الرئيس السبسي والتطرف اليساري الموهوم في تونس

الجمعة 2016/02/05

عاد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي هذه الأيّام إلى ترديد الحديث عن التطرّف والوسطيّة أثناء حواراته الإعلامية خارج تونس وداخلها. وكانت حوارات مدويّة أثارت جدلا واسعا لدى الرأي العام التونسي. والجرعة الزائدة في كلام السبسي مؤخرا كانت حديثه عن التطرف اليساري واعتباره أخطر من التطرف السلفي.

ولئن كان السبسي يمارس البراغماتية السياسية بحرفية عالية إذ لا صديق دائما ولا عدو دائما في السياسة، وبقطع النظر عن مواقف الإسلاميين واليساريين من كلام رئيس الجمهورية، فإن خطابه هذا يعتريه الكثير من اللبس مما يجعله في حاجة إلى تفكيك وتحليل لمناقشة وجاهة مساواة الرئيس بين اليسار والإسلاميين في صفة التطرف، ولضبط سياقات هذا الخطاب وغاياته السياسية.

لا بد من التذكير بأن اليسار التونسي أقدم التنظيمات السياسية في تونس إذ يعود تأسيس الحزب الشيوعي التونسي إلى سنة 1920. ثم انخرط مناضلوه في أول نقابة عمالية في أفريقيا أسسها المناضل النقابي اليساري محمد علي الحامي والطاهر الحداد سنة 1924، وهي جامعة عموم العملة التونسية.

كما كان لهذه النقابة دور في تأطير العمال والطبقة الشغيلة للدفاع عن حقوقهم ولمقاومة الاستعمار قبل نشأة حزب الدستور نفسه. أما الإسلاميون فلم يظهروا إلا في ثمانينات القرن العشرين لما ترهل نظام بورقيبة وتكالبت عليه السابلة.

وإذا كان مفهوم التطرف ليس سوى الخروج عن الدولة وحمل السلاح ضدها والعمل على الاستحواذ عليها بالقوة وتحويل وجهتها وتغيير طبيعتها واستهداف أمن الموطنين وممتلكاتهم، فتجدر الإشارة إلى أن اليسار التونسي لم يؤثر عليه أي نزوع نحو أي من وجوه التطرف هذه طيلة تاريخه الحديث الذي قارب القرن من الزمان.

فاليسار التونسي كان مدنيا، متحضرا، مثقفا، منخرطا في المجتمع، مشغولا بالشأن العام، يحمل قيما اجتماعية بديلة يدافع عنها بالتربية والفن والثقافة والنشاط ضمن المجتمع المدني والنشاط السياسي المنظم. وكان همّ اليسار التونسي الارتقاء بمستوى عيش التونسيين وتحقيق العدالة الاجتماعية ومقاومة كل مظاهر التفاوت والظلم والاستبداد والرجعية.

أما الإسلاميون فمنذ نشأتهم في المجتمع التونسي كانوا غير مدنيين. فقد تركوا ساحات العمل السياسي والثقافي واتخذوا من المساجد مراكز لتنظمهم وأنشطتهم وبث دعوتهم. ونشروا قوافل الدعاة والمبشرين في البوادي والأرياف والأحياء. ولم يكن خطابهم يدور حول مشاكل الشعب التونسي وقضاياه الجوهرية، بل حول الابتعاد عن شرع الله والتذكير بالحدود والتخويف من أهوال المآل. باختصار كانت دعوتهم تدور حول الدعوة إلى الله.

ولما تفطنت أجهزة الدولة للخطر الذي يمثله الإسلاميون مطلع الثمانينات ضيقت عليهم. فكان ردهم عنيفا وأحرقوا أحد مقرات الحزب الحاكم في باب سويقة بالعاصمة تونس. وأعدوا لتفجير نزل بالمنستير وسوسة. وكانوا يجهزون أنفسهم للقيام بانقلاب عسكري يوم 8 نوفمبر 1987 أفسدته عليهم المخابرات الإيطالية التي دعمت زين العابدين بن علي رئيس وزراء الحبيب بورقيبة آنذاك، ودفعته للانقضاض على الحكم. ولم تكن لليسار التونسي أي صلة بذلك الصراع العنيف على السلطة بين الدساترة والإسلاميين.

