الرئيس التونسي.. السلطة تحتاج إلى المناورة أيضا

الاتحاد كان الطرف الرئيسي الذي وقف ضد حركة النهضة وأعاق خططها خاصة ما تعلق باختراق المؤسسات العمومية وإجراء "إصلاحات" فيها تخدم أجندتها. فهل سيترك الرئيس سعيد الاتحاد وهو يستعد للانضمام لجبهة الغاضبين أم يعيده إلى صفه ويستمع إليه ويستجيب لمطالبه.
الخميس 2021/09/16
وضوح مبالغ فيه

لا شك أن الرئيس التونسي قد وجد أن المبدئية والوضوح والإعلان عما يقتنع به عناصر لا تنفع كثيرا في اللعبة السياسية، خاصة أن قيس سعيد الذي، بدا أقرب إلى مواطن عادي منه إلى رئيس جمهورية في تصريحاته وسلوكه، قد وجد نفسه في مواجهة طبقة سياسية ترفض التنازل عن أفكار ليبرالية تحكم نظرتها إلى السلطة.

لم يخف الرئيس سعيد من البداية أنه يريد تغيير النظام السياسي رأسا على عقب، وأن الديمقراطية بالنسبة إليه ليست سوى شكل من أشكال التغطية على الفساد والاستغلال، وهي أداة بيد اللوبيات أكثر من كونها وسيلة للتغيير. ربما لم يلتفت الجميع لأفكاره التي كانت أقرب إلى نموذج مثالي في الحكم يريد أن يوسع السلطة بين الناس بدل أن تحكمهم فئة محدودة صعدت بالأساس لتحقيق أهداف مناقضة لمصالحهم.

تم التعامل مع الرئيس على أنه شخص جديد على السياسة، وكل جهة، بما في ذلك الأحزاب التي دعمته في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الماضية، كانت تفكر بمنطق دعمه لأجل توظيفه في تحقيق مصالحها ومصالح قياداتها.

وظهر هذا خاصة مع حكومة إلياس الفخفاخ التي كانت توصف بحكومة الرئيس، وكان الهدف الاتكاء على سمعة الرئيس وشعبيته لأجل السيطرة على الحكومة، والحصول على مكاسب ومواقع للحزام “الثوري” الذي أعلن ولاءه للرئيس.

الرئيس سعيد قد فهم أن الوضوح يجلب المشاكل، وأنه لا بد أن يلعب في السياسة مثلما يلعب الآخرون، وأن يحافظ على نظافته وحلمه في تغيير جذري

واستمرت محاولات الركوب على شعبية سعيد وطيبته ونظافة يده حتى بعد إجراءات الخامس والعشرين من يوليو التي أفضت إلى تجميد البرلمان وحل الحكومة. وكان بعض من دعموه يعتقدون جازمين أنه سيقول لهم تعالوا احكموا وأنا أدعمكم، ووصل الأمر بالبعض منهم إلى أن يصبح يتكلم باسم الرئيس، ويقدم أفكاره وحساباته على أنها جزء من استراتيجية الرئيس للتغيير، قبل أن يأتي من يقول لهم اصمتوا والزموا حدودكم، فالرئيس وحده من يتحدث باسم نفسه.

في الصف المقابل، توسعت دائرة الذين يتهمونه بأنه اخترق الدستور وأن إجراءاته غير شرعية، واستثمروا وضوح الرجل ونقده لدستور 2014 وللسياسيين لإظهاره وكأنه يريد أن ينقلب على كل شيء، ووجد هذا الأمر صدى لدى جهات خارجية لديها مصالح في تونس.

فجأة بدا أن الرئيس سعيد قد فهم أن الوضوح يجلب المشاكل، وأنه لا بد أن يلعب في السياسة مثلما يلعب الآخرون، وأن يحافظ على نظافته وحلمه في تغيير جذري.

