الرئيس الجزائري أمام تحديات التخلص من تركة الجنرال قايد صالح

الرئيس عبدالمجيد تبون يتجه إلى مرحلة تهدئة للتخفيف من حدة الاحتقان في البلاد خاصة أن الحكومة باتت في حاجة ماسة إلى استقرار وطني لتمرير أجندتها السياسية.
الثلاثاء 2020/07/07
تركة ثقيلة

يعد ظهور الجنرال الجزائري المتقاعد حسين بن حديد، الذي كان معتقلا بسبب ما يقول إنه خلافات شخصية مع رئيس أركان الجيش الجنرال الراحل أحمد قايد صالح، في الاحتفالات الرسمية بذكرى استقلال البلاد إعادة اعتبار لهذا الجنرال المتقاعد لكنه أيضا دليل على المساعي التي يبذلها الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون لإحداث انقلاب على التركة الثقيلة التي ورثها عن قايد صالح.

الجزائر- حمل ظهور الجنرال المتقاعد حسين بن حديد في الاحتفالات الرسمية بذكرى استقلال البلاد، التي أقيمت بالعاصمة الجزائرية، رفقة مسؤولين كبار في الحكومة وقيادة المؤسسة العسكرية رسائل مشفرة توحي بأن السلطة الجديدة بصدد ردم الهوة التي تركها قائد الجيش السابق الجنرال الراحل أحمد قايد صالح.

وورث الرئيس عبدالمجيد تبون، تركة تصفها الأوساط السياسية في الجزائر بـ”الثقيلة” خلفتها إدارة قيادة الجيش للمرحلة الانتقالية التي عاشتها البلاد بعد تنحي الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة عن السلطة في مطلع أبريل من العام الماضي، فرغم المؤسسات الانتقالية الدستورية إلا أن بصمات الرجل القوي حينها في الجيش كانت واضحة على المرحلة.

وتم إطلاق سراح الجنرال المتقاعد بن حديد خلال الأسابيع الأخيرة بعدما قضى عقوبتين بالسجن النافذ: الأولى خلال فترة عهد بوتفليقة، والثانية بعد انطلاق الحراك الشعبي في البلاد حيث وجهت له تهمة إحباط معنويات الجيش والمساس بسمعة المؤسسات الرسمية. وسافر بن حديد بعد إطلاق سراحه للعلاج في فرنسا، وظهر منذ ذلك الوقت على كرسي متحرك.

يعد حسين بن حديد من الضباط السامين الأوائل الذين تنحوا عن الخدمة في حقبة تسعينات من القرن الماضي
يعد حسين بن حديد من الضباط السامين الأوائل الذين تنحوا عن الخدمة في حقبة تسعينات من القرن الماضي

ويعد بن حديد من الضباط السامين الأوائل الذين تنحوا عن الخدمة في حقبة تسعينات من القرن الماضي ومن الذين ساهموا في الحرب على الإرهاب خلال العشرية الدموية، قبل أن يتقاعد ويتحول إلى معارض لتوجهات السلطة والمؤسسة العسكرية خاصة بعد تجدد الولايات الرئاسية لبوتفليقة.

ويبدو أن تعمد إظهار هذا الجنرال المتقاعد أمام وسائل الإعلام يحمل رسالة سياسية للرأي العام حول توجه السلطة لتهدئة الوضع المحتقن في البلاد، وردم الهوة التي خلفتها مرحلة إدارة المرحلة الانتقالية من طرف القيادة السابقة للمؤسسة العسكرية، حيث تم الزج بالعديد من الشخصيات والناشطين في السجن لأسباب مختلفة.

وكان بن حديد، قد صرح بعد إطلاق سراحه، بأن “سجنه في العام 2019 جاء لتصفية حسابات قام بها قائد أركان الجيش السابق الراحل أحمد قايد صالح، لخلافات شخصية معه”، وهو أول تصريح يعكس ثقل التركة التي ورثها قايد صالح لخلفه.

ويبدو أن الرئيس تبون منذ إعلان قرار العفو عن عدد من مساجين الرأي، على غرار كريم طاب وسمير بلعربي وأميرة بوراوي، عشية الاحتفال بالذكرى الـ58 لاستقلال البلاد يتجه إلى مرحلة تهدئة للتخفيف من حدة احتقان الوضع السياسي والاجتماعي، خاصة أن الحكومة باتت في حاجة ماسة إلى استقرار وطني لتمرير سياستها المؤلمة وأجندتها السياسية، فضلا عن تراكمات وباء كورونا وإمكانات عودة الحراك الشعبي للاحتجاج في الميدان مع أول عودة للحياة العادية في البلاد.

وكان الرئيس الجزائري، قد عبر في مقابلته مع قناة فرانس 24 الفرنسية، عن استعداده لـ”إطلاق سراح المزيد من سجناء الرأي متى تطلبت الضرورة”، ولم يستبعد أن يصدر قرارا مماثلا في سبتمبر القادم مما يوحي بأنه يسعى لطي صفحة الاعتقال السياسي.

وعرفت الجزائر منذ انطلاق الحراك الشعبي في فبراير 2019 حملة اعتقالات واسعة طالت المئات من المعارضين والناشطين السياسيين والضباط العسكريين، كما هو الشأن بالنسبة للجنرال المتقاعد حسين بن حديد الذي أعيد له الاعتبار بشكل غير مباشر خلال احتفالية ذكرى الاستقلال.

ورث الرئيس عبدالمجيد تبون، تركة تصفها الأوساط السياسية في الجزائر بـ”الثقيلة” خلفتها إدارة قيادة الجيش للمرحلة الانتقالية التي عاشتها البلاد بعد تنحي الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة

وشكل تعيين الجنرال سعيد شنقريحة في منصب قائد أركان الجيش مؤشرا قويا على بداية استقرار الأوضاع بالنسبة للرئيس تبون في مفاصل الدولة وأن عملية التطهير التي نفذها داخل المؤسسة نفسها، بإبعاد وسجن عدد من الضباط المشكوك في ولائهم له قد رتب له الأوراق بشكل غير مسبوق وصار بإمكانه الذهاب إلى إجراءات تهدئة في الساحة السياسية.

ويعد خيار التهدئة السياسية من بين المطالب الأساسية التي رفعتها العديد من القوى السياسية والشخصيات المستقلة، كجبهة القوى الاشتراكية المعارضة وما يعرف بـ”مجموعة العشرين” التي طالبت بإطلاق سراح المساجين السياسيين، ورفع القيود عن الحريات الإعلامية والسياسية قبل بدء أي حوار سياسي لحل الأزمة.

والجنرال المتقاعد الآخر علي غديري، المرشح لانتخابات الرئاسة التي جرت في أبريل 2019 والتي كان بوتفليقة يعتزم خوضها للمرور إلى ولاية رئاسية خامسة، يعتبر نفسه أيضا ضحية للخلافات الشخصية بينه وبين الجنرال الراحل قايد صالح. ونقل تصريحاته تلك محاميه للرأي العام من سجنه بالعاصمة.

4