الرئيس الجزائري يشرع في التخلص من عبء "الصلاحيات الإمبراطورية"

تنازل الرئيس عبدالمجيد تبون عن بعض صلاحياته خطوة تبقى إجراء نسبيا ينطوي على شكوك من إمكانية تلاعب السلطة بالرأي العام لتمرير مخطط التجديد.
الاثنين 2020/01/20
سياسة أنصاف الحلول غير كافية

الجزائر- يتجه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون إلى تنفيذ تعهداته السياسية، حتى قبل دخول الإصلاحات الدستورية المنتظرة حيّز التنفيذ، بعد الإعلان عن التنازل عن بعض صلاحياته لصالح رئيس الوزراء، والمتصلة بتعيين بعض كوادر الدولة في المناصب والمؤسسات العليا، ليكون بذلك أوّل مؤشر على بداية سقوط ما كان يوصف بـ”الصلاحيات الإمبراطورية” لرئيس الجمهورية.

وأعلن الرئيس عبدالمجيد تبون، خلال أشغال مجلس الوزراء المنعقد في قصر المرادية السبت، عن التنازل عن بعض من صلاحيات تعيين عدد معيّن من كوادر الدولة، لصالح رئيس وزرائه عبدالعزيز جراد، بهدف تخفيف إجراءات التعيين في المناصب السامية لمؤسسات الدولة.

ولم يوضّح القرار، إن كان قرارا ظرفيا أملاه تراكم الملفات على رئيس الجمهورية، أو هو مقدمة لتجسيد تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، تفاديا لاستشراء الحكم الفردي في البلاد، حسب ما تعهد به تبون خلال حملته الانتخابية، استنادا إلى تجربة عشريتين من حكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

المكاييل المتعددة في التعاطي مع تفاصيل الأزمة الداخلية من طرف السلطة الجديدة، يعكس تضارب القرار في هرم النظام

ومع ذلك تبقى الخطوة إجراء نسبيا، ينطوي على شكوك من إمكانية تلاعب السلطة بالرأي العام، لتمرير مخطط التجديد، كما هو جار في مسألة الحوار السياسي غير المعلن وقضية إجراءات التهدئة، حيث لا زالت الرئاسة تكتفي ببلاغات تعلن فيها لقاء رئيس الجمهورية بهذه الشخصية أو تلك، لكنه لم يصدر عنها أي بيان توضيحي عن أهداف أو أجندة الحوار.

ومقابل إطلاق سراح نحو ثمانين موقوفا ومسجونا خلال الأسابيع الماضية، لا زالت حملة التضييقات مستمرة في حق الناشطين والمعارضين السياسيين، حيث مثل، الأحد، نحو عشرين ناشطا أمام محكمة سيدي أمحمد بالعاصمة، للنظر في تهم وجهت لهم تتعلق بأحداث الحراك الشعبي والمظاهرات الاحتجاجية، كما حوكم الأحد، الناشط إبراهيم دواجي بنفس التهم، وهو ما يتعارض مع إجماع أغلبية ضيوف قصر المرادية الذين شددوا على ضرورة اتخاذ إجراءات علنية لتهدئة الأجواء المحتقنة وإعادة جسور الثقة بين السلطة والشارع.

وذكر بيان اجتماع مجلس الوزراء الذي تواصل إلى غاية ساعات مـتأخرة من مساء السبت، بأنه، وبعد استنفاذ جدول أشغال الاجتماع، “أعلن رئيس الجمهورية أنه وبهدف تخفيف إجراءات التعيين في المناصب السامية للدولة وتسريع حركة مستخدمي الوظائف العمومية السامية، قرر تحويل سلطة تعيين عدد معيّن من إطارات الدولة إلى الوزير الأول، وهذا في إطار احترام الأحكام الدستورية المعمول بها”.

وكان الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، قد استحوذ على صلاحيات وصفت بـ”الإمبراطورية”، خاصة بعد حذف منصب رئيس الحكومة واستخلافه برئيس الوزراء، حيث صارت كل القرارات ممركزة في قصر الرئاسة، الأمر الذي أعاق السير الحسن لمؤسسات الدولة، خاصة خلال الفترة التي أصيب فيها بمشاكل صحية (2013-2019)”.

قرار ظرفي أملاه تراكم الملفات
قرار ظرفي أملاه تراكم الملفات

وذكر موظف سابق في الرئاسة الجزائرية لـ”العرب”، بأن “القرارات كانت تنتظر لأسابيع ولشهور في مكتب رئيس الجمهورية خاصة خلال السنوات الأخيرة، وأن مؤسسات ومشاريع شلت بسبب استحواذ الرجل على كل شيء في البلاد، بدءا من القرارات السياسية الكبرى، إلى تعيين أبسط موظف في الدولة”.

ويعتبر وقف التفرد بالنظام السياسي في البلاد، من ضمن التعهدات التي أطلقها عبدالمجيد تبون، خلال حملته الانتخابية، وقد يكون قرار التنازل المذكور رسالة إلى الطبقة السياسية والرأي العام تعكس توجهه إلى تجسيد الوعود التي ينوي تكريسها في التعديلات الدستورية المرتقبة.

ويبدو أن محافظة الحراك الشعبي على زخمه رغم انتخاب الرئيس الجديد للبلاد، وفشل ورقة استقطاب بعض الأسماء التي كانت تحسب عليه في مناصب حكومية ورسمية في الدولة، على غرار الفنان يوسف سحيري، والكاتب والأديب احميدة العياشي، وقبله الإعلامي علي ذراع، لم يكفل للسلطة احتواء غضب الشارع المستمر منذ نحو عام، وتشير إلى أن سياسة أنصاف الحلول لا زالت عاجزة عن حلحلة الأزمة المستشرية في البلاد.

وذهب متابعون إلى أن المكاييل المتعددة في التعاطي مع تفاصيل الأزمة الداخلية من طرف السلطة الجديدة، يعكس تضارب القرار في هرم النظام، فهناك أكثر من توجه في المسألة، كما أن الرئيس عبدالمجيد تبون، لا يملك مقاليد القيادة لوحده، ولذلك تأتي خطوات التهدئة المنشودة منقوصة وغير مقنعة.

4