وبعد أن حمل الخصوم على تصريحات مستشاره وليد الحجام لحديثه عن وجود “اتجاه لتغيير النظام السياسي” في البلاد وربما يتم ذلك عبر الاستفتاء، ظهر سعيد ليقول إنه يحترم “دستور 2014 وإجراءاته، ويمكن إدخال تعديلات على نصّه حتى يستجيب لتطلعات الشّعب، دون الانقلاب عليه عكس ما يُروج لهُ”.

وأضاف “يمكن إنجاز ذلك في إطار الحفاظ على سيادة الشّعب وكفالة ممارسة حقوقه والتّعبير عن إرادته والعيش بكرامة في وطن حرٍّ”.

ومن الواضح أن الرئيس سعيد قرر أن يفتت الجبهة التي تعارضه، وفيها من يبني حججه على دواع قانونية بشأن تأويل الدستور وبعض الفصول المثيرة للخلاف مثل الفصل 80، لذلك قال إن الهدف ليس خرق الدستور أو تعليق العمل به، وإنما التغيير من داخله، وتعديل الفصول مثار الخلاف.

Thumbnail

ولإظهار أنه يتحرك وفق أرضية دستورية متينة، وأن تأويله مسنود ومتين، استنجد سعيد الثلاثاء بأهم رموز القانون الدستوري العميد صادق بلعيد والعميد محمد صالح بن عيسى والأستاذ أمين محفوظ، في رسالة واضحة أنه لن يقبل بوضعه في الزاوية والهجوم عليه صباح مساء من شخصيات وأحزاب لا تفهم في الدستور وآلياته، أو أنها تتخذ من هذه القضية القانونية أرضية لاستهدافه لأجل أجندة أخرى مغايرة تماما خاصة ما تعلق بمحاربة الفساد وتفكيك اللوبيات التي تشكلت على هامش الحكومات السابقة، فضلا عن الانتقام لأجل التغييرات الكثيرة خاصة في المؤسسة الأمنية، والتي أسقطت خطط الاختراق والتمكين.

وخلال حديثه مع أساتذة القانون الدستوري، أرسل  سعيد إشارة ذكية بشأن تشكيل الحكومة من خلال التأكيد على أنه “من المهم تشكيل الحكومة ولكن أيضا من الضروري وضع تصوّر للسياسة التي ستتبعها هذه الحكومة لخدمة الشعب التونسي”، وهذا يعني أنه مع تشكيل الحكومة سريعا وأن ليس لديه أي مانع أو اعتراض ولا حسابات خفية من وراء التأجيل، وفيه رسالة لمن تمترسوا وراء موضوع الحكومة للضغط عليه بزعم خوفهم على تعطل المصالح وتوقف المؤسسات الحكومية عن أداء دورها.

لكنه عاد ليؤكد أن الهدف ليس تشكيل الحكومة، ولكن برنامجها وخططها ومشاريعها، في خطوة تمتص مناورات الأطراف المقابلة وتعطي مبررا للبقاء دون حكومة إلى الحد الذي يستوي الموضوع تماما بضبط البرنامج واختيار الوزراء القادرين على تنفيذه مع ضمان نزاهتهم وولائهم، لمنع تكرار تجربة رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي الذي اختار القفز من صف الرئيس إلى صف الأحزاب المعارضة.

تم التعامل مع الرئيس على أنه شخص جديد على السياسة، وكل جهة، بما في ذلك الأحزاب التي دعمته في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الماضية، كانت تفكر بمنطق دعمه لأجل توظيفه في تحقيق مصالحها ومصالح قياداتها

 وفي الوقت الذي يعتقد فيه داعمون للرئيس أن مواقف الرئيس بشأن دستور 2014 وسرعة تشكيل الحكومة مناورة سياسية لربح الوقت وتخفيف الضغوط الخارجية قبل تنفيذ ما يراه مناسبا، فإن هناك من يعتقد أنها استجابة للضغوط وعودة للآليات الدستورية التي قد تغرق سعيد في تعقيدات قانونية وسياسية تلهيه عن تنفيذ وعوده بالتغيير.

