الرئاسة اللبنانية والديمقراطية المزيفة

الثلاثاء 2014/06/17

يجمع كثيرون في العالم العربي على أن الديمقراطية اللبنانية تمثل نموذجا متقدما، وأنها لعبت دور صمام الأمان في صياغة الكيان اللبناني؛ بوسع هؤلاء الاستدلال على ذلك بخروج الرئيس ميشال سليمان من قصر الرئاسة وقبله كثر مقارنة مع ما نراه في عالمنا العربي. لكن التركيز على المظهر على حساب المضمون في المثال اللبناني له أضرار أقلها إعلاء التزوير على الحقيقة، والسير بالبلاد نحو طريق مسدود. كيف نفسّر ذلك؟

تتسرب في الأوساط السياسية والمحيطة شائعة بأن الرئيس المقبل للجمهورية اللبنانية هو العماد ميشال عون، وأن تتويجه ليس إلا مسألة وقت، لأنه في النهاية هو الرئيس الأقوى مسيحيا، وإلا لن يكون هناك رئيس للبلاد. وتقول مصادر حزبية مسيحية إن العماد عون إذا ما وصل إلى سدة الرئاسة يكون قد أعطى ضمانات بأنه سيكون رئيسا توافقيا، يقدم مصلحة لبنان على كل المصالح.

هذه الأقاويل التي قد تتحقق تعزز القناعة بأن الديمقراطية اللبنانية أبعد ما تكون عن مضمونها الحقيقي، وهي ليست إلا قناعا يتخفى خلفها لاعبون لبنانيون وغير لبنانيين، وبذلك يرسمون للبنانيين مسار ديمقراطيتهم، ويحددون لهم رئيس جمهوريتهم. وهؤلاء اللاعبون بغض النظر عن جنسيتهم، غارقون في رؤاهم الدينية لكنهم يتظاهرون بالموضوعية والعلمانية والقيم الليبرالية. هؤلاء اللاعبون ليسوا من صنف واحد، بل هم متنوعون ويمكن فرزهم في ثلاث طبقات: محليين وإقليميين ودوليين.

يقول اللاعبون المحليون إن الاستحقاق الرئاسي يجب أن يكون لبنانيا. لكن هؤلاء يكذبون على أنفسهم لأنهم يعرفون أن هذا الاستحقاق وإن كان لبنانيا، فإن امتداداته أبعد من لبنان؛ هذه الامتدادات ليست فقط جغرافية بل عقائدية. فالسنّة اللبنانيون ينظرون للرئاسة على أنها بداية لقيام لبنان، لكنهم يختلفون على هوية المرشح، ويجمعون على رفض وصول العماد عون إلى المنصب، ويفضلون المرشح القوّاتي سمير جعجع. وهذا الموقف السني الشعبي يصاحبه انشطار سياسي، زاد من تأزيمه غموض مواقف رئيس المستقبل سعد الحريري، بين مؤيد للترشيح، ومعارض على استحياء. فالمؤيدون من السنة هم الصنف المحسوب على الخط السوري وإن كان هؤلاء يخشون تبعات التأييد ومضاره على مستقبلهم السياسي، إن مالت الكفة الإقليمية إلى غير ما يشتهون. هذا الصنف من السياسيين، فقد بريقه لأنه اختار سياسات تعارضها الأغلبية السنية.

أما التيار الآخر وهو تيار المستقبل فيعاني من تزعزع داخل صفوفه سواء على مستوى القيادات أو على مستوى الجماهير. فكثير من المشتغلين في العمل السياسي داخل تيار المستقبل لا يحبذون مجيء العماد عون، ولا يرون في الانفتاح المبطن عليه سياسة سليمة، ويرون أن على قيادة المستقبل أن تحسم أمرها وتبتعد عن هذا المسار. لكن مشكلة هؤلاء أنهم ضعفاء وضعفهم يعود إلى أن تيار المستقبل أبعد ما يكون عن الحزب، وأقرب ما يكون إلى التركيبة العائلية التي يتحكم فيها الرأس بمصير الأولاد.

