الرئيس اليوناني لـ"العرب": مصر واليونان صمام أمان المنطقة

الأحد 2015/04/26
بافلوبولوس: اليونان فقدت الكثير من طاقتها الاقتصادية لكنها لم تفقد قوتها الجيوسياسية

القاهرة - قال الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس، في حوار خاص مع “العرب”، إن اليونان وقبرص ومصر تمثل مراكز استقرار في المنطقة، لذلك يجب أن يظل كل منها قويا، ويتصدّى لدول المنطقة التي تسعى إلى وضع العراقيل وإثارة المشكلات مثل تركيا. كما شدّد على ضرورة تبني دول الاتحاد الأوروبي سياسة موحدة بخصوص عديد الملفات بدءا بالهجرة غير الشرعية ووصولا إلى الخطر الإرهابي.

أكد رئيس اليونان، بروكوبيس بافلوبولوس، على أهمية القمة بين مصر واليونان وقبرص، والتي ستعقد في نيقوسيا في الـ29 من أبريل الجاري، للمساهمة في صياغة التعاون المشترك ودعم عوامل الاستقرار في المنطقة، خاصة أن الدول الثلاث تعد بمثابة صمامات أمان لأوروبا والعالم.

وقال الرئيس اليوناني، في حوار خاص مع “العرب”، خلال زيارته للقاهرة، إن انعقاد القمة يعزز دور الدول الثلاث في ضمان السلام في منطقة شرق المتوسط، ويمثل دعوة وتحديا وحافزا لقوى أخرى في المنطقة للعمل ضمن هذا الإطار، لتسهم في المسيرة من أجل التنمية، على أساس احترام القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة للبحار.

وأضاف أنه يمكن استثمار العلاقات المتميزة التي تجمع بين بلاده وكلّ من مصر وقبرص لدفع التعاون المشترك بينهم بشكل وثيق، ومع دول المتوسط الأخرى، بما يساهم في تشكيل سياسة خارجية وأمنية متماسكة، وتعزيز البعد المتوسطي في سياسة الجوار الأوروبية.

وشدد على أن اليونان وقبرص ومصر تمثل مراكز استقرار في المنطقة، لذلك يجب أن يظل كلّ منها قويا، منوها إلى ضرورة الاستفادة من الفرص المتاحة، وجميعهم يقع في منطقة تمر من خلالها مسارات مختلفة للطاقة، وتوجد في قبرص حقول غاز طبيعي واعدة، وهناك احتمالات لوجود مخزونات أخرى جنوب جزيرة كريت، وقبالة الساحل الغربي لليونان في البحر الأيوني، ما يحتم وضع الاستراتيجيات المناسبة لاستغلالها بالشراكة مع مصر.

وقال بروكوبيس بافلوبولوس: اليونان تبحث إمكانية أن تصبح نقطة لمرور شبكات الطاقة، بما يتضمنه ذلك من نقل الغاز إلى أوروبا، واستغلال النفط والغاز في قبرص، وهي مجالات ذات أولوية بالنسبة إلى بلاده، لأنها يمكن أن تسهم في التنمية والأمن في المنطقة وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة.

وأشاد بموقف مصر من ترسيم الحدود البحرية المشتركة، موضحا أنه يختلف عن مواقف دول أخرى تسعى إلى وضع العراقيل وإثارة المشكلات مثل تركيا، التي تقوم بإجراء عمليات بحث وتنقيب في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، مطالبا باحترام القانون الدولي، وكذلك مسار المفاوضات بين الجانبين القبرصي والتركي للتوصل إلى حل دائم للمشكلة القبرصية.

يجب تقديم الدعم الكامل للحكومة الليبية والبرلمان المنتخب والجيش الوطني ووقف تمويل الإرهاب ودعم القوى المتطرفة في ليبيا

وأعرب بافلوبولوس، الذي قام بتدشين البهو التاريخي لكنيسة مار جرجس، التابعة للبطريركية اليونانية، وافتتح متحف دير البطريركية المقدس بالقاهرة، عن رغبة بلاده في الاستفادة من إمكاناتها، موضحا أن اليونان فقدت الكثير من طاقتها الاقتصادية خلال الأزمة المالية، لكنها لم تفقد قوتها الجيوسياسية. وأضاف أن إنهاء المشكلة القبرصية والإعداد المناسب لإيجاد حل عادل لها، يمكن أن يمثل نقطة انطلاق تستفيد منها اليونان، وأن التسوية تسهم في خلق مناخ أفضل للأمن والاستقرار في أوروبا.

