الرئيس التونسي يعيد رسم مسار الخارطة الانتخابية

رفض الرئيس التونسي ختم تعديلات القانون الانتخابي خطوة فتحت الباب على مصراعيه للمناكفات السياسية خاصة من قبل الائتلاف الحاكم الذي تقوده "النهضة" و"تحيا تونس".
الثلاثاء 2019/07/23
حسابات النهضة خارج الصندوق

انطلقت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، الاثنين في قبول ملفات المترشحين للانتخابات التشريعية التي ستجرى في 6 أكتوبر القادم، وذلك بالاعتماد على أحكام القانون المتعلق بالانتخابات والاستفتاء ودون اعتماد التنقيحات المضمّنة بالقانون الانتخابي التي صادق عليها البرلمان لكن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي رفض ختمها في خطوة وُصفت سياسيا بأنها صفعة لكل من حزبي حركة النهضة الإسلامية و”تحيا تونس” الداعمين للتنقيحات التي تنعت بأنها إقصائية ولا تتسق مع مبادئ الديمقراطية.

تونس- تعيش تونس قبيل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية التي ستجرى في 6 أكتوبر على وقع جدل جديد أثاره الرئيس الباجي قائد السبسي برفضه ختم التعديلات المضمنة بالقانون الانتخابي والمصادق عليها مؤخرا في البرلمان.

فتحت هذه الخطوة الرئاسية الباب على مصراعيه للمناكفات السياسية وتبادل التهم خاصة من قبل الائتلاف الحاكم الذي تقوده “النهضة” و”تحيا تونس” (حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد)، والذي يعتبر أن الرئيس خرق الدستور.

ويتساءل المتابعون للشأن السياسي التونسي حول مرد اتخاذ الرئيس قائد السبسي لهذا القرار خاصة وأنها المرة الأولى التي يرفض فيها ختم قانون منذ توليه الرئاسة في عام 2014.

وقبل أن تفتح هيئة الانتخابات الاثنين باب قبول الترشحات للانتخابات التشريعية، كانت نهاية الأسبوع الماضي حاسمة في تونس. فبحلول السبت الماضي انتهى أجل ختم التعديلات على قانون الانتخابي. بما يعني أنها لن تعتمد في الانتخابات القادمة.

في 18 يونيو 2019 صادق مجلس النواب على إجراء تعديلات في القانون الانتخابي. وأثارت التعديلات المقترحة جدلا واسعا. واعتبرها كثيرون إقصائية وأنها وضعت على مقاس أسماء وأحزاب بعينها تصدرت نوايا التصويت في أغلب استطلاعات الرأي. وذهبت أغلب الراويات في سياق أن هذه التعديلات تستهدف مرشحين على غرار نبيل القروي، صاحب قناة “نسمة” التلفزيونية، التي نجحت في تشكيل قاعدة شعبية، تتكون أغلبيتها من فئات مهمشة لم يروضها الإسلام السياسي ولم تصل إليها أعين السلطة الحاكمة.

وقيل أيضا إن الإقصاء يستهدف كذلك عبير موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحر، المعروفة بانتقادها للإسلاميين وللمحور الإقليمي الذي انخرطوا فيه وبعدم اعترافها بالثورة والدستور وبحركة النهضة والمتحالفين معها.

وتضمنت قائمة المستهدفين أيضا جمعية “عيش تونسي” لصاحبتها ألفة التراس، المرأة العائدة من أوروبا بإمكانيات مالية طائلة، والمتزوجة من رجل أعمال فرنسي والتي خصصت موازنة ضخمة للترويج الإعلامي لمشروعها، ولوضع قاعدة بيانات لحوالي مليون تونسي تراهن على كسب أصواتهم في الانتخابات.

وتتعلق التعديلات باعتماد العتبة بنسبة 3 بالمئة في الانتخابات التشريعية، إلى جانب التصويت على تنقيحات حول الحاصل الانتخابي، إذ لا تحتسب الأوراق البيضاء والأصوات الراجعة للقائمات التي تحصلت على أقل من 3 بالمئة من الأصوات المُصرّح بها في احتساب الحاصل الانتخابي.

