الرئيس العراقي يسترضي واشنطن وشركاءه في العملية السياسية

برهم صالح يؤيد مليونية الصدر ويعارض إخراج القوات الأميركية من العراق.
السبت 2020/01/25
حيرة في زحمة المواقف المتضادة

الرئيس العراقي المعروف بمرونته وحنكته في تدوير الزوايا والالتفاف على المواقف الصعبة يواجه موقفا غير مألوف يتمثّل في كيفية استرضاء طرفين متناقضين ولا يقل كل منهما عن الآخر تشدّدا في التمسك بموقفه، ويتعلّق الأمر من جهة بالأحزاب والميليشيات الشيعية الشريكة لصالح في الحكم، ومن جهة مقابلة بالإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب التي لا تقنع بالمجاملة ولا ترضى بأنصاف المواقف وتعتبر أن من ليس معها هو بالضرورة ضدّها.

بغداد - لجأ الرئيس العراقي برهم صالح إلى المواربة في التعبير عن موقفه من التظاهرة الشعبية الكبيرة التي نظمتها الجمعة في بغداد مجموعة من الأحزاب والفصائل الموالية لإيران للمطالبة بإخراج القوات الأميركية من العراق.

وقال صالح، الذي أصبح مؤخّرا عرضة لانتقادات وتهديدات أحزاب وميليشيات تتهمه بالانحياز إلى صفّ الولايات المتحدة ضدّ إيران، “إنّ العراقيين مصرّون على دولة ذات سيادة كاملة غير منتهكة، بعيدا عن التدخلات والإملاءات الخارجية”.

وكتب على حسابه في تويتر “العراقيون مصرون على دولة خادمة لشعبها ومعبّرة عن إرادتهم الوطنية المستقلة”. وتابع في تغريدته “دولة ضامنة لأمنهم وحقوقهم في الحياة الحرة الكريمة.. دولة تعيش في أمن وسلام مع جيرانها”.

وأرفق تعليقاته بصورة للتظاهرة الحاشدة التي كان دعا إليها بشكل أساسي رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لمطالبة القوات الأميركية بالرحيل عن البلاد، ما أوحى بأنّ الرئيس العراقي مساند لمواقف الصدر وباقي الشخصيات والفصائل الشيعية المطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية.

غير أنّ اللاّفت في حديث برهم صالح عن السيادة لم يخصّ طرفا بعينه من الأطراف المتّهمة بانتهاكها، ما يعني أن كلامه ينطبق بنفس الدرجة على الولايات المتّحدة وعلى إيران المنخرطتين في صراع شرس على النفوذ في العراق والمهتمّتين بتوجيه سياساته نحو ما يخدم مصالح كل منهما، وإنّ كانت كفّة التدخل في الشأن الداخلي العراقي راجحة لمصلحة طهران التي تعتمد على أذرع قويّة من أحزاب وميليشيات شيعية ممسكة بزمام السلطة.

وتصاعدت نبرة العداء للوجود العسكري الأميركي في العراق بين القوى الشيعية العراقية، إثر مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي أبومهدي المهندس في ضربة جوية أميركية قرب مطار بغداد في الثالث من يناير الجاري.

وبدا أن الأحزاب والفصائل الشيعية مستعجلة في تحقيق إنجاز استراتيجي لمصلحة إيران يتمثّل في إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، بعد أن اعتبرت طهران أن ذلك سيكون أكبر ردّ على قتل سليماني الذي كان بمثابة العقل المدبّر والمشرف الأوّل على عملية مدّ نفوذ إيران في بلدان جوارها العربي.

ولهذا السبب لم ترض تلك الأحزاب والفصائل بأنصاف المواقف من قضية إخراج القوات الأميركية من العراق، في ما كان البعض من المسؤولين والشخصيات السياسية العراقية يرون ضرورة التريّث ومراعاة جملة من المعطيات الموضوعية ومن ضمنها الارتباطات الواسعة عسكريا وأمنيا واقتصاديا بين العراق والولايات المتّحدة.

