الرئيس الفرنسي يروج صورة جديدة لبلاده في أفريقيا تخالف الماضي

السبت 2017/12/02
التاريخ لا يرحم

خاطب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من جامعة واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، شباب هذا البلد بعبارات مطمئنة تزيح حواجز التاريخ وتوحي بالمساواة بين أبناء القارتين، من خلال مساعيه إلى الترويج لنفسه كرئيس فرنسي من جيل شاب يستنكر أخطاء الاستعمار، ويستحسن نضال القادة الأفارقة.

وأفصح ماكرون بقوله “إن إحدى أفضل ذكرياته كانت انتصار نليسون مانديلا”، بل عبر عن موقفه الرافض لعبودية الأفارقة في ليبيا، وسارع بطرح مبادرة لإجلائهم وإعادتهم إلى بلدانهم.

واستمر الخطاب الفرنسي الجديد، خلال جولة ماكرون الأفريقية التي شملت أيضا ساحل العاج لحضور القمة الخامسة الأوروبية – الأفريقية، فضلا عن غانا إحدى أكثر الدول الأفريقية استقرارا وديمقراطية.

ويحاول ماكرون من خلال تصريحاته تغيير الصورة النمطية عن بلاده، والعالقة في ذاكرة الأفارقة منذ إنشاء مجلس للسياسة الأفريقية في نهاية أغسطس الماضي.

ويضمّ المجلس متطوعين من الجنسيتين، في مؤشر يظهر توظيف باريس لأفارقة المهجر من جهة مساهمتهم في تغيير الصورة الفرنسية التقليدية بالقارة.

ويستطيع أفارقة المهجر أن يلعبوا دورا أساسيا في إبلاغ الرئاسة الفرنسية بالتغيرات في المجتمعات الأفريقية، حيث لا يزال بعض القادة الغربيين، ومنهم ماكرون، يدلون بتصريحات متناقضة تكشف عدم إدراكهم الحقيقي للواقع الأفريقي. برز ذلك مثلا في مناسبتين، إحداهما في قمة العشرين بهامبورغ، حيث اختصر ماكرون أزمة أفريقيا في إنجاب النساء لثمانية أطفال، والأخرى، عندما قال لطلاب جامعة واغادوغو إنه “غير معني بأزمة الكهرباء التي يطالبون بحلها”، وأن “عليهم مخاطبة رئيسهم” الذي غادر القاعة عندئذ، ليعلق ماكرون على إثر ذلك بطريقة لا تخلو من السخرية من مضيفه الأفريقي بأنه “ذهب لإصلاح التكييف”.

والسؤال المطروح هنا، لماذا تسعى فرنسا إلى تغيير خطابها تجاه أفريقيا في هذا الوقت تحديدا؟ قد يكون جليا للوهلة الأولى أن ماكرون يمثل جيلا قياديا جديدا يسعى لاستعادة حيوية الدور الخارجي الفرنسي ليس فقط في القارة الأفريقية وحسب، وإنما في الشرق الأوسط أيضا (كما برز في أزمتي لبنان وليبيا)، وكذلك على الساحة الأوروبية عبر تحجيم الصعود الألماني، بعد خروج بريطانيا (بريكست).

وتبدو أن محاولة فرنسا لاستعادة حيويتها الخارجية في أفريقيا بصفة خاصة، تحتمها المصلحة الاستراتيجية لباريس، وما تحمله من تحديات تفرض عليها تجديد خطابها، وتقديم صورة مغايرة عن فرنسا البلد المستعمر بالنسبة إليها، خاصة وأن القارة الأفريقية لم تعد حكرا على التنافس الأوروبي- الأميركي فقط، إذ باتت قوى إقليمية أخرى تزاحمها النفوذ، خاصة الصين، والهند، والبرازيل، وتركيا وغيرها.

بموازاة ذلك، تواجه فرنسا تهديدات متصاعدة من قلب أفريقيا لا تمس فقط نفوذها العسكري والاقتصادي بالقارة، وإنما أيضا باتت تطرق أبواب باريس، وسط تصاعد الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، ما يفسر اتجاه الخطاب الفرنسي، في بوركينا فاسو وقمة أبيدجان إلى مخاطبة الشباب الأفريقي، الذين يمثلون ضحية هاتين الظاهرتين.

وعلاوة على طبيعة المصالح الفرنسية المتنامية في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، تنظر باريس إلى القارة، على أنها مخزن للموارد الأولية الداعمة لاقتصادها، كما الحال مع النيجر، كما تهيمن على مناجم اليوارنيوم التي تغذي بدورها مفاعلات الطاقة النووية الفرنسية المنتجة للكهرباء.

وعلى مستوى عسكري، تملك فرنسا اتفاقيات دفاع مشترك مع بعض الدول الأفريقية، خاصة على النطاق الفرانكوفوني، بخلاف القواعد العسكرية الفرنسية المنتشرة في جيبوتي، والغابون، والسنغال، والنيجر، وتشير التقديرات إلى وجود قرابة 9 آلاف عسكري فرنسي في القارة الأفريقية، بل إن خمس صادرات السلاح الفرنسي يذهب إلى أفريقيا جنوب الصحراء.

ودفعت محاولة ماكرون التخفيف من أعباء المواجهات العسكرية المباشرة مع الإرهابيين في أفريقيا، وتوظيف وكلاء إقليميين للقيام بهذه المهمة، إلى دعم تأسيس قوة الساحل الأفريقي المكون من خمس دول بالمنطقة (موريتانيا، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) خلال قمة حضرها في شهر يوليو الماضي في مالي.

ورغم مساعي الرئيسي الفرنسي تجميل صورة فرنسا لدى شبابها عبر دعم عسكري واقتصادي إلا أن ذلك لم يكن كافيا لحذف ماضي فرنسا الاستعماري في بلدانهم وحاضرها البراغماتي.

وواجه المواطنون في واغادوغو زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة بمظاهرات منددة بنهب باريس لموارد أفريقيا ودعمها الاستبداد، وبدا بذلك أن ذاكرة الشباب الأفريقي لا تزال تحمل ما فعلته فرنسا في بلدانهم قبل ثلاث سنوات، عندما ساندت الدكتاتور بليز كومباري، وهربته إلى ساحل العاج، بعد الإطاحة به في انتفاضة شعبية، أنهت حكمه الذي استمر 27 عاما.

وفي الأخير تظل الصورة الفرنسية المعاد ترويجها على يد ماكرون في أفريقيا غير مقنعة للشباب الأفارقة، طالما ظل أولئك يرون بأعينهم عساكر باريس يجوبون شوارع بلدانهم، وشركاتها تنهب مواردهم بشروط مجحفة، وتستمر في غض الطرف عن استبداد القادة الأفارقة.

وما لم ينسجم أي خطاب سياسي غربي مع شواهد الواقع، سوف يصبح حينئذ مجرد محاولة لتنظيف السمعة التي دأبت عليها القوى الرأسمالية الغربية كلما تغيرت الظروف في مناطق نفوذها الخارجية.

6