الرئاسة في لبنان: عين على إدلب وأخرى على عدن

الجمعة 2015/04/17

إذا ما كان تهاوي الأنظمة السياسية والسقوط في متاهات الحروب الداخلية قد أضحى من عاديات المشهد العربي العام، فإن شغورَ موقع الرئاسة في لبنان دخلَ بدوره في طور هذه العاديات. يتعاملُ اللبنانيون مع الأمر بصفته جزءا من سمات أزمتهم، فيما تتعاملُ الدوائر العربية والإقليمية والدولية مع الحدث بصفته تفصيلا جانبيا لا يهددُ صيغة البلد وتوازن يومياته.

لا يعدو غيابُ رأس السلطة في لبنان عن كونه مناسبة لنقاش آخر حول موقع المسيحيين في البلد، كما دورهم في تقاسم السلطة، كما مستقبل الصيغة اللبنانية المستندة أساسا على البعد المسيحي للكيان منذ نشوئه. في النقاش أيضا تداعي أزمة مسيحيي الشرق على الموقع السياسي المميّز للمسيحيين في لبنان. ففيما يضجُّ الكلام عن غياب المسيحيين عن موقع الرئاسة، تذهبُ هموم أكثر دراماتيكية تتحدثُ عن مستقبل الوجود المسيحي في الشرق، في ظل ما حملته رياح التطرف الديني من جهة، وما حفلت به وجوه التعايش بين الطوائف منذ سقوط بغداد عام 2003 من جهة أخرى.

لم تعدْ قضية المسيحيين في لبنان قضية العالم الغربي. ترفضُ العواصم الغربية رفع مستوى الأخطار التي يتعرض لها المسيحيون في الشرق إلى مستوى القضايا الكبرى. كما لم يعد هذا الغرب يعتبرُ أن الوجودَ المسيحي في المنطقة يمثّلُ امتدادا ثقافيا وسياسيا له داخل العالم العربي. باختصار، انتهى عصرُ السياسات الغربية الحامية للأقليات في الشرق، على منوال ما كان يُمارس أيام السلطنة العثمانية، لأسباب كانت، على ما يبدو، تتعلق حينها بتقويض النفوذ العثماني أكثر منه غيرة على سلامة تلك الأقليات.

خَبِرَ المسيحيون في لبنان أمر ذلك، لكنهم بقوا أثناء الحرب الأهلية (1975-1990) يعوّلون على دعم الغرب لصدِّ الأخطار التي تنتجها المنطقة ضدهم. جاء المبعوث الأميركي دين براون وأبلغ الرئيس اللبناني سليمان فرنجية في بدايات الحرب الأهلية (1976) أن على المسيحيين اختيار البلدان التي يريدون الانتقال إليها والغرب جاهز لاستيعابهم. كان واضحا أن المسيحيين أصبحوا في حسابات الغرب تفصيلا تقنيا تجري مقاربته بحلول تقنية. على أن هذا التقييم وجدَ نقيضه حين وعدت واشنطن الرئيس اللبناني أمين جميّل بدعم نظامه، وأرسلت بوارجها تدافع عن نظام ما بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

أنهى اتفاق الطائف حرب اللبنانيين الأهلية على أنقاض التفوّق المسيحي وامتيازاته. دخل المسيحيون عصر التهميش والصدام مع سلطة الوصاية السورية، فيما تماهى مسيحيون آخرون مع سلطة تلك الوصاية. انتهى عهد القراءة المسيحية الواحدة للوجود المسيحي ودوره في البلد، ودخل المسيحيون في جدل بين من بقي يرى في هذا الوجود امتدادا تقليديا للمسيحية الغربية يتأثرُ بالرياح القادمة من الغرب، وآخرون ترعرعت لديهم أفكارٌ تختلطُ فيها الأيديولوجيا بالمصالح، مفادها ارتباط المسيحيين بعواصم الشرق سواء تمثّلت أيام “الطائف” بسلطة حافظ الأسد في دمشق، أو تتمثل اليوم بسلطة علي خامنئي في طهران.

وإذا ما أتت “الحريريّة” في لبنان بروح جديدة لإعادة الحياة إلى الصيغة الأصلية للكيان اللبناني، لجهة تثبيت المناصفة أياً كان الحجم الديمغرافي المتراجع للمسيحيين، فإن الجدلَ السياسي الداخلي، سواء الذي تعلّق بشروطِ الوصاية السورية على البلد، أو تلك المتداعية من اغتيال الرئيس الحريري عام 2005، دفع الكثير من المتشائمين إلى الحديث، عشية نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان وغداته، عن احتمال أن يكون هذا الأخير آخر رئيس مسيحي للبنان.