أزمة متفاقمة

حول الهجرة غير الشرعية ودور اليونان في حلها، باعتبارها إحدى البوابات الجنوبية، أكد الرئيس اليوناني أنه يجب على الاتحاد الأوروبي إعداد خطة عاجلة لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة للمهاجرين غير الشرعيين في منطقة البحر المتوسط، مضيفا أن خطة الاتحاد يجب أن تقدم الدعم للدول الأعضاء، خاصة اليونان وإيطاليا في منطقة المتوسط، وهما تتحملان وطأة تدفق موجات المهاجرين واللاجئين القادمين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وغيرهما.

وأشار إلى أهمية تحقيق قدر أكبر من التعاون بين دول شمال وجنوب المتوسط، وتطبيق سياسة الهجرة التي أقرها الاتحاد الأوروبي عام 2008 بشكل كامل، من خلال تحقيق التنمية في دول جنوب المتوسط، وتنمية اقتصاد الدول المصدرة للهجرة، بما يساهم في القضاء على الأسباب الاقتصادية التي تدفع إلى الهجرة غير الشرعية، والتي تودي بحياتهم في النهاية، مطالبا المجتمع الدولي بالعمل على الحيلولة دون تكرار ذلك.

وقال الرئيس بافلوبولوس: يتعين على الاتحاد الأوروبي معاجلة هذه المشكلات، ومواجهة قضية الهجرة غير الشرعية بكل حسم، لأن لها جوانب إنسانية وأخرى أمنية، ومن المهم عدم تجاهل البعد الثاني، لأنه متصل بملفات على درجة من الأهمية، لافتا إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ في منح اللجوء السياسي ومعاجلة موضوع الهجرة، مشيرا إلى أن هذه السياسة تدل على أن للاتحاد دورا في تأمين الحدود المشتركة مع دول الجوار، وهناك مجال كبير وواسع لمحاربة الهجرة غير الشرعية.

بافلوبولوس يشيد بالدور المحوري الذي تقوم به القاهرة في منطقتي الشرق الأوسط وشرق المتوسط

ونوه إلى أن هناك دولا ليست عضوة في الاتحاد الأوروبي تلعب دورا متميزا ورائدا في البحر المتوسط، على رأسها مصر، خاصة تحت الظروف السيئة الأخيرة التي كشفتها مأساة جزيرتا لمبادوزا ورودس.

وطالب بافلوبولوس الاتحاد الأوروبي بضرورة أن يصرف الدعم والمعونة للدول التي تواجه هذه المشاكل، والتي تتواجد في البحر المتوسط لكي تستطيع مواجهة المشكلة ذاتها، موضحا أن الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي عليهما مسؤولية تقديم المساعدات اللازمة لحل مشكلات اللاجئين في الدول المستضيفة لهم أيضا.

عن كيفية مواجهة الخطر الإرهابي، أكد الرئيس اليوناني أن الخطر يتمثل في الأفكار الجهادية وفي تنظيم داعش، مشيرا إلى اهتمام بلاده بمواجهة التحديات الأمنية في المنطقة من خلال مراعاة الأبعاد الاقتصادية في سياسة الجوار الجنوبي، لا سيما في ضوء التحديات التي تواجهها الدول التي ينتشر فيها التنظيم الإرهابي.

وشدد الرئيس اليوناني على تطلع بلاده لتعزيز تعاونها مع مصر ودول المنطقة في مجال مكافحة الإرهاب، للحيلولة دون انتشاره، لافتا إلى أن التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط خطيرة للغاية، وتتطلب تضافر الجهود لمواجهتها.

أزمات إقليمية وآفاق

أكد بافلوبولوس أن مواجهة الإرهاب، يجب أن تكون على مستويين، الأول على مستوى المحافل الدولية، من خلال تطبيق القانون الدولي، الذي يعطى فرص ووسائل كثيرة لإيجاد حلول وتطبيقها، شرط أن يعرف المجتمع الدولي أن تلك البنود التي وردت في القانون يجب تطبيقها، وقد حان وقت البدء في العمل.

