجيوش في الشرق الأوسط، يعتبر رومبرغ أن حماية المفاعلات أمر غير مضمون.

وفي حال هاجم الإرهابيون مفاعلا نوويا في منطقة الشرق الأوسط، فإن انتشار الغبار النووي يبقى رهين تماسك أنظمة الاحتواء الخاصة بالمفاعل وقدرة طواقم الطوارئ على الحد من الانبعاثات الذرية، التي تعد من أصعب المهام التي تواجه الدول الأكثر تقدما على غرار ما حدث مع اليابان في فوكوشيما.

وفي حال واجهت المنطقة نقصا حادا في الطاقة ربما تظهر حاجة لخوض المخاطر الأمنية المترتبة على بناء مفاعلات نووية. فالدول الغنية بالنفط والغاز، مثل الجزائر والسعودية وغيرها، تواجه نقصا في الوقود الأحفوري. لكن ثمة بديل أكثر فاعلية لدى دول الشرق الأوسط والمتمثل في الطاقة الشمسية.

سعي إيران لامتلاك السلاح النووي يدعم حقّ دول المنطقة في أن يكون لها أيضا برنامج نووي عسكري

الطاقة الشمسية تكتسب زخما

تعتبر الطاقة الشمسية قطاعا متناميا على الصعيد الداخلي بالنسبة إلى الدول مثل الإمارات والمغرب والجزائر. ففي عام 2013، افتتحت الإمارات ما كانت تعد حينها أكبر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في العالم. بدورها، تعهدت كل من مصر والأردن بالتمدد سريعا في استخدام الطاقة الشمسية.

وتخطط السعودية لإنتاج ثلث احتياجاتها من الطاقة عن طريق الشمس بحلول عام 2040. لكن الرياض تخطط إلى بناء حوالي 18 مفاعلا نوويا. ويصبح من الصعب إيجاد مبرر لبناء هذا الكم الهائل من المفاعلات النووية، خاصة وأن بناء محطات الطاقة الشمسية أصبح أمرا أكثر فعالية ويكلف أقل بكثير من بناء المحطات النووية.

لكن، الأمر يتعدّى مسألة توفّر البدائل، إلى مسألة الأمن القومي، حيث يؤكّد الخبراء أن سعي إيران لامتلاك السلاح النووي يدعم حقّ دول المنطقة في أن يكون لها أيضا برنامج نووي عسكري، وفي حال امتلكت إيران، هذا السلاح، الذي سبق وأن امتلكته إسرائيل، لن يكون أمام المجتمع الدولي إلاّ الرضوخ أمام مطالبات دول المنطقة الأخرى في امتلاك السلاح النووي، وتهديد المنطقة بحرب نووية مدمّرة على المدى البعيد.

ويختتم بينيت رومبرغ دراسته داعيا صنّاع القرار في الشرق الأوسط إلى مراجعة خططهم والتفكير ثانية في ما إذا كان التعاون مع روسيا في مجال بناء المفاعلات النووية أمرا يستحق المخاطرة قبل أن تتكاثر المفاعلات النووية في المنطقة.

7