يراقب لبنان معارك درعا (بتعبيراتها الخليجية) وإدلب (بتعبيراتها التركية)، كما معارك عدن وصنعاء وصعدة

لا يجاهرُ أي فريق سياسي في لبنان بما يهددُ مسيحيّة الموقع الأول في البلاد. لكن الدعوات إلى إعادة نقاش الصيغة اللبنانية، (من خلال مؤتمر تأسيسي يعيدُ صياغة التركيبة الدستورية للبنان)، وصولا إلى تعذّر انتخاب رئيس مسيحي جديد للجمهورية، يبررُ أسئلة حول قدرة البلد على صوْن صيغته، وبالتالي صون دور مسيحيّيه، وسط أنواء المنطقة التي تهددُ عروش وكيانات ودول وتستشرفُ انقلابات جيواستراتيجية، على منوال ما حدث بدايات القرن الماضي والذي أسس للمنطقة العربية برمتها.

في سعي مبعوثي باريس (جان فرانسوا جيرو مؤخرا) كما مبعوثي واشنطن (أنطوني بلينكن مؤخرا) ما يفيدُ بمحدودية الهامش الدولي في التأثير على مسار الرئاسة ومصيرها في لبنان. تكتفي العواصم الكبرى بالإنصات والنصح. في الإنصات تمرينٌ استطلاعي يملأ كثيرا من التقارير، وفي النصح ما يُراد منه تقطيع الوقت وتمريرُ المرحلة بانتظار ما ستسفرُ عنه مداولات ما بعد “الربيع” العربي. وإذا ما كانت الانتخابات الرئاسية اللبنانية، تاريخيا، هي ثمرةَ تقاطع تسوَويّ بين شرق وغرب، فإنها كذلك هذه المرة أيضا، لكن وفق شروط أكثر تعقيدا، بالنظر إلى كمّ المصالح وأصحاب المصالح في الورشة التاريخية الراهنة لإعادة تشكيل المنطقة ورسم خرائطها.

يجدُ اللبنانيون في “عاصفة الحزم” شأنا محليا سيتداعى حتما على واقعهم، كما يجدون في الاتفاق الدولي مع إيران بشأن برنامجها النووي، استحقاقا داخليا سيحددُ مستقبل التعايش السياسي في بلدهم. وبين هذا وذاك يتنفسُ لبنان الهواء القادم من سوريا قلقا على أمنه المباشر وعلى توازنه الديمغرافي والاجتماعي والاقتصادي. في ذلك أن الحالات الحوارية السنّية الشيعية بين تيار المستقبل وحزب الله، وتلك المسيحية المسيحية بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، ستبقى في قناعات اللبنانيين تمرينا فلكولوريا محليا لا يرقى إلى مستوى الاتفاق على اسم الرئيس العتيد القادر على تخليص موقع الرئاسة من قدر الغياب المسيحي عن قصر بعبدا.

يستبدل اللبنانيون صيغة “س – س” (السعودية – سوريا) بصيغة “س – إ” (السعودية إيران). على أن الرياض وطهران بعيدان عن احتمالات التوافق والحوار حول قلب غبار الميادين. الرياض تعتبرُ اليمن خطاً أحمر يبررُ التدخل السعودي المباشر، فيما سوريا هي خط أحمر إيراني لن تسمح طهران بالمسّ به. لكن السريالية، مع ذلك، أن يجري في لبنان حوارٌ بالوكالة بين الرياض وطهران على طاولة حزب الله وتيار المستقبل، فيما تجري وطيس الحرب بالوكالة في اليمن. يعكسُ الخطاب التصعيدي السعودي (سفير الرياض في بيروت) اللبناني (نهاد المشنوق) ضد إيران، تبدّل التوازنات وتراجع هيمنة طهران الأحادي على قرار بيروت.

وسط هذا الضجيج يراقبُ لبنان، كل لبنان، بمعسكريه التقليديين، معارك درعا والجوار (بتعبيراتها الخليجية) وإدلب (بتعبيراتها التركية)، كما معارك عدن والضالع وصنعاء وصعدة. ففي تغيّر خطوط التماس البعيدة تغير مباشر للتوازن اللبناني الداخلي الراهن والمقبل. ومن نهايات تلك المعارك يتحددُ، يوما ما، مصيرُ قصر بعبدا وساكنه الجديد، في حيوية تلك العلاقة تفسيرٌ للهجة العالية التي يستخدمها السيّد حسن نصر الله أمين عام حزب الله في الهجوم على السعودية بوتيرة غير عادية، كما تفسير لما ترددَ عن دعوة رئيس البرلمان نبيه بري لاستضافة حوار اليمنيين في لبنان.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

8