الرؤية الجزائرية للصراع في ليبيا.. تحديات تستوجب تعديل البوصلة

أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الجزائري عبدالقادر مساهل، عقب جلسة مباحثات عقدها الوزيران في القاهرة الأربعاء، أن الحل السياسي القائم على اتفاق الصخيرات هو الحل الوحيد للأزمة في ليبيا. وشددا على ضرورة تنسيق المواقف بين مصر والجزائر باعتبارهما دول جوار مباشر لليبيا والأكثر تأثرا بتدهور الأوضاع فيها، منوهين بأن استقرار ليبيا هو ضمان لأمن واستقرار البلدين.
الخميس 2017/08/03
الملف الليبي يخرج من بين يدي الجزائر

القاهرة – يجبر النشاط الدبلوماسي متعدد الأطراف، بشأن الأزمة في ليبيا، الجزائر على التحرك ومحاولة إيجاد موطئ قدم يضمن لها استمرارية دورها في مباحثات ومبادرات حل الأزمة، ويحمي علاقتها بدولة الجوار التي تمثّل عمقها الأمني والاستراتيجي، مهما كانت النتيجة التي سينتهي إليها الصراع الدائر حاليا بين ثلاث حكومات على الحكم والشرعية في ليبيا، اثنتان منها في العاصمة طرابلس (غرب)، وهما الوفاق والإنقاذ، إضافة إلى الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء (شرق)، المنبثقة عن برلمان طبرق.

وتقرأ زيارة وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل إلى مصر خارج هذا السياق حتى وإن لم تحمل الزيارة مبادرة لتسوية الأزمة الليبية، على حد تعبير المسؤول الجزائري، الذي أكد من القاهرة، أن بلاده مع “جيش وطني موحد في ليبيا ونظام مدني مؤسسي وكذلك دعم آلية التشاور والتنسيق في الجامعة العربية”.

وتأتي زيارة مساهل ضمن جولة تضم 9 دول بينها البحرين وقطر والكويت، تحمل عددا من الرسائل للقادة العرب من الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والاستماع لرؤيتهم حول التحديات التي تواجه الدول العربية والتي لم يعد بإمكان الجزائر النأي بنفسها عنها.

مراجعة ضرورية

شهدت العلاقات المصرية الجزائرية توترا على خلفية تباين في الرؤى أساسا بخصوص الملف الليبي. وفي بداية الأزمة، خصوصا عندما كانت مصر غارقة في تداعيات ثورة 30 يونيو وإسقاط نظام الإخوان، أمسكت الجزائر بزمام الأمور في الملف الليبي. وتستقبل، منذ عامين، وبوتيرة شبه متواصلة، وفودا رسمية وسياسية وعسكرية ليبية، من مختلف التوجهات، في إطار وساطات لحل الأزمة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة. ولولا الاختلافات العميقة بين الأطراف الليبية لتمكنت من فرض رؤيتها للحل المستمدة من تجربتها في مواجهة الإرهاب وتطويع تيار الإسلام السياسي بما يخدم السياسة العامة للدولة.

لكن، دفعت التطورات المحيطة بالملف الليبي والدخول المصري، دبلوماسيا وعسكريا، على الخط، الجزائر إلى مراجعة تصوراتها في ما يخص الصراع في ليبيا. وبدا واضحا من خلال لقاء عبدالقادر مساهل ونظيره المصري سامح شكري أنه رغم التباين النسبي السابق في الموقفين المصري والجزائري بشأن بعض تفاصيل الأزمة الليبية، التقت القاهرة والجزائر على قاعدة واحدة، هي الرفض التام لأي تدخل أجنبي، ووضع الحل في يد الليبيين بعيدا عن مساندة طرف على حساب آخر.

وقال سامح شكري، عقب لقائه مع عبدالقادر مساهل بالقاهرة “هناك تطابق شديد في وجهات النظر بين البلدين تجاه الأزمة الليبية”، ما يقطع الطريق على تكرار الحديث أن الجزائر ممتعضة من التدخلات المصرية، السياسية والأمنية والاجتماعية، بعد اتخاذ سلسلة من التدابير الحاسمة لمنع تهديد الأمن القومي لمصر من جهة ليبيا.