بعد الثورة التونسية لم يغير اليسار التونسي خطه المدني التقدمي. وواصل نضاله من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وشارك في كل المحطات الانتخابية منخرطا بالكامل في الحياة السياسية متبنيا كل التحركات الاحتجاجية السلمية المدنية من أجل الحقوق المشروعة.

وتحمّل اليسار التونسي مسؤولية إنقاذ تونس من المخطط الإخواني الذي كانت تقوده حركة النهضة عندما رفضت التخلي عن الحكم بعد انقضاء مدة السنة التي منحها لها القانون. ودفعت الجبهة الشعبية الثمن غاليا باغتيال قائديها شكري بلعيد ومحمد البراهمي من طرف تكفيريين إسلاميين.

ورغم قسوة الضربتين اللتين تلقتهما القوى اليسارية التونسية باستهداف قادتها والتحريض عليها علنا في وسائل الإعلام والمساجد والمواقع الاجتماعية، فإن هذه القوى لم تفكر أبدا في الردّ على العنف بمثله. بل قاد اليسار التونسي حركة مقاومة الترويكا عبر جبهة الإنقاذ الوطني التي انخرط فيها رئيس الجمهورية نفسه الباجي قائد السبسي وحزبه. وقادت الجبهة الشعبية اعتصام الرحيل الذي خطب السبسي على منصته أمام عشرات الآلاف من المعتصمين المطالبين برحيل حكومة الترويكا وبصياغة دستور مدني لتونس يليق بها وبنضالات شعبها.

أما الإسلاميون فإنهم جاهروا برغبتهم في تحويل طبيعة المجتمع التونسي. وسهلوا انتشار الروضات القرآنية والتعليم الموازي والجمعيات الخيرية المشبوهة التي أغرقت المجتمع التونسي بالمال الفاسد واستقطبت الشباب التونسي وأرسلته للموت في بؤر النزاع المسلح. وأوعزوا لمتشددين بالاستيلاء على المساجد. وتساهلوا مع التكفيريين وتبنوهم وغفلوا عنهم أو تغافلوا حتى تمكنوا وتسلحوا واستطونوا الجبال وزرعوا مخابئ الأسلحة في أماكن كثيرة معدين أنفسهم للانقضاض على الدولة.

وفي السياسة قادت حركة النهضة الإخوانية نظام الترويكا طيلة سنتين فكان الفشل الذريع في كل المجالات، إذ تركت مشاكل المحتجين ومطالبهم وأغرقت البلد في سجالات فارغة حول الهوية والخطر على الدين. وأدخلت الدبلوماسية التونسية في لعبة المحاور الدولية مما جعلها أرض مؤامرات ضد الشعوب الأخرى لاسيما العربية منها.

واكتفت في اختلائها بالدولة التونسية بزرع أبنائها ومنتسبيها في مفاصل الإدارة والوظيفة العمومية بلا كفاءة بعد أن فعّلت العفو التشريعي العام وذهبت به إلى أقصاه بالتعويض المادي والتسوية المهنية الكاملة لكل المعفى عنهم.

هذا التحليل يجعلنا نستنتج أنه لا وجاهة لمساواة رئيس الجمهورية بين اليساريين والإسلاميين في صفة التطرف، باعتبار أن اليسار التونسي لم يعرف التطرف أبدا طيلة تاريخه. ولئن كان التطرف الإسلامي واقعا معاينا تعيش تونس على وقع ضرباته ويقاومه شعبها وقواته الأمنية والعسكرية بشراسة، فإن التطرف اليساري موهوم.

والحديث عن هذا التطرف اليساري الموهوم له غايتان؛ الأولى تصفية حسابات سياسية مع الجبهة الشعبية التي أسقطت قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي كان قد طرحه رئيس الجمهورية على مجلس نواب الشعب، والثانية تشويه اليمين واليسار ووسمهما بالتطرف على حد السواء ليسهل له ولحزبه المتشظي التمركز في الوسط.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9