الرئاسية التونسية وألعاب حركة النهضة

الثلاثاء 2014/07/15

اختتم مجلس شورى حركة النهضة يوم 13 يوليو 2014 دورته العادية 26 موافقا على تزكية علي لعريض أمينا عاما للمكتب التنفيذي للحركة خلفا لحمادي الجبالي المستقيل. ولم تصدر عن المجلس أي إشارة إلى تزكية مرشح نهضوي للرئاسية القادمة. بينما أعلن رئيس الحركة إمكانية أن يكون كمال مرجان مرشحا توافقيا للرئاسة.

كمال مرجان دبلوماسي سابق ووزير دفاع أسبق وآخر وزير خارجية في عهد زين العابدين بن علي ورئيس حزب المبادرة الدستورية. وتُتداول أنباء عن كونه كان مرشح الأميركان لخلافة بن علي منذ 2006. وعندما تغازله حركة النهضة بالرئاسة فهذا قد يوقف مسار التحالف المزمع مع نداء تونس وقد يحيي فيه حلما قديما. حركة النهضة تبحث عن مرشح للرئاسية تكتفي بوصفه توافقيا ولكنها أعدّت له جملة من الشروط الدقيقة، منها أن تكون له الخبرة في الحكم والسن المقبولة ونقاط ضعف تسهل السيطرة عليه، وتضمن لها ألا يفلت من قبضتها.

تتوفر في مرجان شروط تراها النهضة مفيدة لها. فهو يحمل على كتفيه جريرة النظام القديم وخدمة بن علي. هذا سيضعفه إذا بلغ منصب الرئاسة وسيجعله في موقع المستعدّ لكل شيء من أجل تبييض صورته ومحو آثار بن علي من سيرته، حسب وجهة نظر النهضة. وهو يشترك مع قايد السبسي في كون كليهما رجلي دولة مارسا السلطة في مواقع متقدمة مع أفضلية السن لمرجان. كما أن ترشيحه سيجنب حركة النهضة الوقوع في أخطاء كارثية وقع فيها النهضويون الذين مارسوا الحكم بشكل بدائي يفتقر إلى الكفاءة. وإضافة إلى كل هذا فهو “ساحلي” من مدينة سوسة حيث المال والأعمال والرفاه. وسيظل مرشحها الذي ينفذ أجنداتها في النهاية.

الباجي قايد السبسي رئيس حركة نداء تونس لم تفلح مغازلته لسببين؛ الأول هو عداء مبطن بين حركة النهضة وحركة نداء تونس لم تفلح محاولات رئيسي الحركتين في تلطيفه، والثاني هو أن قايد السبسي لا يسمح بأن يمسك من وجع ولا يخضع ولا يستكين. وهو معروف بعناده وتعاليه ورفضه لأن يتقاسم صلاحياته مع أيّ كان. ستتعب النهضة معه كثيرا لو رشحته ولن تربح شيئا فهو قادر على التلاعب بها وجرّها إلى ما لا تريد، كما فعل بجبهة الإنقاذ وبالاتحاد من أجل تونس مع شركائه من الأحزاب اليسارية.

تقدّر حركة النهضة أنها نجحت، بمساعدة حركة نداء تونس، في شق صفوف اليساريين وضمنت استحالة توحدهم في ظل تعمّق خلافاتهم الواهية. وتقدر أيضا أن الغول الذي يخيفها كثيرا اليوم هو حركة نداء تونس ومرشحها الباجي قايد السبسي. وتتابع النهضة بقلق التقارب الكبير بين نداء تونس وبين الدساترة والتجمعيين. هذا التقارب دفع بكمال مرجان إلى إعلان إمكانية التحاق حزبه بنداء تونس، وإمكانيّة تخليه عن الترشح للرئاسية دعما لترشح الباجي قايد السبسي. هنا تتنزل لعبة حركة النهضة.