ولم يحظ الاتفاق الذي وقعه المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي وفايز السراح رئيس المجلس الرئاسي في فرنسا بدعم حقيقي من قبل دوائر إقليمية كثيرة، رأت أنه محاولة من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون للاستعراض السياسي أكثر منه مبادرة جادة للتسوية، وتوقع له كثيرون صعوبة تنفيذ بنوده التي تتعارض مع مصالح قوى محلية وبعض دول الجوار الليبي. ولا يزال اتفاق الصخيرات الذي جرى التوقيع عليه في المغرب منذ نحو عام ونصف العام الحل الوحيد المقبول في ليبيا، من وجهة نظر دول الجوار.

القاهرة والجزائر تلتقيان على قاعدة رفض التدخل الأجنبي ووضع الحل في أيادي الليبيين بعيدا عن مساندة طرف دون آخر

وأوضح سامح شكري أن البلدين متمسكان بالحل السياسي، وأن ثمة تعاونا وثيقا وتنسيقا كاملا وشفافية في كل الجهود المشتركة للتسوية السياسية ومواجهة الإرهاب. وتأكيدا لرفض التدخلات الخارجية، قال مساهل إن حل الأزمة لا بد أن يكون “ليببا – ليبيا”، والشعب قادر على حل أزمته، ويمتلك القدرات اللازمة للحل دون تدخلات خارجية.

وقال هاني خلاف، سفير مصر سابقا في ليبيا، إن الحديث عن تكرار رفض أي تدخل خارجي في ليبيا الآن يعكس غضب السلطات الجزائرية من قيام فايز السراج مؤخرا بالتنسيق مع الجانب الإيطالي لإرسال قوات لحماية السواحل الليبية، مشيرا إلى أن الجزائر تريد أن يكون لها تقارب أوسع في الرؤى مع مصر لحاجتها لقناة اتصال جيدة مع المشير خليفة حفتر.

يبدو التلاقي المصري–الجزائري حول الأزمة الليبية ضمن إطار شامل لمكافحة الإرهاب في المنطقة، الذي احتل حيزا مهما في المباحثات التي أجراها مساهل في القاهرة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي وزير الخارجية سامح شكري. وكان الاتفاق ظاهرا حول تعزيز التواصل بين البلدين على مستوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للحد من مخاطر الإرهاب. وحذر مساهل من عودة المقاتلين الأجانب الذين اعتادوا الانضمام إلى التنظيمات الإرهابية، وقال إنهم الأخطر في الوقت الراهن، لأن بلاده عاشت أياما صعبة في تسعينات القرن الماضي، ولا تأمل أن تعيش أي دولة كما عاشت الجزائر. وشدد السيسي في غالبية تصريحاته الخاصة بليبيا على التحذير من مغبة عودة المقاتلين التابعين لداعش واستقرارهم في الأراضي الليبية، بعد تعرضهم لضربات قاصمة في كل من سوريا والعراق، ثم محاولة التسرب إلى مصر عبر الحدود مع ليبيا.

واعتبر هاني خلاف أن ذلك يعكس تراجع الدعم الجزائري لحكومة السراج المدعومة من الإسلاميين، وهو ما يتفق مع الرؤية المصرية في هذا الشأن، ويخفف جانبا من الهواجس التي انتابت القاهرة لفترة طويلة حيال رغبة الجزائر في استيعاب الإسلاميين داخل أي حل سياسي في ليبيا.

القاعدة العسكرية المصرية

يرى البعض من المراقبين أن القاعدة العسكرية المصرية التي تم افتتاحها مؤخرا هي الورقة الرابحة التي تراهن عليها بعض الأطراف الإقليمية والعربية لإحراز تقدم ملموس نحو فرض الاستقرار في ليبيا، من خلال دعم الجيش الوطني بعد تصاعد وتيرة الإرهاب وانتشار الفوضى.

وتنظر الجزائر ومصر إلى توافد عناصر من التنظيمات الإرهابية التي تركت سوريا والعراق إلى ليبيا، وتحالفهم مع التنظيمات الموجودة بالداخل، على أنه الخطر الأكبر والتحدي الأصعب. ورأت الحكومة المصرية ضرورة إنشاء قاعدة تضم عتادا عسكريا متنوعا على حدودها مع ليبيا لإدراكها بفشل كل محاولات إنهاء الأزمة الليبية على طاولة المفاوضات السياسية، وأن بداية الحل تكمن في تصعيد العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية للقضاء عليها أولا قبل أي شيء آخر.