فزعيم التيار المستقبلي سعد الحريري منذ انقلاب قمصان السود عليه يعيش حالة غياب البوصلة؛ فالقاعدة الشعبية السنية المضطرة إلى تأييده، تعاني من عدم قدرتها على معرفة توجهاته؛ فهو ضد المشاركة مع حزب الله في السلطة لأن ذلك خطر على الديمقراطية، وفجأة هو مع المشاركة من أجل مصلحة الوطن العليا؛ وهو ضد عون الذي غطى سياسيا الاغتيالات، وهو، حسبما ما يشاع، يؤيد وصوله إلى الرئاسة على أساس أنه قد يقود لبنان إلى بر الأمان!

على المستوى الشيعي فإن المعادلة واضحة، والجمهور المؤيد لقيادته يعي تماما توجهاته ويؤمن بقرارتها، ولا يبخل بالتضحية من أجلها؛ هذه القيادة الممثلة بجناحيها (حزب الله وحركة أمل) تلعب دورا ثنائيا لكنه دور مكمل لتحقيق الأهداف المرجوّة، ولما فيه خير، حسبما يرون، الطائفة. ففي هذه المعادلة يلعب حزب الله دور العسكر الصارم، بينما تلعب حركة أمل دور السياسي المتفهم والوطني، وإن اختلفا فهو اختلاف تكتيكي وليس على الاستراتيجيات. ومهما يكن فإن حزب الله أثبت أنه حزب قادر على تحقيق إستراتيجياته، وأن تراجعاته مثل الثلث المعطل، هو تراجع تكتيكي لصالح الإستراتيجي، وأنه حزب يعرف كيف يمزج الدولي والإقليمي بالمحلي، ويتقن لعبة الشعار، وحشد الجماهير حتى من خارج حزبه، وإن ضمرت قوته التحشيدية الخارجية بسبب تدخله الفاضح في الأزمة السورية.

حدد حزب الله المواصفات التي يريدها من رئيس الجمهورية، وقال إنه لا يهمه الشخص بل يهمه المضمون؛ فإن استطاع عون الوصول إلى السلطة فهذا سيعتبر نصرا سياسيا، وإن لم يستطع فإن الحزب ثابت على المواصفات ولن يقبل برئيس يخرج عنها، وللحزب القدرة على تعطيل المسار الانتخابي ديمقراطيا، وحتى وإن فشل فإنه قادر على تعطيله عسكريا؛ وللحزب سابقة في هذا المضمار، وما اتفاق الدوحة ببعيد!

في المعسكر المسيحي (الماروني) توجد أزمة ظاهرية على ما يبدو، لكن لها تداعيات على التركيبات الحزبية الموجودة على الساحة؛ فالقوات اللبنانية ترى أن اللعبة الرئاسية يجب أن تجري وفق الأسس الديمقراطية، والفائز يصل إلى الرئاسة؛ هذه الرؤية تعتبر في النموذج اللبناني مثالية، ولا يمكن أن تستقيم مع الواقع ومعادلات القوى. ولاشك أن حزب القوات وحزب الكتائب، لا يريان في العماد عون الشخصية المرغوبة، وهما يتخوفان منه ومن تحالفاته، لكنهما محصوران بين معادلتي الداخل والخارج، ولا يستطيعان إبعاده، ولا هما قادران على طرح مرشح آخر تقبله بقية الأطراف؛ الأحزاب المسيحية تواجه أزمة غير مسبوقة؛ فهي مشرذمة في الداخل، ويتيمة في الخارج.

فلا حلفاء القوات اللبنانية قادرون على إعطاء ضمانات حاسمة، ولا الخارج قادر على تغيير المعادلة الداخلية، لأن الدول الإقليمية سحبت لأول مرة الورقة من يد القوى الدولية؛ في اللعبة اللبنانية الرئاسية الحالية يهيمن الإقليمي على الدولي، ويخضع الداخل اللبناني لكليهما لأن البديل، حسبما يصورونه، هو الفراغ ومنه تأتي الفوضى وربما الحروب التي ضجر منها اللبنانيون.

