الرئيس التونسي يبحث عن ضمانات من الأحزاب للدعوة إلى حوار وطني

النهضة تُداري أزمتها الداخلية بدعم مقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية.
الأربعاء 2020/11/25
حكومة المشيشي محور الجدل السياسي

لا يزال الحوار الوطني، الذي من المقرر أن تُجريه تونس في الأيام المقبلة، محور كل تحركات الأطراف السياسية في البلاد والمحدّد لها، حيث بدأ الرئيس قيس سعيّد رحلة البحث عن تفاهمات مع الأحزاب بغية توفير ضمانات كفيلة بنجاح الحوار والقبول بمخرجاته.

تونس – يعكس الاتصال الذي أجراه الرئيس التونسي، قيس سعيّد، مع رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، والذي يرأس أيضًا حركة النهضة الإسلامية مساعي ساكن قرطاج لإيجاد ضمانات كافية من الأحزاب قبيل الدعوة إلى حوار وطني يُفرز حكومة وحدة وطنية في البلاد المُنهكة اقتصاديا، وتعيش هزات اجتماعية وسياسية.

وكشفت صفحة الغنوشي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن تلقيه اتصالا هاتفيا من سعيّد تناول الأوضاع العامة في البلاد وتطورات تفشي كوفيد – 19، فيما رجحت أوساط سياسية أخرى مقربة من الحراك الجاري منذ فترة في علاقة بالحوار الوطني أن هذا التحرك اللافت من سعيّد، الذي خاض صراع صلاحيات مع الغنوشي في وقت سابق، له صلة بالمبادرات الرامية لإجراء حوار وطني ينتشل البلاد من أزماتها.

ولم تستبعد هذه الأوساط أن تكون هذه المكالمة جاءت لتستوضح موقف النهضة من مقترح حكومة وحدة وطنية، تكون ضمن مُخرجات الحوار الوطني، وهي فكرة يبدو أن النهضة بدأت تستسيغها على وقع فشل حكومة هشام المشيشي في معالجة التحديات الراهنة، ما قد يجعل الحركة تستعجل التخلص منها.

ويرى مراقبون أن النهضة التي كانت متحمسة للمشيشي، بدأت تغير مواقفها منه مع تصاعد الجدل بشأن أدائه والأحزاب المتحكمة في قرارات الرجل والتي من بينها حزب قلب تونس الذي تتهمه العديد من الأطراف السياسية في البلاد بالفساد، ما جعل الحركة الإسلامية تُعلن عن دعمها لفكرة حكومة الوحدة الوطنية ما قد يُطيح بالمشيشي وفريقه الحكومي.

خليفة بن سالم: جميع الأطراف متخوفة من خوض مغامرة حوار وطني قد يفشل
خليفة بن سالم: جميع الأطراف متخوفة من خوض مغامرة حوار وطني قد يفشل

وألمح راشد الغنوشي، مساء الإثنين، إلى أن حزبه لا يُعارض تشكيل حكومة وحدة وطنية وذلك بعد أن كانت قيادات في النهضة قد لوّحت برفض تغيير حكومة المشيشي.

وأضاف الغنوشي خلال تصريح للتلفزيون الرسمي في تونس أن ’’البلاد محتاجة لحوار وطني حول المحاور الاقتصادية الكبرى خاصة وأن هذا الاقتصاد يحتاج إصلاحا عبر الحوار وليس بالقوة (..) وبالنسبة إلى الأزمة السياسية، من الضروري الحوار بين مختلف الأطراف‘‘.