مثلا من داخل الدستور هناك تعقيدات لتنفيذ الاستفتاء، فهل سيتم ذلك بثلثي نواب البرلمان القديم أم ببرلمان جديد يتم انتخابه لتشريع التغييرات التي يريدها سعيد؟ وبأي معايير سيتم انتخاب البرلمان الجديد؟ وما الذي سيمنع صعود برلمان معارض حتى وإن تغيرت الأسماء طالما أن القانون الانتخابي لم يتغير؟

وتحذر أوساط سياسية داعمة للرئيس من الدوران في نفس المكان، حاثة سعيد على التحرك على أكثر من واجهة لتفكيك الجبهة التي تشكلت ضده خاصة أنها لم تعد تضم النهضة لوحدها، ولا الكيانات أو الأشخاص المحسوبين تقليديا على مجال مناوراتها، بل توسعت لتشمل حتى حلفاء الرئيس التقليديين من ذلك التيار الديمقراطي الذي خرج في الفترة الأخيرة من المنطقة الرمادية، وانضم إلى المعارضين بشكل جلي، وهو ما عكسه البيان الذي شارك في توقيعه مع الحزب الجمهوري وحزب التكتل، وحزب الأمل، وآفاق تونس.

وشددت الأحزاب الخمسة على رفضها “دعوات تعليق الدستور” و”حالة الجمع بين السلطة والانفراد بالقرار”، مستغربة “استمرار الفراغ الحكومي”.

الاتحاد العام التونسي للشغل نواة صلبة لحلفاء الرئيس سعيد
الاتحاد العام التونسي للشغل نواة صلبة لحلفاء الرئيس سعيد

لكن الأهم، وفق المراقبين، هو ضرورة حفاظ الرئيس سعيد على علاقة جيدة مع الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو النقابة الأهم اجتماعيا وسياسيا، ويمكن الرهان عليه ليكون نواة صلبة لحلفاء الرئيس، شريطة أن يبدد سعيد حالة البرود مع الاتحاد وأمينه العام نورالدين الطبوبي.

ومشكلة الاتحاد ليست سياسية، فهو من البداية كان مع إجراءات الخامس والعشرين من يوليو، وساندها بوضوح في بياناته، وخلافه مع مؤسسة الرئاسة هو التعاطي معه وكأنه جهة بلا وزن، في الوقت الذي لعب فيه الاتحاد خلال السنوات العشر الأخيرة دورا مفصليا في المشهد السياسي، وكان وراء سقوط حكومات وصعود أخرى.

والأهم من كل هذا أن الاتحاد كان الطرف الرئيسي الذي وقف ضد حركة النهضة الإسلامية وأعاق خططها السياسية والاجتماعية خاصة ما تعلق باختراق المؤسسات العمومية وإجراء “إصلاحات” فيها تخدم أجندتها. فهل سيترك الرئيس سعيد الاتحاد وهو يستعد للانضمام لجبهة الغاضبين أم يعيده إلى صفه ويستمع إليه ويستجيب لمطالبه خاصة ما تعلق بالمسائل الاجتماعية وإيفاء الدولة بتعهداتها تجاه اتفاقيات سابقة حول تحسين أوضاع العمل والموظفين؟

ويشار إلى أن الاتحاد عمل على تقديم بدائل للرئيس لأجل تسهيل حل عقدة تعليق الدستور، وعقد الطبوبي لقاء مع رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، وخرج بعدها بتصريحات يدعو فيها إلى تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة تفرز برلمانا جديدا ويتم “على إثره نقاش الدستور ويتم تغيير النظام الرئاسي”، وهي تخريجة هدفها فتح أبواب الحل أمام الرئيس وتخفيف ضغوط الجبهة المضادة، وخاصة حركة النهضة.

إن نجاح الرئيس سعيد في تفكيك الجبهة المضادة محكوم بمغادرة مربع الصمت الحالي، وحسن المناورة، وإعادة بناء جبهة سياسية واجتماعية على أفكار واضحة.

 
6