الرؤية المقيدة

الأربعاء 2017/05/31

هل يحتاج الناقد والباحث في الأساليب الأدبية والفنية لأن يكون أسود ليكتب بصدق وعمق عن الأدب الأفرو-أميركي، أو موسيقى الزنوج في المغرب خلال القرن التاسع عشر مثلا، أو معتقلا سياسيا سابقا ليكتب عن روايات السجن السياسي؟…

أسئلة من المفترض أن الخيال النقدي العربي قد تجاوزها بعد نشوء حقول معرفية بذاتها تتناول نظائر لتلك الأسئلة في سياقات ثقافية متنوعة، وإثر التخفف من هيمنة النزوع الذاتي المرتبط بالمحليات الضيقة، في الدراسات الأدبية العربية المعاصرة.

بيد أن ما جعلني أستعيد هذه الأسئلة حاليا، هو استفسار تلقيته من زميل في حقل الدراسات المقارنة، إثر تقديمي لمداخلة عن “سرديات الدياسبورا السورية المعاصرة”، عن سبب اختياري لهذا الموضوع، ما دمت لست سوريا ولا أقيم في بلد يضم أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين، من أسهموا، أو من الممكن أن يسهموا، في تلك السرديات.

طبعا أوضحت للزميل أن هذه الاعتبارات الثلاثة ليست أساسية بالنسبة إلي ما دمت ملما بجانب معتبر من متون تلك السرديات في تجليات تعبيرية مختلفة، ومن ثم فأن أكون جزءا من الموضوع قد يشكل في اعتقادي عائقا يحول دون تحقيق الحياد الضروري لبلورة رؤية نقدية متوازنة لنصوص تلك السرديات.

وهنا ذكرت كيف تحول الأصل والعرق واللغة والطائفة إلى محدد مركزي لحقل الدراسة وموضوعها في مجال العلوم الاجتماعية لعقود طويلة من الزمن بما أسهم في استعصاء نهضة حقيقية للجامعة والبحث العلمي في السياق العربي؛ فالأمازيغي يشتغل على الإبداع الأمازيغي والكردي على التراث الكردي والشيعي على النصوص الشيعية، إلى درجة أن باحثا شهيرا كإدوارد سعيد استنكر أن يقترح عليه الطلاب الفلسطينيون القادمون للجامعات الأميركية باستمرار إشكالات متصلة بالقضية الفلسطينية، واضح أن من يأتي للدراسة في الولايات المتحدة لديه فرصة استثنائية ليشتغل على هذا الفضاء الجديد وموضوعاته.

نبهني سؤال زميلي أيضا لمسألة أخرى على قدر كبير من الأهمية وهي غرق الثقافة العربية اليوم في محليتها الضيقة، تلك التي تشبه السوار الإثني المتحول تدريجيا إلى قيد، بحيث بات من النادر أن تجد ناقدا مصريا أو مغربيا يتابع بانتظام إصدارات عراقية أو جزائرية أو أردنية أو سودانية خارج سياقات الجوائز الخليجية الكبرى.

ولم يعد بالإمكان الحديث عن أجناس بذاتها بصيغة التعميم اليوم، من مثل “الرواية العربية” و”المسرح العربي” و”التشكيل العربي”…، أضحى الاستعمال الصحيح والمقبول هو المتصل بأقطار بعينها، هل هي نهاية مدونة الوعي النقدي الحديث القادم من الفكر العروبي؟ أم هو تراجع للعقائد النقدية ذات العمق الإنساني المفتوح؟ ربما هما معا، لكن الشيء الأكيد أن نظرتنا للأدب والفن محكوم عليها بمسايرة جنون العالم في الانعزالية والانغلاق.

كاتب مغربي

15