التقارب المصري الجزائري واتفاق الجانبين على هدف مشترك دون خلافات، سوف تكون لهما انعكاسات إيجابية للغاية على حل الأزمة سلميا

وقال نبيل فؤاد، مساعد وزير الدفاع المصري الأسبق، لـ”العرب” إن الفراغ الممتد من غرب الإسكندرية وحتى مدينة السلوم الواقعة على الحدود المصرية الليبية مباشرة، هو الخطر الحقيقي، ما استدعى ملأه بتواجد عسكري ضخم، خاصة وأن هذا الفراغ تصل مساحته إلى حوالي 750 كيلومترا، وأن ثمة مجموعة من البراهين والاستنتاجات لدى الجانب المصري على أن المعركة مع الإرهاب في ليبيا قد تطول وأن الأسوأ لم يأتِ بعد”.

وقال خبراء عسكريون معنيون بشؤون الأمن القومي المصري لـ”العرب” إن إنشاء القاعدة العسكرية سد الفراغ الممتد من السلوم شمالا وحتى شرق العوينات على الحدود مع ليبيا غربا والسودان جنوبا، وهو مثلث أصبح يشكّل صداعا للأمن المصري، خاصة وأن طوله يصل إلى حوالي ألف كيلومتر، وهذا الفراغ كان يمثل ثغرة للقفز إلى الأراضي المصرية.

وأوضح هؤلاء أن مصر تريد أن يكون لها دور فاعل في رقابة تحرك الإرهابيين على سواحل البحر المتوسط لمنع سيطرتهم، باعتبار أنها تمثل ثغرة أكبر يمكن من خلالها تهريب السلاح والإرهابيين إلى داخل ليبيا، كما تمثل السيطرة على الساحل الليبي ركيزة أساسية لتجنب انتشار الفوضى في حوض البحر المتوسط، خاصة أن طول هذا الساحل يصل إلى قرابة 1955 كيلومترا.

وذهب متابعون للشأن الليبي إلى أن التوجه المصري نحو إحكام السيطرة على سواحل البحر المتوسط في نطاق الحدود المصرية يهدف إلى شقين، الأول تأمين المنشآت الاقتصادية وحقول البترول المصرية في البحر، والثاني مساعدة الجيش الوطني الليبي بالمعلومات الإستخباراتية واللوجستية بشأن سفن الأسلحة القادمة إلى داخل ليبيا لمساعدة الإخوان الذين يعملون في البلاد تحت اسم منظمة “فجر ليبيا”. وقالوا إن اهتمام القيادة السياسية والعسكرية في مصر بتحصين الحدود الغربية على مساحات شاسعة له مبررات منطقية، فالحدود المفتوحة على مصارعها بين ليبيا ومصر تحوّلت منذ سقوط نظام معمر القذافي إلى بؤرة توتر أمنية، سواء كان ذلك في صورة إنشاء ممرات لتهريب الإرهابيين إلى الداخل ومنه إلى شمال سيناء، أو محاولة تسلل عربات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة المتطورة إلى الأراضي المصرية.

وتستضيف القاهرة حاليا ممثلين عن المنطقة الليبية الغربية، وتجري حوارات موسعة مع رموز اجتماعية لتعزيز الحضور المصري، بعد أن كانت تركز على المنطقتين الشرقية والجنوبية، وهو ما يلقى ترحيبا قويا لدى كل من الجزائر وتونس. وقال عبدالحفيظ غوقة، العضو السابق بالمجلس الانتقالي الليبي لـ”العرب”، إن استضافة القاهرة لوفدين من مصراتة والمنطقة الشرقية تعكس إحياء المسار المصري- الإماراتي، لعقد مصالحة شاملة، واصفا هذه الخطوة بأنها مهمة لتذليل الصعوبات التي تقف أمام جهود إتمام التوافق الليبي بين كل الأطراف.

ولفت غوقة إلى أنه لا حل للأزمة الليبية دون تلاقي الرؤى بين دول الجوار الليبي، مبينا أن التقارب المصري الجزائري واتفاق الجانبين على هدف مشترك دون خلافات، سوف تكون لهما انعكاسات إيجابية للغاية على حل الأزمة سلميا. وأوضح أن تصريحات الوزيرين المصري والجزائري تؤكد أن نقاط الخلاف حول مستقبل الشرعية في ليبيا قاربت على الزوال، وأن هناك توافقا شبه نهائي بشأن دمج مشاركة الجميع في بناء المؤسسات الوطنية وأن يكون لليبيا جيش وطني موحد دون التمسك بمساندة فصيل بعينه ليكون في الصدارة.

7