كما أن العشاء الأخير الذي نظمه السفير الأميركي في تونس بمناسبة العيد الوطني لبلده، كان قد جمع جل الأطراف المهتمة بكرسي الرئاسة، بخلاف الجبهة الشعبية التي قاطعت المناسبة. وقد نشرت السفارة الأميركية صورا لحفل العشاء ظهر في إحداها مرجان على نفس المائدة مع راشد الغنوشي والباجي قايد السبسي وأحمد نجيب الشابي وحمادي الجبالي. وكان مرجان يتحدث فيما البقية منصتون. ولم تكن الصورة بريئة أبدا.

وللإشارة فإن حمادي الجبالي الأمين العام السابق لحركة النهضة ورئيس الحكومة الأسبق كان قد أعلن الترشح للرئاسية منذ فترة. ومع ذلك لم تتجاوب حركة النهضة مع ترشحه. ولم تطرح اسمه إلى حد الآن مرشّحا توافقيا. ويبدو أن هذا يدخل في إطار خيار جديد للنهضة يقوم على البراغماتية مقابل التخلي عن الإخوانية، بمعنى أنها قد تدعم خصمها إذا ضمنت أنه يخدمها، ولا تدعم ابنها إذا تأكدت أنه لن يخدمها. وتجربة الترويكا خلفت في حركة النهضة ذكريات مرة عن تدحرج تونس في كل المستويات، كما استهلكت النهضة قادتها في تجربة الترويكا دون ربح يذكر. لهذا يبدو أن حمادي الجبالي هو مجرد حالم الآن مهما كانت التفاسير المعتمدة على فكرة تقاسم الأدوار.

وتلعب النهضة على ما قد يرشح عن الأزمة الأخيرة التي مرّ بها نداء تونس من تصدعات. فإلى حد الآن حافظ النداء على تماسكه. ولكن رجلا قويا فيه طال صمته ولم يتحرك بعد ولم يعلن عن مواقفه الصريحة من قرارات الحزب الأخيرة من ترشيح قايد السبسي للرئاسية، ودخول التشريعية بقائمات خاصة وتنفذ ابن الباجي قايد السبسي في الحزب. هذا الرجل هو الطيب البكوش الأمين العام لنداء تونس. فلو نجحت النهضة في إفشال تحالف مرجان مع نداء تونس وانسحب الطيب البكّوش والتحق بالاتحاد من أجل تونس، مثلا، فستكونان ضربتين قاصمتين للنداء خصمها الأكبر وأخيها العدو.

في المقابل، ستكسب النهضة حليفا بديلا عن حزب الرئيس المؤقت منصف المرزوقي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو الحزب الذي يرفع شعار تحصين الثورة وإقصاء رموز النظام القديم. خيار تحصين الثورة رفضته حركة النهضة وتصدت له وذهب راشد الغنوشي إلى مقر المجلس التأسيسي يوم عرض القانون على التصويت، لإقناع نوابه بالتصويت ضده. وكانت حركة الغنوشي تلك أكبر مغازلة لرموز النظام القديم. واليوم يتضح أنها لم تكن حركة مجانية ولا اعتباطية، وإنّما كانت عملية تكتيكية استعدادا للانتخابات القادمة تستند إلى توجيهات أجنبية كشفها العشاء الأخير في مقر السفارة الأميركية بتونس.

لم نسمع بعد موقف كمال مرجان من اعتبار النهضة له مرشحا توافقيا محتملا للرئاسية. ولم نر بعد تعاطي نداء تونس مع محاولات النهضة شق صفوفه. ولم تنته مناورات النهضة وألعابها. ولم يحسم أمر الرئاسية. ولكن الأكيد أنها لن تبوح بأسرارها إلا في خطواتها الأخيرة. ولعل التطاحن بين النهضة ونداء تونس يكون في خدمة الجبهة الشعبية والاتحاد من أجل تونس، اللذين لو اتحدا لانقلبت معطيات الرئاسية رأسا على عقب، ولاستعادت الثورة التونسية أحلامها.


كاتب وباحث سياسي من تونس

8