الرئيس السوداني يسترضي معارضيه بالتصعيد مع مصر

الخميس 2015/11/26
ملفات قديمة ومشاكل متراكمة تعقد كل أزمة تندلع بين القاهرة والخرطوم

القاهرة - التصعيد الذي قام به النظام السوداني تجاه القاهرة خلال هذه الفترة، لم يكن متوقعا بالنسبة للنظام المصري، لأن جميع التصريحات الرسمية كانت تؤكد على متانة العلاقات مع الخرطوم، وترفض الانسياق وراء تصريحات بعض القوى السياسية المصرية، التي درجت على الإشارة إلى عدم الوثوق في نظام الخرطوم.

واتخذ الخطاب السياسي والإعلامي في السودان، منحى تحريضيا واضحا، على ضوء الإعلان عن مصرع خمسة مواطنين سودانيين في صحراء سيناء قبل يومين، كانوا في طريقهم إلى إسرائيل، ضمن عملية هجرة غير شرعية، ترعاها عصابات لتهريب أفارقة عبر سيناء.

وكانت بعض التصريحات السودانية انتقدت ما أسمته عمليات تعذيب استهدفت سودانيين، في بعض أقسام الشرطة المصرية. والمثير في الأمر أن التصعيد السوداني بدا منظما، ولم يقتصر على ما تناقلته بعض وسائل الإعلام بشكل كان فيه التضخيم لافتا، بل وصل إلى درجة إثارته في البرلمان السوداني، حيث تسابق النواب في الحديث سلبا عن مصر، كما بدأت بعض اللافتات المسيئة للمصريين تنتشر في الشوارع وعلى واجهات المحلات في الخرطوم.

وفي هذا الخضم، جرى الترويج لوثيقة على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إنها منسوبة لجهاز المخابرات الحربية في مصر، تحرض ضد السودان، وتستخدم عبارات سلبية ضد مواطنيه.

وعلمت “العرب” من مصادر دبلوماسية أن الوثيقة المزعومة مزورة، والدليل أنها احتوت على معلومات غير دقيقة، بينها خطأ واضح في اسم وزير الخارجية، حيث كتب سامح فهمي، بدلا من سامح شكري.

وقد استدعى سامح شكري، وزير الخارجية المصرية (الاثنين)، السفير السوداني بالقاهرة عبدالحليم عبدالمحمود، وأوضح له الكثير من جوانب الصورة، التي بدت غائبة عن الخرطوم، سواء بالنسبة لمن لقوا حتفهم في سيناء، أو ما تردد حول حملات تعذيب لسودانيين في مصر، وانتهى اللقاء بشكل إيجابي، حسب تصريحات صحفية أدلى بها شكري.

ومعروف أن هناك حوالي مليون سوداني يقيمون في مصر، منذ فترات طويلة، ويعيش أغلبهم كغيرهم من المصريين معاناة، غير محسوبة، مع أجهزة الأمن، لكن هناك فئة ترعاها هيئة الأمم المتحدة لرعاية اللاجئين بالقاهرة، وتتلقى مساعدات مادية منها.

الجزء الخفي الذي تسبب في تسخين الأزمة، يتعلق بالانتخابات البرلمانية التي أجرتها مصر الشهر الماضي في مثلث حلايب وشلاتين، المتنازع عليه من البلدين، حيث أرادت القاهرة تثبيت الوضع السياسي في هذه المنطقة لصالحها، كأمر واقع. وهو ما تسبب في إثارة عاصفة جديدة من الغضب السوداني ضد الرئيس عمر البشير، حيث اتهم بالتفريط في أراضي بلاده لمصر.

الجزء الخفي الذي تسبب في الأزمة يتعلق بالانتخابات التي أجرتها مصر في مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه

وفي ظل الانتقادات الحادة التي يواجهها البشير ورفاقه في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ومن بينها إخفاقه في إنجاح الحوار الوطني، لجأ إلى اتجاه التصعيد مع مصر، لنفي فكرة التفريط، ورمي الكرة في ملعب المعارضة، ومحاولة جذب جانب من المختلفين معه إلى جواره، باعتبار أنه يواجه خلافا سياسيا خارجيا.