وتضمن مشروع القانون الانتخابي أيضا تنقيحات تتعلق بعدد من الشروط الواجب توفرها في المترشح للانتخابات، كرفض ترشح، وإلغاء نتائج من تبين استفادته من أعمال تمنعها الفصول 18 و19 و20 من قانون الأحزاب، أو تبيّن استفادته بالدعاية السياسية خلال السنة التي سبقت الانتخابات بالنسبة إلى التشريعية والرئاسية، وبرفض هيئة الانتخابات الترشحات للتشريعية والرئاسية لمن يثبت قيامه بخطاب لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور، أو يُمجّد انتهاكات حقوق الإنسان.

بعد مصادقة، البرلمان، على التعديلات تم عرضها على الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والتي وافقت عليها بالإجماع في سابقة أثارت انتقادات عدة من قبل الخبراء الدستوريين. ورأوا في ذلك نتيجة طبيعية للمحاصصة الحزبية في تشكيل الهيئات الدستورية، حيث إن الأحزاب تستطيع التحكم في توجهات الأفراد الذين ترشحهم لمواقع يفترض أن تكون حيادية.

وتمت المصادقة على التعديلات من خلال تحالف ضم حركة النهضة وحركة تحيا تونس بزعامة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وحليفها حزب مشروع تونس بزعامة محسن مرزوق، وكذلك بعض القوى التي تطمح إلى تحقيق نتائج إيجابية وخاصة في الانتخابات التشريعية. وبعد مصادقة مجلس نواب الشعب، كان أمام رئيس الدولة أن يقرر في آجال محددة إما استفتاء الشعب على تلك التعديلات وإما أن يعيدها إلى البرلمان للنظر فيها من جديد، لكنه لم يفعل لا هذا لا ذاك.

الإطاحة بالتعديلات

حزب تحيا تونس يعتبر أن الرئيس خرق الدستور
حزب تحيا تونس يعتبر أن الرئيس خرق الدستور

فضّل الرئيس قائد السبسي الصمت إلى حين انتهاء الآجال القانونية حتى يطيح بالتعديلات، وهو ما حدث فعلا. وأرجع المقربون منه ذلك إلى ثلاثة أسباب أولها: أخلاقي، فالرجل الذي كان مستهدفا بقانون الإقصاء قبل أن يلغى في 2014، ما كان له أن يكون رئيسا للبلاد لو تم تشريع العزل السياسي قبل خمس سنوات.

أما السبب الثاني فهو لوجيستي، حيث إن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أعلنت في مناسبات عدة أن التعديلات الأخيرة أربكتها، وأنه من الصعب أن يتم تطبيقها سواء قبل التصويت أو بعد إعلان النتائج. والسبب الثالث سياسي، حيث أعلنت عدة قوى رفضها للتعديلات المسقطة على القانون الانتخابي وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية في البلاد.

ويؤكّد المقربون من الرئيس التونسي أنه استنتج أن التعديلات تحتوي خروقات واضحة منها التوجيه المتعمّد لتلك التعديلات وتضمنها إجراءات جزائية غير مرتبطة بالقانون الانتخابي المدني، والأثر الرجعي لتلك الإجراءات والهادف إلى محاسبة أفراد أو أحزاب على ممارسات يحرمها القانون.

وتشير كل المعطيات إلى أن حركة “تحيا تونس” لن تكون الرقم الصعب في الانتخابات القادمة، وتغييب بعض القوى عن الاستحقاق الانتخابي سيؤدي إلى عزوف الناخبين، كما حدث في الانتخابات الجزئية لبلدية باردو قبل أسبوع عندما لم تتجاوز نسبتهم 11 بالمئة من جملة المسجلين، وهو ما سيصب في صالح النهضة والمقربين منها وخاصة من القائمات المستقلة التي يتم إعدادها بمشاركة بعض القوى القريبة منها مثل قيادات ما كان يسمى بمجالس حماية الثورة.