ولم يتردّد البعض في التحذير من مغبّة الدخول في صراع ضدّ الولايات المتحدة لحساب إيران، خصوصا في ظلّ ما هو معروف من نزعة صارمة لدى إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب ولجوئه بشكل مكثّف لاستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية دفاعا عن مصالح بلاده.

ورفضت واشنطن قرارا اتّخذه البرلمان العراقي ينص على إخراج القوات الأميركية من العراق، خصوصا وأنّ من صوّتوا على القرار هم تقريبا نواب الكتل الشيعية دون النواب العرب السنّة والأكراد. وإثر ذلك قال ترامب إنّ الولايات المتحدة لن تغادر العراق قبل أن يدفع تكلفة قواعدها العسكرية هناك، مهدّدا بفرض عقوبات على بغداد “لم تر مثلها من قبل، وتكون العقوبات على إيران بجوارها شيئا صغيرا”.

وداخليا رفضت قيادات إقليم كردستان العراق الذي يتمتّع بوضع أقرب إلى الحكم الذاتي ويحتفظ بعلاقات قويّة مع الولايات المتحدة قرار إخراج القوات الأميركية من العراق معتبرة أنّ الحاجة إليها لا تزال قائمة لمواجهة فلول تنظيم داعش. ويبدو أنّ فصائل عراقية سحبت الموقف الكردي على الرئيس العراقي برهم صالح الذي ينتمي إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، مشكّكة في حقيقة موقفه من وجود القوات الأميركية في العراق.

يصعب إقناع معسكر الموالاة لإيران بأنصاف المواقف من قضية إنهاء الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية

وتجاوزت ميليشيا حزب الله العراقي، وميليشيا النجباء، وهما من أشرس الميليشيات العراقية وأكثرها موالاة لإيران، التشكيك في موقف الرئيس إلى تهديده بالطرد من بغداد.

وحذّر الفصيلان المسلّحان برهم صالح من التقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. لكن صالح تجاهل التهديد وأجرى محادثات مع ترامب الأربعاء في سويسرا.

وقال صالح في  مؤتمر صحافي إثر اللقاء إن بلاده لديها شراكة مع الولايات المتحدة بشأن محاربة تنظيم داعش، مضيفا أن هذه المهمة يجب أن ‏تكتمل.

وفيما اعتُبر محاولة لتهدئة غضب معسكر الموالاة لإيران في العراق من ذلك اللقاء قال مكتب الرئيس العراقي في بيان إنّ “الجانبين تدارسا وجود القوات الأجنبية وتخفيضها في البلاد، وأهمية احترام مطالب الشعب العراقي في الحفاظ على السيادة الوطنية والأمن والاستقرار”.

وفي كلمته بمؤتمر دافوس قال صالح إنّه “لا يحق لأي دولة أن تملي على العراق ما ينبغي عليه فعله بشأن علاقاته الخارجية”، مضيفا أنه “ليس من مصلحة البلد أن يتحالف مع أحد على حساب الآخرين”.

ويبدو من مختلف المواقف التي يعلنها الرئيس العراقي بشأن العلاقات الإقليمية والدولية للعراق، أنّه يحاول بصعوبة استرضاء طرفين متضادين، واشنطن وطهران، ومن يمثّلهما في الداخل العراقي. غير أنه لا يبدو بصدد النجاح في ذلك حيث لا تعتبر علاقاته مع الأحزاب والفصائل الشيعية ذات الدور الأساسي في قيادة الدولة العراقية في أحسن أحوالها.

وظهر ذلك جليّا عندما رفض تكليف مرشّحيْن من تلك الأحزاب بتشكيل حكومة جديدة خلفا لحكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي. ورشحت إثر ذلك أنباء بشأن “فرار” برهم صالح إلى مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، بعد ورود معلومات عن إمكانية تعرّض مقرّ إقامته في بغداد إلى هجوم بطائرة مسيّرة محمّلة بشحنة من المتفجّرات.

3