لكن هناك جملة من الأخطاء وقع فيها الرئيس السوداني، وعدد من أركان نظامه، في مقدمتها أنه تعمد إثارة ملف حلايب، في وقت متأخر، حيث مضى على إجراء الانتخابات البرلمانية في المثلث نحو شهر، ومعروف قبلها بأشهر عدة أن هناك انتخابات ستجرى في حلايب، الأمر الذي أفضى للبحث عن خلفيات سياسية للتسخين الجديد. كما أنه لم تمض أيام قليلة على التدخلات الإثيوبية في إقليم “الشفقة” السوداني، ولم يحظ باعتراض ظاهر من البشير، كما حصل مع حلايب، مع أن الأولى شهدت معارك مسلحة، وتوغل سيطرة على أراض سودانية، وبدت المسألة أقل هدوءا مما هو حاصل مع مصر.

ورجّح متابعون، أن يكون التصعيد السوداني مع مصر، ينطوي على انسحاب تدريجي من الارتباط بمصر، التي مرت العلاقات معها بأزمات كثيرة، أشدها قسوة، عقب سقوط نظام الإخوان في مصر، لكن في كل مرة تفرض المصالح المشتركة منطقها، ويتريث كل طرف، ويبدو حريصا على الاحتفاظ بإيجابية ظاهرة مع الطرف الآخر.

والأزمة هذه المرة أخذت بعدا مغايرا، ليس فقط لأن السودان أعلن عن إلغاء الاجتماع الثلاثي، الذي كان سيحضره وزراء الخارجية والري في كل من مصر وإثيوبيا والسودان بالخرطوم أواخر الشهر الجاري، لكن لأن تصعيد الخرطوم مع القاهرة، تزامن مع تصعيد مماثل قامت به أديس أبابا باتجاه مصر، على خلفية أزمة سد النهضة، وهو ما منح الأزمة بعدا إقليميا.

ولم يستبعد مراقبون سألتهم “العرب” فكرة تخطيط الدولتين للضغط على مصر، ومحاولة ابتزازها، على أساس عدم قدرتها على الدخول في مواجهات مفتوحة خارجية حاليا.

وعلى الرغم من أن سامح شكري، وزير الخارجية المصري، أكد أن بلاده لديها أوراق ضغط يمكن أن تستخدمها عند الضرورة -يقصد مع إثيوبيا-، غير أن الأخيرة قللت من أهمية ذلك، مؤكدة أن القاهرة لا تملك هذه الرفاهية في الوقت الراهن. المنحنى الذي أخذه التصعيد بين السودان ومصر، أصبح مفتوحا، على احتمال أن تنشط دبلوماسية تطييب الخواطر العربية، ويتم إغلاق ملف أزمة حلايب مؤقتا، اتساقا مع سوابق تاريخية، منذ ستينات القرن الماضي، عندما تفجر النزاع حول هذا المثلث، وحتى الأزمة الشهيرة بين البلدين عام 1992، والتي أفضت إلى وضع مصير المثلث على طاولة الأمم المتحدة، حيث أصبح يدرج على اجتماعات المنظمة الدولية خلال اجتماعها السنوي في سبتمبر من كل عام.

وكانت الخرطوم تعهدت للقاهرة بسحب الملف من الأمم المتحدة، لكنها لم توف بوعدها، وتنصلت من هذا الالتزام، وبقيت الأزمة مدرجة رسميا على طاولة الأمم المتحدة.

واللافت للانتباه، أن الاحتمال الآخر، الذي رجّحه مراقبون، أن يكون السودان، يريد أن يعيد التوازن لعلاقته مع كل من تركيا وقطر، بعد أن بدت الخرطوم كأنها ابتعدت عنهما، شكليا على الأقل، بالتالي من الضروري أن يقدم عربون صداقة جديد، عبر تضخيم الخلاف مع مصر.

في المقابل، قلل متابعون للشأن السوداني من هذا الاحتمال، لأن نظام البشير لن يستطيع الصمود أمام الدخول في عداء ممتد مع القاهرة، لأن الأخيرة لن تعطيه فرصة.

وإذا فشلت توجهاتها السلمية، قد تضطر إلى توظيف علاقاتها الطويلة مع قوى مختلفة من المعارضة السودانية، لم تلجأ في أوقات سابقة لاستخدامها، لكن فشلها في ردع البشير دبلوماسيا، من الممكن أن يجبرها على استخدام أوراق خشنة معه، وتقوم بتصفية حساباتها القديمة والمتراكمة معه، عندما كان يؤوي جماعات إرهابية، ويسمح بتدفق قوافل الأسلحة والإرهابيين على مصر.

6