مواجهة المشكلات في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط تتوقف على التنمية الاقتصادية وتحقيق الأمن، ومواصلة مرحلة التحول الديمقراطي

أما الثاني، فهو مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث يتم خلق سياسة موحدة لمواجهة المشكلات في شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط، بطريقة تتناسب مع ظروف وحساسيات المنطقة، وحينها يصبح التعاون الآلية الأساسية لنجاح العملية. وأشار بافلوبولوس أيضا إلى ضرورة تقديم الدعم الكامل للحكومة الليبية والبرلمان المنتخب والجيش، ووقف تمويل الإرهاب ودعم القوى المتطرفة في ليبيا.

وطالب الرئيس اليوناني بإيجاد أفق سياسي للأزمة السورية، بما يحافظ على السلامة الإقليمية للدولة، ويعيد للشعب السوري أمنه واستقراره، محذرا من مغبة ترك الأوضاع دون تسوية، لأن ذلك ستكون له تداعيات سلبية على منطقتي الشرق الأوسط والمتوسط.

وأوضح أن القضية الفلسطينية ستظل محورية في المنطقة، وتسويتها سوف تساهم في تغيير الواقع الإقليمي إلى حد كبير، وشدد على أهمية تقديم ضمانات للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، تساعد على استئناف المفاوضات، وصولا إلى صيغة حل الدولتين، موضحا أن موقف بلاده ثابت إزاء القضية الفلسطينية، وتؤيد الحل العادل لها، على أساس دولتين تتعايشان جنباً إلى جنب في أمن وأمان، وهو ما يساعد على استقرار المنطقة والعالم، في مثل هذه الفترة المضطربة.

وكشف عن أن اليونان خصصت للشعب الفلسطيني ما يزيد عن 26 مليون يورو في السنوات الخمس الماضية، بالرغم من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها.

وبشأن سبل حل المشكلات التي تواجها المنطقة، قال الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس “نحن نؤمن ونعتقد بأن مواجهة المشكلات في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط تتوقف على التنمية الاقتصادية، وتحقيق الأمن، ومواصلة مرحلة التحول الديمقراطي، وتوافر المزيد من التفهم داخل الاتحاد الأوروبي لطبيعة التحديات التي تنفرد بمواجهتها منطقة جنوب المتوسط”.

الرئيس اليوناني بروكوبيس بافلوبولوس والوفد المرافق له يشاركون في مراسم افتتاح كنيسة ومتحف القديس مار جرجس في مصر القديمة حيث تتجسد أفضل صور التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين. ويعد دير مار جرجس بالنسبة إلى المجتمع اليوناني والقبطي في مصر من أهم المعالم الدينية المسيحية التي تلخص تاريخ حياة الرهبنة والمساهمة الاجتماعية لبطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس في مصر.

وبخصوص زيارته لمصر، قال بافلوبولوس “ليس غريبا أن تكون أول زيارة له بعد قبرص إلى مصر، حيث توجد بين الدولتين علاقات تعود إلى 40 قرنا من التاريخ والحضارة المشتركة، وثبت أن البحر المتوسط لم يفرّق بين البلدين، وكانا دائما متجاورين ومتعاونين، والآثار تشهد على ذلك”.

وبين الرئيس اليوناني أن هناك العديد من الفرص السانحة لتعزيز العلاقات مع مصر، ومنوها بالدور الرائد الذي تقوم به القاهرة في منطقتي الشرق الأوسط وشرق المتوسط، ومتمسكا بأهمية تفعيل التعاون في الأطر الإقليمية والدولية، للتغلب على المشكلات التي تواجه المنطقة.

وأضاف بافلوبولوس أن هناك فرصا واعدة يوفرها الموقع الجغرافي المتميز لمصر، حيث تمثل بوابة لأفريقيا، ومعبرا نحو دول الخليج العربي، فضلا عن ترحيب القاهرة باستقبال المزيد من الاستثمارات اليونانية.

ولفت إلى أن افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة وتنمية منطقة القناة سيكون من شأنه تيسير حركة الملاحة الدولية، وتوفير إمكانيات كبيرة للاستثمار، مؤكدا مشاركته في حفل افتتاح القناة، بعد أن وجه إليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي دعوة للحضور.

وأشار إلى أن بلاده تسعى لتعزيز وزيادة استثماراتها في مصر، آخذا في الاعتبار أن اليونان رابع أكبر الدول الأوروبية في السوق الاقتصادي المصري، باستثمارات تبلغ أربعة مليارات يورو، كما أن لديها 180 شركة عاملة في مصر، وبلاده تتطلع أيضا لتعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتبادل الثقافي.

4