إقليميا تلعب إيران والسعودية الدور الأكبر في هذه المعادلة، وكلاهما له حساباتهما الخاصة، التي قد تتفق مع مصالح اللبنانيين وقد لا تتفق؛ ترى إيران أن لبنان قاعدة متقدمة لها، وأن تمددها فيه سيمنحها قوة في المنطقة وسيحسن من شروط تفاوضها مع الأطراف الدولية (الغرب).

وتعتقد إيران أنها قادرة الآن على ضبط اللعبة في لبنان دستوريا وعلى تغييرها عسكريا، وبالتالي فهي ليست في عجلة من أمرها، والإيراني بطبعه تاجر، يعرف كيف يفاوض وكيف يحصل على السعر الذي يريد؛ وقد استطاع أن يحقق الكثير من الانتصارات في لبنان، ولا شيء يمنع من تحقيق انتصارات أخرى. وقد لعبت الأزمة السورية دورا سلبيا في الأزمة الرئاسية، لأن إيران تعتقد أن تأثيرها (دستوريا) على لبنان ضروري في هذه المرحلة التي تخوض فيها حرب وجود في سوريا، وأنه لابد للرئيس الجديد إن لم يكن مؤيدا لها، فعلى الأقل أن لا يعارض سياسة حزب الله في الداخل اللبناني؛ وتمكنت إيران من تغطية تدخلها في الشأن اللبناني بشعار سياسي يجتمع عليه كثير من اللبنانيين وهو محاربة إسرائيل واسترداد الأرض.

على الجانب الآخر تعتقد السعودية أن دور إيران في لبنان دور تخريبي يعيق بناء مؤسسات الدولة، ويُخضع مؤسساتها إلى الغلبة الحزبية الممثلة في الجناح العسكري لحزب الله؛ ولذلك فإنها تشدد على دعم مؤسسات الدولة وتطبيق القوانين، ومد لبنان بما يكفل له الاستمرار الاقتصادي وتعزيز قواته، على أمل أن يساهم ذلك في تخليص لبنان من المأزق والانفتاح على مصالحه ومصالح العرب. وتملك المملكة ورقة الطائفة السنية، وبذلك تستطيع أن تمنع وصول أي رئيس معاد لهذا التوجه؛ لكن المشكلة أن المملكة لا تملك، كما إيران، رادعا عسكريا، وبالتالي فإنها قد تخسر الرهان على المؤسسات، لأن الغنم بلا راع سهل على الذئب افتراسها. كما أنها تعتمد على طائفة مفككة وقياداتها ليست على قلب واحد!

تعكس الصورة السريالية للديمقراطية اللبنانية أن الدولة اللبنانية لم تستطع منذ الاستقلال أن تنقل مواطنيها من أحضان الطائفة إلى أحضان الوطن؛ فاللبنانيون بقوا طائفيين بل زادت طائفيتهم. كما أن النخب السياسية وجدت في الشكل الديمقراطي مثالا لتجييش الشارع للبقاء في السلطة؛ ففي لبنان لا توجد برامج حزبية بل برنامج طائفي؛ المسيحيون يريدون أن ينتخبهم المسيحيون، ويريدون زعيما مسيحيا قويا يحميهم من المسلمين، والمسلمون منقسمون بين شيعة يحملون السلاح، وسنة رافضين لهذا المنطق، ولا يتورعون عن فعله إن سنحت لهم الفرصة؛ ودروز متخوفين من المستقبل؛ وطوائف أخرى محسوبة على هذا الفريق أو ذاك. يعيش لبنان أحلك أيامه لكنه سيتجاوزها، وفق معادلة ديمقراطية يصوغها الخارج، ويقبل بها الداخل، ويُروَّج لها على أنها انتصار للديمقراطية؛ ديمقراطية مزيفة، لكنها على الأقل تضمن خروج الرئيس كل ستة أعوام!


كاتب لبناني مقيم في لندن

9