الرؤية الإبداعية والممارسة الجمالية في تجربة علي جعفر العلاق

الجمعة 2015/01/09
شعر العلاق يتكئ على شبكة من المرجعيات، يستقطبها الشاعر ويشتغل عليها تناصيا

بيروت - من إعداد وتقديم ومشاركة الناقد محمّد صابر عبيد وإسهام نخبة من النقاّد والأكاديميين، صدر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، في بيروت، كتاب بعنوان “تجلّيات النصّ الخلّاق” ويرصد تجربة الشاعر والناقد والأكاديميّ علي جعفر العلّاق، الذي هو دائما في موضع رصد وإغراء قرائيّ مستمرّ لا يتوقّف، وذلك لما تتمتّع به تجربته من ثراء وغنى وحيوية وتطوّر وإدهاش. يقع الكتاب في 276 صفحة من القطع الكبير.

علي جعفر العلاق مبدع على نحو يغري بمتابعة نصوصه وقراءتها ومعاينتها والتفنّن في قراءتها وتحليلها، إذ شاءت نخبة من النقّاد والأكاديميين الاحتفاء بتجربته المتقدّمة على أكثر من صعيد، وتقديم قراءات نقدية جديدة وجادّة تسلّط الضوء على مفاصل ومسارات أخرى ربّما لم تكشفها الدراسات السابقة، أو أنّها لم تثرها على نحو ما.

ولعلّ التدقيق في طبيعة المعالجات النقدية المتعددة والمتنوعة التي ضمّتها هذه القراءات يكشف عن رؤيتين نقديتين عامّتين سارت فيهما على صعيد الرؤية والمنهج، الأولى تشكيلية اهتمّت كثيرا بالبعد الفنيّ الجماليّ التشكيليّ في تمظهراته المختلفة، وهو ما يُعنى به العلّاق كثيرا في تجربته، منها ما اشتغل على مفصل تشكيليّ دراميّ وقارب “الديكور الشعريّ في قصائد العلّاق”، ومنها ما بحث في طبيعة البنية التركيبية لأنموذج حيويّ من نماذجه الشعرية “جماليات القصيدة المركّزة في شعر علي جعفر العلّاق: القصيدة ـ الصورة أنموذجا”، ودراسة أخرى تفاعلت مع نصوصه في رؤية أسلوبية قاربت “بلاغة الاستفهام في شعر علي جعفر العلاّق”. وأخرى عالجت نصوصه معالجة بلاغية في إطار رؤية ذوقية مهيمنة “فن الاستعارة في قصائد الشاعر علي جعفر العلاق”، في حين ذهبت القراءة الأخرى نحو معالجة سردية لنصوصه “مكوّنات السرد في بنية القصيدة العربية الحديثة: أنماط الراوي في نماذج من شعر علي جعفر العلاق”.

علي جعفر العلاق مبدع على نحو يغري بمتابعة نصوصه وقراءتها ومعاينتها، والتفنن في قراءتها وتحليلها

كشف هذا البعد الفنيّ الجماليّ عن حيوية النصّ العلّاقيّ واستجابته لكلّ هذه الآليات المتنوعة في رصد الظاهرة الشعرية من وجهة نظر جمالية فنية، تتوسّل بالإجراءات النقدية العاملة في حقل الشعرية على مناح مختلفة، وتعطي إلى هذا النصّ قدرته على التجاوب مع الحساسيات الفنية والجمالية في أرقى صورها.


البعد الرؤيوي والمرجعي


أمّا الرؤية النقدية الثانية في الكتاب فقد تحرّت البعد الرؤيويّ والمرجعيّ لما ينطوي عليه شعر العلّاق من اتكاء حيّ مُنتج على شبكة هائلة من المرجعيات، يستقطبها الشاعر ويشتغل عليها رؤيويا وتناصّيا بطريقة تنتج الراهن والقادم من رحم الذاكرة، ويأتي كلّ ذلك في استثمار مكنونات المرجع في سياق بنائيّ حديث يعمل على توظيف طاقات فنون أخرى.

وتأتي قراءة “صراع الشخصيات الواقعية والتاريخية والأسطورية في شعر العلاق” وقراءة “مرجعيات العلاق الشعرية الأسطورية والدينية”، على نحو متضامن لتعرّف بهذا البعد المعرفيّ والفنيّ والثقافي في تجربة العلّاق، وربما تدخل في البعد نفسه قراءة “البحث عن الذات، دراسة في شعر علي جعفر العلاق”، وهي تروم التوصّل إلى تجربة الذات الشاعرة من وحي هذه المرجعيات وغناها، وتؤسس لقضية الذات الشاعرة وهي تنفتح على الآخر بأشكاله وصوره وتجلياته المختلفة والمتباينة من أجل إثرائها وتخصيبها.

شبكة هائلة من المرجعيات


شعرية الحداثة


إذا كان علي جعفر العلّاق شاعرا أسهم على نحو أصيل في التجربة الشعرية العربية الحديثة منذ ستينات القرن الماضي، وكان أحد فرسانها البارزين والمميزين، فإنّه واكب الحركة النقدية العربية الحديثة المرافقة لهذه التجربة الشـــعرية منذ تطلعاتها الأولى أيضا.

وجاء البحث الأخير في هذا الكتاب كي يقارب أحد كتب العلّاق المهمة في الميدان النقديّ، فقارب الفضاء النقديّ عند العلّاق على صعيد الرؤية والمنهج وأسلوبية الكتابة، بما يجعل من الشخصية الإبداعية له شخصية متكاملة تنطلق من حدود الشاعر إلى حدود الناقد ومن حدود الناقد إلى حدود الشاعر، في دورة إبداعية تضيف إلى ممكناتها الإبداعية الجديد والمختلف دائما.

قد تجيب قراءات هذا الكتاب عن بعض من أسئلة العلّاق الشعرية في إطار تجربة ثرية امتدت أكثر من أربعة عقود، شهدت الكثير من التطورات الثقافية والفنية والفكرية على مستوى الذات الشاعرة للشاعر من جهة، وعلى مستوى التجربة الشعرية العربية الحديثة من جهة أخرى، على نحو يؤكّد عميقا أصالة تجربة الشاعر علي جعفر العلّاق وحيويتها وانفتاحها وتطورها وقابليتها دائما لقراءات ترصد التحوّلات المحسوبة بدقة في جوهر التجربة، وهي في النهاية تحية محبّة واعتزاز وإشادة من المسهمين في الكتاب لصديقهم الكبير الشاعر والناقد والأكاديميّ المبدع علي جعفر العلّاق، تتجلّى في فضاءات نصّه الخلّاق والمميز وتضـع اشتغالاتها النقدية في المسافة الشعرية الخصبة بين الرؤيـــة الإبداعيّة والممارسة الجماليّة. أسهم في الكتاب محمد صابر عبيد ومحمد جواد حبيب البدراني وعبدالغفار عبدالجبار الدليمي وعبدالله حسن جميل وسوسن البياتي وعلي صليبي المرسومي ومحمد جواد علي ومصطفى مزاحم ونرجس خلف أسعد.

14