ولن يكون ترشح يوسف الشاهد للانتخابات الرئاسية مجديا باعتباره لم يحصل على نتائج مطمئنة في استطلاعات الرأي. ويرى البعض أنه لن يفلح في تحقيق تحالفات متينة جديدة. خاصة أن حركة النهضة ستتخلى عنه في الوقت المناسب بعد أن تكون قد عثرت على “العصفور النادر” الذي تحدث عنه راشد الغنوشي.

ومن أهداف النهضة وضع اليد على السلطة التنفيذية من خلال اعتماد توافق الأغلبية التي تطمح إليها، لتشكل حكومة برئيس تختاره بنفسها، يضاف إلى ذلك العصفور النادر الذي سيوضع في قصر الرئاسة بقرطاج، والذي سيضع في يدها مفاتيح السيادة وعلى رأسها القيادة العليا للقوات المسلحة والدبلوماسية التونسية.

ويدرك الرئيس قائد السبسي بامتلاكه معطيات على وجود رفض من أغلب العواصم الغربية للتعديلات المسقطة على القانون الانتخابي، حيث لا يمكن مثلا إقناع الديمقراطيات العريقة بإقصاء مترشح لأنه يمتلك وسيلة إعلام أو جمعية خيرية أو لأنه ينتقد الثورة أو الدستور.

خسارة النهضة

ما الذي سيحدث مستقبلا إذن بعد رفض الرئيس ختم التعديلات؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن تحديده بجملة احتمالات لعل أبرزها أن الإطاحة بقانون الإقصاء قد تؤدي إلى نتائج في الانتخابات التشريعية قريبة من نتائج استطلاعات الرأي، بينما لن يترشح نبيل القروي للرئاسية، لكن أنصاره سينفذون تعليماته بالتصويت لمن يتم التوافق عليه من قبل القوى الحداثية، وربما يكون الرئيس الباجي قائد السبسي نفسه وراء ترشيحه.

وفي الحالتين تبدو حركة النهضة الخاسر الأول، نظرا لمحدودية خزانها الانتخابي المعتمد بالأساس على أنصارها العقائديين أو المناطقيين، بينما يمكن لحركة “تحيا تونس” وزعيمها يوسف الشاهد أن يكونا من ضمن التحالف الحداثي التقدمي الدستوري البورقيبي الذي يطمح الرئيس قائد السبسي إلى تسليمه مقاليد الحكم في البلاد في أواخر ديسمبر القادم.

هيئة الانتخابات فتحت باب قبول الترشحات للانتخابات التشريعية، دون الاعتماد على التنقيحات الإقصائية التي تم تضمينها بالقانون الانتخابي

ومن أخطر ما يزعج النهضة وحلفاءها العقائديين (وليس السياسيين) من إطاحة الرئيس التونسي بالتعديلات الإقصائية في القانون الانتخابي هو قطع الطريق أمام بث حالة اليأس في صفوف ملايين الناخبين، وثنيهم عن العزوف على الاقتراع بعد أن أثبتت استطلاعات الرأي أن 62 بالمئة منهم يرفضون تلك التعديلات.

ولقيادة النهضة معطيات تجعلها على يقين بأنها لن تحصل على أصوات من ليس معها عقائديا ومناطقيا، وحتى حالة التعاطف التي حصدتها بعد الإطاحة بالنظام السابق في العام 2011 لم تعد موجودة حاليا. اليوم لديها فقط المنتمون العقائديون والمناصرون الجهويون الذين أاستقطبتهم في الأعوام الأخيرة.

ورغم السجال المتواصل والخطاب المتشنج الذي أبدته بعض القوى الرافضة لموقف الرئيس قائد السبسي والذي تعتبره خرقا للدستور، فإن الوضعية الطارئة فرضت على هيئة الانتخابات التخلي عن القانون الانتخابي المعدل، كما وضعت التحالف الحاكم أمام مصيره نتيجة عدم توافقه على بعث المحكمة الدستورية العليا رغم مرور خمس سنوات على إعلان الدستور الجديد الذي أعطى مهلة بعام لتشكيلها، ففي غياب تلك المحكمة يعتبر رئيس الدولة المؤتمن على الدستور، وبالتالي
لا يوجد من يعيد النظر في موقفه النهائي.

6