وكان القيادي بالنهضة، العجمي الوريمي، قد هدد في وقت سابق برفض الحوار الوطني إذا كان يستهدف ’’مناورات سياسية‘‘ والمساس بالاستقرار الحكومي فقط، لكن سرعان ما طرأت تحولات على موقف الحركة كشف عنها البيان الختامي لاجتماع مجلس الشورى الذي جدد الدعوة إلى حوار وطني، وهو ما ربطه البعض بحالة التململ التي تسود المشهد من حكومة المشيشي التي تتعاظم أمامها المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

وكثفت العديد من الأطراف في الأيام الماضية دعواتها إلى استعجال الدعوة إلى حوار وطني لإنقاذ تونس من أزماتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعصف باستقرارها مع تنامي الاحتجاجات وتعطيل الإنتاج في عدد من المحافظات.

ولكن هذه الدعوات تواجه العديد من العقبات أبرزها ضرورة تحصيل ضمانات من أحزاب سياسية بعينها تُعد أطرافا في الأزمة على غرار حركة النهضة والحزب الدستوري الحر، الذي يرفض ’’الجلوس على طاولة الحوار مع من أوصلوا تونس إلى أزمتها الحالية‘‘، قبيل بدء الحوار.

ويبدو أن هذا الحزب، الذي ترأسه عبير موسي، ويقود معارضة شرسة لحركة النهضة الإسلامية بات غير معني بالحوار رغم أن الترتيبات الجارية لإجرائه ما تزال في بدايتها.

وقال المحلل السياسي خليفة بن سالم، إنه ’’عمليا لا يمكن الحديث عن حوار رسمي بين الأطراف الفاعلة في البلاد (..) لأن جميع هذه الأطراف متخوفة من الدخول في هذه المغامرة التي قد تفشل‘‘.

وأضاف بن سالم في تصريح لـ”العرب” أن ’’هناك انقساما واضحا بين أطراف تدعم الحكومة واستمرارها وأخرى ضدها (..) والرئاسة لم تقدم حتى الآن موقفا رسميا بشأن الحوار الوطني‘‘.

وتابع ’’بالنسبة إلى الرئاسة، السؤال الذي يبقى مطروحا؛ هل هي مستعدة للتخلي عن بعض ثوابتها المتمثلة في عدم التعامل مع بعض الأطراف على غرار حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة؟ (..) والحوار يجب أن يكون مبنيا على الانفتاح ودراسة مسألة الحكومة وهي مسألة خلافية‘‘.

ومن المرتقب أن يكشف الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية ذات النفوذ الواسع في البلاد، النقاب عن مبادرته التي تتضمن الدعوة إلى الحوار الوطني والتي من المفترض أن تعقبها دعوة رسمية من سعيّد للحوار.

وقال مصدر لـ”العرب” أن فريقا من الخبراء داخل اتحاد الشغل بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مبادرته التي ستُسلم للرئيس خلال الأيام المقبلة.

حركة النهضة تعيش على وقع تجاذبات حادة غير مسبوقة بسبب مسألة التمديد لراشد الغنوشي في رئاسة الحزب

ولم يستبعد هذا المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن تتم الدعوة لهذا الحوار في ديسمبر المقبل لما يحمله هذا الشهر من رمزية لدى التونسيين، حيث يصادف ذكرى اندلاع أحداث ثورة 14 يناير التي أطاحت بالرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي.

ويرى مراقبون أن مباركة النهضة لهذا الحوار الوطني تعود بالأساس إلى محاولات قيادتها مداراة أزمتها الداخلية وتصديرها للشأن العام، حيث يعيش الحزب على وقع تجاذبات حادة غير مسبوقة بسبب مسألة التمديد لراشد الغنوشي في رئاسة الحركة.

ويضيف هؤلاء أن فكرة الحوار قد تكون متنفسا هاما لكافة الأطراف في تونس، حيث تعيش النهضة أزمتها الداخلية وسط انتقادات متواصلة لمواقفها وسياساتها، بينما تواجه السلطة التنفيذية برأسيها – الرئاسة ورئاسة الحكومة – ضغوطا شعبية بسبب غياب التنمية وتفاقم معضلة البطالة، علاوة على تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد الوطني المُنهك أصلا.

4