الرئيس العثماني متعطش لرئاسة مطلقة للدولة الكمالية

في السابع من يونيو الحالي سيدلي الناخبون الأتراك بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية التركية، غير أن هذه الانتخابات تتجاوز مجرد مسألة من يسيطر على البرلمان، إذ أن انتصار حزب العدالة والتنمية الحاكم بالأغلبية سيفسح المجال للحكومة التركية لكي تحوّل النظام البرلماني الذي بناه كمال أتاتورك إلى نظام رئاسي، يطمح الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان من خلاله إلى أن يدخل التاريخ باعتباره صانع التغيير.
السبت 2015/06/06
هل ينجح أردوغان في إقناع الأتراك بمبايعته سلطانا

المتابع لتفاصيل المعركة الانتخابية الدائرة الآن في تركيا والتي ستنجلي نتائجها مساء السابع من يونيو، يلحظ أن عوامل عديدة تلهب المنافسة في الانتخابات البرلمانية.

وكشف علي جلال معوض، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وخبير الشؤون التركية لـ”العرب”، أن أكثر من 50 بالمئة من الأتراك يتشككون في نية حزب العدالة والتنمية الحاكم إجراء انتخابات برلمانية نزيهة.

وأكد معوض أن ارتفاع نسبة الشك في نزاهة العملية الانتخابية يفتح المجال أمام احتمالات العنف بعد انتهائها، وخاصة في حال عدم منطقية النتائج، بسبب عمليات التلاعب والتزوير المحتملة، لاسيما أن الحملة الانتخابية منذ بدايتها اتسمت بالكثير من التجاوزات، أبرزها انخراط أردوغان في دعاية شبه مباشرة لحزب العدالة والتنمية، رغم افتراض التزامه دستوريا كرئيس للجمهورية بالحياد بين الأحزاب.

وأوضح معوض، لـ”العرب”، أن ما يزيد من أهمية الانتخابات المرتقبة عدم وجود مناسبات انتخابية أخرى قريبة، سواء رئاسية أو محلية قبل عام 2019، وهو ما يعطي حزب العدالة والتنمية حال فوزه بالأغلبية الكفيلة بتشكيل الحكومة منفردا، فرصة كبيرة ليستمر في تنفيذ سياساته، مع تقييد أكبر لأحزاب وقوى المعارضة.

واعتبر معوض الحديث عن تطمينات أحمد داود أوغلو بأن الحزب سيقلل من حدة التصعيد في خطاباته ومواقفه بعد الانتخابات وسيتبنى مواقف جامعة غير مضمونة التحقيق، قياسا بممارسات الحزب في السنوات الأخيرة، وفي ظل احتمالات تغيير أوغلو ذاته بعد الانتخابات، نتيجة الفتور الواضح في العلاقة مع أردوغان، بسبب عدم ارتياح الأول لتدخلات الرئيس في كل تفاصيل عمل الحكومة.

وحول حظوظ حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، أكد الخبير في الشأن التركي أن غالبية التوقعات واستطلاعات الرأي تشير إلى استمراره في المركز الأول وفوزه بالنسبة الأكبر من الأصوات، لكن مع تفاوت التقديرات، حيث يرجح البعض حصوله على 39 بالمئة في أدنى التقديرات، تصل إلى 44 بالمئة في المتوسط (وهو التقييم الأكثر شيوعا)، رغم أن بعض استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز أبحاث (أغلبها مقربة من الحزب الحاكم) أعطت العدالة والتنمية نسبة تتراوح بين 49 و50 بالمئة أو أكثر قياسا على نتائج الانتخابات المحلية والرئاسية الأخيرة.

أغلبية صعبة

قال معوض إن أغلب التوقّعات تشير إلى أن حزب الشعب الجمهوري سيحافظ على المركز الثاني، من حيث نسبة الأصوات (بتقديرات تتراوح بين 25 و28 بالمئة)، ويأتي حزب الحركة القومية في المركز الثالث (بنسب تتراوح بين 15 و18بالمئة).

علي جلال معوض: محاولات أردوغان توسيع دوره الرئاسي تعكس ميوله الديكتاتورية

قدرة أردوغان على تحقيق الأغلبية من أجل تعديل الدستور بما يحول تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي ستكون أمرا صعبا حسب علي معوض، لاسيما مع تأكيد كافة الأحزاب الأخرى معارضتها لفكرة النظام الرئاسي، لافتا إلى أن هذا الأمر يرتبط بشكل أساسي بعدد المقاعد التي سينجح في الفوز بها من إجمالي مقاعد البرلمان البالغة 550 مقعدا.

وكشف علي جلال معوض أن غالبية التحليلات تشير إلى صعوبة نجاح العدالة والتنمية في تحقيق الأغلبية المطلوبة لتعديل الدستور منفردا، دون اللجوء إلى الاستفتاء، لاسيما في حال نجاح حزب الشعوب الديمقراطية في تجاوز الحاجز الانتخابي، وهو ما يفسّر تركيز أردوغان على توفير الجزء الأكبر من هجومه على الحزب الكردي.

تعديل الدستور

تعتمد تركيا على دستور عام 1982، الدستور الذي سنّ غداة الانقلاب العسكري الذي وقع في الثاني عشر من سبتمبر من العام 1980. وهو رابع دستور أسس لجمهورية تستند إلى نظام برلماني يعتمد على الفصل بين السلطات. وحول الهدف الحقيقي من تعديل الدستور ونظرة المجتمع التركي لهذه القضية، أكد جلال معوّض أن الكثير من الأتراك لا يعتبرون شكل النظام السياسي، سواء كان برلمانيا أو رئاسيا، قضية مهمة، أو حتى تساوي في أهميتها قضايا أخرى، مثل مسألة سيادة القانون والفصل بين السلطات والفساد وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض قيمة العملة ومشكلات الإدارة الاقتصادية، أو حتى القضية الكردية.

وأوضح أن التركيز على مسألة النظام الرئاسي انعكاس لطموح أردوغان الشخصي، الذي سعى منذ فوزه بالرئاسة إلى اعتبار هذه القضية أولوية قصوى، ضمن محاولاته لتوسيع صلاحياته وإشباع طموحاته الديكتاتورية، رغم أن صلاحيات الرئيس في الدستور الحالي معقولة. كما يهدف أردوغان من وراء إثارة قضية تعديل الدستور إلى صرف الأنظار عن القضايا الأخرى التي حقق فيها الحزب نتائج سلبية تسببت في تراجع شعبيته في الشارع التركي.

وتوقع علي جلال معوض أن تتصاعد حالة الاستقطاب القائمة في تركيا، إذا نجح الحزب الحاكم في التحول إلى نظام رئاسي قوي يجمع بين مزايا النظم الرئاسية الديمقراطية والسلطوية، وهو أمر قد يؤثر على فرص حزب العدالة والتنمية ذاته وقدرته على مواصلة حضوره السياسي وتنفيذ سياساته.

6