الرأي والعقيدة

الخميس 2016/09/15

باستياء عارم قابل الإيطاليون رسوم الكاريكاتير الأخيرة لشارلي إبدو التي جاءت تعقيبا على زلزال مدمر أزهق أرواح قرابة ثلاثمئة شخص في بلدة أماتريتشي، وشبهت فيه الضحايا بطبق “لازانيا”. وقد شمل الاستياء إيطاليا كلها، بجميع مكوناتها، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في وسائل الإعلام، أو في الوسط السياسي، إذ تحولت إلى قضية رأي عام، ما جعل سفارة فرنسا في روما تصدر بيانا رسميا تتبرأ فيه من الجريدة، وتقول في ما يشبه الاعتذار إن شارلي إبدو لا تعبر عن الموقف الفرنسي من الكارثة الأليمة التي أصابت الشعب الإيطالي.

وبرغم استنكار جميع الأوساط، لم تصدر من الإيطاليين دعوة إلى الثأر لأرواح الضحايا، ولا فتوى تبيح سفك دماء الرسام وزملائه، فوزير العدل اكتفى بنعت الرسوم بالمقززة، ورئيس مجلس الشيوخ، أقر باحترامه حرية التهكم، وأعرب عن امتعاضه، وحقّه في اعتبار الرسوم مثيرة للاشمئزاز. بل إن الصحف الكبرى تساءلت إلى أي مدى يمكن الحديث عن حرية التعبير، إذا انعدمت القيم الأخلاقية، وغدت أرواح البشر وآلام أقربائهم مدعاة إلى السخرية. حتى مدير إحدى الصحف الساخرة احتج على الرسوم بشدّة “صحيح أن الغباء يمكن أن يحمل معنى، ولكن المعنى معدوم في هذه الحالة. نحن أمام إرادة الإساءة بغير سبب. وهذا ليس غباء، بل تعمّدُ الغباء بغرض الإيذاء”. فيما ردّت صحيفة “إلتمبو” بكاريكاتير يظهر جهاديّا يقوّض بسلاحه قسم التحرير بشارلي إبدو تحت عنوان “تتريّ على الطريقة الباريسية” (والتتريّ هنا هو طبق لحم مخذّع يؤكل نيئا) مع تعليق “أعزاءنا الفرنسيين، هل يثير هذا الكاريكاتير ضحككم؟”.

لم تقطع العلاقات بين البلدين، ولم يخرج الناس لتخريب المؤسسات كما فعل الباريسيون عند عرض شريط “غواية المسيح الأخيرة” قبل أعوام، لأن المسألة في النهاية لا تتعدى رأيا أخرق لبعض السفهاء لم يراع حرمة الموتى ولا مصاب أهاليهم، ولكنها لم تلمس الجوهر أي العقيدة. والفرق بين الرأي والعقيدة هو أن الأول فكري صرف، قد يكون فيه المرء مواليا لهذا الشقّ أو ذاك، فيحتج إذا ما تعرض أحدهما للاستهزاء، وقد يتألم، ولكنه لا يلبث أن يطرد ذلك من ذهنه، لكونه موقفا صادرا عن مناوئ أو حاقد أو أحمق لا يراعي ما يسميه الفيلسوف الفرنسي جان كلود ميشيا “الدماثة المشتركة”، ولا يمكن بالتالي أن يعتدّ به، ما دام نصيره ثابتا لا يريم. بخلاف العقيدة، التي تمس هويته وعمق وجدانه. فـ”الرأي، كما يقول ريجيس دوبري، يمكن تفنيده، أما العقيدة فإنها تُجرَح”.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15